Atwasat

أدب الجوائز! (10)

القاهرة - بوابة الوسط الخميس 26 سبتمبر 2024, 03:39 مساء

لا رواية أخيرة، ولا محطّة نهائية لجوائزها، بل كُلّما زادت أعداد الروايات زادت أعداد الجوائز والفائزين بها والخاسرين، حتى ليبدو أننا أمام متلازمات «عبثية» أصابت الحياة الثقافية وجعلتها مثل سوق للألعاب الأدبية ومواد للتسلية الاجتماعية.

BCD Ad BCD Ad

سألني صديق، ماذا يحدث لثقافتنا العربية بعد أن كانت عنواناً لرصانة العقل الذي أبدع في الفكر والأدب والاجتماع ما لم تبدعه حضارات أخرى؟.. فأجبته، العيبُ هذه المرة فينا وفي الزمان، فنحن مهما أطلنا البقاء على قمّة مجدٍ ما، نعود إلى رحلتنا الأولى مع «القوافل»، نعود إلى فكرة الرحيل التي أبقت الأثر في الطريق، ثم غادرناه ليموت في مكان لم يعُد لنا ولم نكن يوماً له، نحن وجودنا على الأرض رهين المكان الموقت في العبور لأننا عابرون، لذلك لم نؤسس وجودياً لنبقى كما الحضارات العظيمة عبر التاريخ، وكُل أثر لنا في الحياة كان مسيئاً لفكرة الوجود بالأساس.. نحن لم نزرع، ولم نصنع، ولم نضع الطوب لبناءٍ واحدٍ كالذي بناه الإغريق والرومان والفراعنة، انظر مثلاً إلى العمارة في موسكو منذ عهد القيصر، وانظر إلى روما ثم انظر إلى عمارتنا العربية في كُل العهود. ما بناه العثمانيون هو ما نعتز به اليوم ونعتبره مكاننا القديم الدافئ الذي عشنا فيه أجمل أيامنا زمن الطفولة، كذلك المعمار الإيطالي الذي جلست فيه الدولة بمختلف مؤسساتها ولم تخرج منه إلّا حديثاً وإلى طراز الآخر أيضاً.. نحن لا نشبه أحداً في شيء، لذلك ننال الجوائز استعارة لفكر الآخر وثقافته وتعزيزاً لوجوده فينا وليس تعزيزاً لوجودنا معه!

برحيل رموزنا الثقافية العربية الكبيرة، رائدة حركة التنوير والنهضة، غابت المفاعيل التي كانت تلجم الهذيان وتوقفه عند حدوده، وهي القامات التي كانت تعي حقيقة الاستعمار الذي رحل بجيوشه لكنّه أبقى على مشروعه الثقافي في المنطقة، فكان الاستلاب الثقافي العلامة البارزة لبقاياه التي تنامت مع برامج مراكزه الثقافية وصحفه ومجلّاته وإذاعاته الموجّهة، إضافة إلى دراسات الاستشراق التي تغلغلت في المجتمعات وكشفت عن مختلف محاصيل المعرفة بالثقافات العربية.

غاب الكِبار فلعب الصِغار بالإرث العظيم للأمة العظيمة التي أنارت العالم في زمن العُظماء، ثم انطفأت أمام عواصف الحداثة الغربية التي اجتاحت العقل العربي بسموم الاستلاب فجعلتنا أمة تابعة غير متبوعة، وفي إزاء حوار الثقافات بين الشرق والغرب، فلا سؤال جديدًا للعقل العربي بعد رحيل الكِبار من جيل التنوير والنهضة في بلاد المغرب العربي ومشرقه، وكُل الأسئلة التي كانت تضئ العقل لعقود تلاشت في زمن الصِغار، من المراهقين عُشّاق الاستسهال الثقافي في الفكر والإبداع، والمغرمين بتسلية مهرجانات الجوائز التي يمنحها أمراء الثقافة على امتداد الوطن العربي كيداً في الأصالة والهُوية.

العقاد: جائزة نوبل تتويج وتقدير
كان الكِبار نداً معرفياً لكُل مظاهر الاستلاب الثقافي، وكان رفض العطايا من شيم هؤلاء الكِبار في حياة الأمة العظيمة الغنيّة بتراثها الفكري، ومن هؤلاء يبرز موقف «عبّاس محمود العقّاد» من الجوائز في فصل «رافض الجائزة» ضمن كتابه «جوائز الأدب العالمية» الذي فنّد فيه الحجّة بالقول إن جائزة نوبل «ليست من جوائز التشجيع التي يُراد بها تنشيط السابحين في طريقهم إلى برّ الأمان، وإنما هي جائزة تتويج وتقدير. ورأى «العقّاد» أن الكاتب «برناردشو» لم يرفض الجائزة لهذا السبب، ولكنه رفضها لأنه رأى أنها تخطته عدة سنوات، ووصلت قبله مرات عديدة إلى أناس لا يساوونه في نظر الناس، ولا في نظر نفسه، ويبدو أن العقاد مثل برناردشو الذي وصفه بأنه توّاق للجوائز التي تتجاوزه عاماً بعد آخر، إذ يقول العقّاد: «إذا أرادوا نشر الإسلام طبعوا كتبي، وإن أرادوا محاربة الشيوعية طبعوا كتبي، وإن أرادوا ترشيح أحد لجائزة نوبل، رشحوا طه حسين»!

