ألقى النقابي والسياسي علي اللافي محاضرة، الثلاثاء، بحوش محمود بي، نظمتها الجمعية الليبية للآداب والفنون، وأدارها الكاتب رضا بن موسى الذي عرّف اللافي كأحد رموز النخبة السياسية الليبية التي عاصرت وساهمت في الحياة السياسية الليبية منذ الستينات من القرن الماضي وحتى اندلاع ثورة فبراير 2011.
اللافي سرد أحداث ووقائع عاش بعض تفاصيلها بدءًا من منابت طفولته في قرية الداوون بترهونة وانضماَمه للكشاف وتعرفه على شخصيات أدبية وفنية منهم الشاعر أحمد النويري، والفنان محمد الكور، والباحث سعيد القشاط. ثم مواصلة دراسته في المعهد التجاري والفني بطرابلس وتخرجه في العام الدراسي (62-63)، والالتحاق بعدة وظائف منها داخل قطاع النفط، وهنا عاصر اللافي قرار تغيير ؟أسماء الشركات الأجنبية إلى العربية فيما سمي بالتأميم موضحا أنه لم يكن تأميما بل شراء ما نسبته 51٪ من حصة تلك الشركات لصالح المؤسسة الوطنية للنفط.
أفكار تنويرية
وتطرق اللافي لمشاركته في العام 1964 في نشاطات نقابة عمال النفط التي أتاحت له فرصة الاحتكاك بنخب ثقافية وحزبية مكنته من معرفة مراحل التنشئة السياسية وتبنيه لأفكار تنويرية تهدف إلى النهوض المجتمعي لتجاوز الثقافة التقليدية السائدة.
- «ذاكرة ذات» في ندوة بـ«حوش محمود بي»
- الملكية الفكرية وحقوق المؤلف بحوش محمود بي
وتصمنت اللقاءات إقامة برنامج عروض كتب أدبية وفكرية تتبنى موضوعات العدالة والتكافل والتطلع لمستقبل أفضل، وتتحدث عن أهمية المقاومة، من تلك الأعمال «الأم» لمكسيم جوركي وغيرها مشيرا أنه في العام 1967 تبنت الحركة أدبيات العمل الماركسي بدل القومي، فحدث انشقاق واسع في صفوف الحركة.
وواصل اللافي «أنه على خلفية العدوان الإسرائيلي على مصر، تنادت كل القوى السياسية بجميع توجهاتها بالقيام بمظاهرات منددة للعدوان ومساندة للجيش المصري خصوصا بعد ورود معلومات عن مساهمة القواعد الأميركية في العدوان حيث تصاعد الغضب الشعبي في بنغازي وطرابلس مطالبا بوقف تصدير النفط