أدباء كثيرون، عرب وعالميّون، رفضوا نيل الجوائز الأدبية لاعتبارات كثيرة، منها الموقف الشخصي من تأخُّر نيلهم الجائزة، ومنها القناعة الثقافية بأن الجائزة قيمة شراء للكاتب أو «صك غفران» على حد تعبير «سارتر»، ومنها الموقف الأيديولوجي من سياسات الدول والمؤسسات المانحة لها، وفي عالمنا العربي رفض الروائي المصري «صنع الله إبراهيم» جائزة الرواية العربية عام 2003، كما رفض عالم الاجتماع الألماني «يورغن هابرماس» جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2021، وكذلك رفض الكاتب الإسباني «خوان غويتيسولو» جائزة القذافي عام 2009 كما رفضها المفكر المغربي «محمد عابد الجابري» الذي رفض أيضاً جميع الجوائز التي مُنحت له. ولعل موقف «الجابري» من التكريمات يذكِّرنا هُنا بموقف «سارتر» من جائزة نوبل، فالمثقّف الناقد للمؤسسات يجب أن يتمتّع بالحرية الكاملة غير المنقوصة، ولعلّ الجوائز من وجهة نظر رافضيها تُعدّ قيوداً على حرية النقد لتلك المؤسسات.

ماذا تمثِّل الجائزة للكاتب؟
مع انتشارها اللافت في العديد من البلاد العربية، وبلوغ قيمتها المادية أرقاما كبيرة، خاصة في دول الخليج، أصبحت الجوائز هدفاً في حد ذاتها يسيل لها لعاب العديد من الأدباء المتعطّشين للشهرة والمال، خصوصاً من جيل الشباب الذين غالباً ما تصدر أعمالهم في توقيتات محدّدة من السنة لتطابق شروط التقدُّم لها كما هو الحال مع جائزتي «البوكر» الإماراتية و«كتارا» القطرية، حيث تخلو النقاشات الأدبية، سواء في الندوات، أو في الصحافة، أو حتى في أحاديث «النميمة» من الكلام عن التربيطات والعلاقات التي صارت تحكمهما لدرجة التشكيك في نزاهتهما.. ويبقى السؤال القائم ثقافياً أمام هذه المنحات المجانية «المشبوهة»، ماذا تمثِّل الجائزة للكاتب؟ وهل هي قادرة على إكسابه الانتشار والشهرة بين جموع قُرّاء صاروا يفقدون الذائقة والثقة في كَم الأعمال التي نالت الجوائز وأغلبها ضعيفة؟ وهل تضيف الجائزة قيمةً ما للكاتب أم أنها فعلاً مُجّرد تعبير عن ذوق لجنة معيّنة في توقيت معيّن؟ وهل الكاتب الذي يحصل على الجائزة هو أفضل من بقية المتقدِّمين لها؟ ولماذا أصبح هناك ما يشبه اللهاث خلف الجوائز؟.. أسئلة كثيرة تعترض طريق الجوائز وتحتاج إلى إجابات من أدباء وكُتّاب اختلفت آراؤهم حول مؤسساتها وطبيعة لجانها وآليات عملها وقيمها المعنوية والمادية. 

- إقرا المقالات السابقة من سلسلة أدب الجوائز

يقول الشاعر السعودي «علي الحازمي»؛ إننا لو تأمّلنا الآلية التي تقوم عليها الجوائز لوجدنا أنها في المُجمل تعبِّر عن وجهة نظر لجنة ما حول عمل أدبي أو تجربة إبداعية، اللجنة أيضاً عليها أن تنجز عملها في توقيت معيّن وخلال فترة مُحدّدة، مثل هذه الظروف وما يصاحبها من ضغوطات، قد تنتج بالضرورة نتائج مشوّهة في النهاية، ويلفت «الحازمي» الانتباه إلى أن هناك الكثير من الأسباب التي قد تربك دقة هذه النتائج، كأن لا يعلم مبدعون كثر عن الجائزة أو عن توقيت المشاركة فيها، أو أن يمتنع الكثير منهم عن المشاركة فيها لأسباب مختلفة، وفي المقابل على اللجنة أن تنجز مهمتها، ويكون اختيار الاسم الفائز على طريقة الجود من الموجود، وقد يحدث أن تسيّس الجائزة كأن تمنح لاسم من بلد ما لظرف سياسي ما، هناك أمور عديدة غير الجودة الأدبية قد تحول بين وصول الاسم الذي يستحق أن يمنح الجائزة وبين الجائزة. مع ذلك يضيف «الحازمي»: تظل الجوائز الأدبية برّاقة لأنها تُسهم بطريقة أو بأخرى في تقديم الأصوات الأدبية إلى شرائح عديدة من المجتمع، وتسهم بمقروئية عالية لتلك الأعمال الفائزة، وقد تذهب بها إلى أبعد من ذلك، كتلقي عروض للترجمة وما شابه ذلك، ويعلِّق بقوله أن كُل هذه الأسباب تعُد كافية لما نلاحظه من سباق محموم على هذه الجوائز ومكاسبها المالية!

 أهمية الجائزة تختلف أحياناً بحكم توقيتها
يقول الكاتب المصري «محمد خير» إن أهمية الجائزة تختلف أحياناً بحكم توقيتها في حياة الكاتب، وأحياناً أخرى تختلف بحكم المجال الإبداعي، إنها مهمّة في البدايات لتخبرك أن لديك شيئاً ما، وأنه قد اتفق على ذلك ثلاثة أو خمسة أشخاص على الأقل هم أعضاء لجنة تحكيم، وهي مهمّة أحياناً في منتصف الطريق لتخبرك أنك لا تزال على المسار الصحيح، وقد تكون مهمّة إذا مُنحت إليك في مجال إبداعي تحتاج فيه إلى بعض الثقة، لكن في كل حالاتها، وفي كل توقيتاتها لا ينبغي أن تنسيك هذه «الجوائز» أنك تتبع أولاً وأخيراً صوتك الداخلي، وأنك حين قررت صغيراً أنك تحب الكتابة لم تكن تعرف شيئاً عن الجوائز!

في تقديره لعبارة «الكاتب الأفضل» يعلِّق «خير» قائلاً: «هي في كل الحالات تعبِّر عن وجهة نظر اللجنة، وقد يعني ذلك أحياناً أن الكاتب هو الأفضل بالفعل وقد لا يعني. المهم أن كلمة (الأفضل) هنا - سواء صحّت أو أخطأت - يُقصد بها الأفضل بين مجموعة متسابقين، أو على وجه الدقة، مجموعة نصوص معيّنة في توقيت معيّن ومسابقة معيّنة، وذلك التحديد لا يقلل من قيمة الجائزة ولكنه أيضاً لا يمنع الفرح بها».. وعن الشغف والركض المحموم لكسب الجائزة يقول محمد خير؛ «لعلّ الظروف الاقتصادية الصعبة للكتَّاب عموماً، وفي هذه السنوات خصوصاً، تضافرت مع ثقافة وسائل التواصل الاجتماعي، لتجمع بين الأعباء المادية والنفسية، بين احتياج الكاتب إلى دعم اقتصادي يعوّضه عن ساعات العمل بالكتابة، واحتياجه كذلك إلى بعض الضوء حتى لا يُنسى. والكتابة بين هذين العبأين، وأقصد الكتابة الجيِّدة، تحتاج إلى قوة نفسية ربما تزيد كثيراً عمّا احتاجت إليه أجيال سابقة».

وعن كونها حالة إرضاء، يُعلِّق الكاتب العُماني «هلال البادي» بقوله؛ «سأكون كاذباً لو قلت إن الجوائز لا تعنيني، ولا أظن أن أي كاتب ومُبدع سيقول إنه غير معني بالجوائز، أو إنها لا تشكل شيئاً بالنسبة إليه».. ويعتقد «هلال» أن الجوائز وبعيداً عن جانبها المادي تمثل حالة إرضاء بالنسبة للكاتب، تمثِّل حالة نفسية ليس من السهولة تفسيرها، لكن في المقام الأول والأهم، هي حالة من الاعتراف الذاتي بأنّ ما نكتبه يمثِّل قيمة، مهما ادّعينا أننا قد تحققنا، وبأننا وصلنا، لكن يظل هناك بعض الشكّ في الأعماق الخفية يقول لنا إننا نحتاج إلى اعتراف، اعتراف بما نكتب، هذا الاعتراف ليس ممّن هم حولنا، بل من إنجازٍ ما نحققه على مستوى الكتابة، وهنا يأتي دور الجوائز في تحقيق هذا الشعور وهذا الرضا، وإن كان بشكل موقت وغير دائم، لكن المهم أنك في مرحلة ما تحتاج إلى استنطاق ذاتك تجاه ما تكتب، وإزالة حالة الشكّ المتربّصة بك. في مستوى آخر، بحسب «البادي»، فإن البحث عن مردود مالي وقيمي هو حق أصيل للكاتب والمُبدع، والجوائز على اختلاف قيمها المادية، تحقِّق مثل هذا الأمر، كما أن قوّة بعض الجوائز في منح صك للفائزين وحتى المشاركين والواصلين إلى قوائمها المختلفة، صك يفتح أبواباً أخرى، ليست بالضرورة أبواب المال. أما عن مقولة أن الجوائز أفسدت الإبداع والمبدعين والذوق، فهذا كلام مُرسل، لا صحة على مصداقيته، مثله مثل مقولة إن البؤس والشقاء والعذابات التي تمرُّ بالمبدعين هي التي تُخرِج الإبداع الحقيقي، وغالباً من يروِّج مثل هذه المقولات يريدون ما تمنحه الجوائز من قيمة مادية وتكريمية دون منافسة، مع أن فكرة الجوائز هي التنافس، ومهما كانت النتائج فإنها لا تلغي قيمة المبدع الحقيقي ولا إبداعه، وفي ذلك يعلِّق البادي: «هناك كتَّاب عظام لم يفوزوا بنوبل مثلاً، فهل كان إبداعهم قاصراً؟ على سبيل المثال أذكر (ميلان كونديرا) الذي رحل عن عالمنا ولم يفز بهذه الجائزة حتى مع تكرار ترشيح اسمه سنوياً، والأمر يقاس على آخرين متحقّقين ويستحقون نوبل وغيرها، ولكنهم لم يفوزوا بها، فهل عدم فوزهم بنوبل ينسف إبداعهم؟ وهل نوبل ذاتها أفسدت الذائقة والإبداع؟».

ويرى الكاتب العُماني «هلال البادي» أن الأمر ذاته ينطبق على جوائز عربية مثل «البوكر» المخصَّصة للرواية، فيقول: «منذ لحظة إنشائها وهي تشهد كل عام لغطاً غير متناهٍ حول مصداقيتها وأحقيّة الفائزين فيها بالفوز، بل إنني ومنذ سنوات أقول إن هذه الجائزة تحديداً كانت تنتصر في مرحلة من مراحلها للجغرافيا والتوزيع الجغرافي، ثم بدت أنها تنتصر للأسماء، ولكن هل مثل هذا الكلام ينفي أهمية هذه الجائزة؟ وينفي ما قدّمته من إنجاز لكتَّاب الرواية العرب؟ في نظري مهما كان الكلام والنقد الموجّه لمثل هذه الجوائز فهو لا يعني أنها لم تُفِد الإبداع والمبدعين على حد سواء».. وفي جانبٍ آخر يرى «البادي» أنه ينبغي علينا تذكُّر أن الإبداع الإنساني لا يُقيَّم وفق معادلات رياضية، بل وفق ذائقة عدد من المحكِّمين وضعوا إطاراً تقييمياً اختاروا من خلاله الأعمال المرشّحة للفوز والأعمال الفائزة، ويعلِّق: «لاحظ هنا أنني أقول الأعمال وليس أصحاب تلك الأعمال، ذلك أن التقييم ليس للكُتَّاب بل لما كتبوا، وغالباً لو اختلفت اللجان لاختلف المرشّحون والفائزون أيضاً، ومهما كانت النتائج، لا تعني شيئاً مقابل المُبدع، فهو يظل مبدعاً وإن لم يفز، والنص الإبداعي الحقيقي عصي على النسيان وإن لم يفز بجائزة من الجوائز»!

   سالم الهنداوي

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
مركز المحفوظات يصدر كتابا حول الوضع السياسي والاقتصادي لموريتانيا الطنجية
مركز المحفوظات يصدر كتابا حول الوضع السياسي والاقتصادي لموريتانيا...
في محاضرة لـ«فاندي».. تفاصيل الإعجاز الفني القرآني بمجمع اللغة العربية
في محاضرة لـ«فاندي».. تفاصيل الإعجاز الفني القرآني بمجمع اللغة ...
براءة الفنانة جيهان الشماشرجي من تهمة السرقة بالإكراه
براءة الفنانة جيهان الشماشرجي من تهمة السرقة بالإكراه
وزارة السياحة والآثار تواصل مساعيها لإنشاء المتحف الإقليمي بمدينة شحات
وزارة السياحة والآثار تواصل مساعيها لإنشاء المتحف الإقليمي بمدينة...
«مهرجان درنة الزاهرة المسرحي» يعلن استئناف مسابقة التأليف المسرحي «جائزة عبدالعزيز الزني»
«مهرجان درنة الزاهرة المسرحي» يعلن استئناف مسابقة التأليف المسرحي...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم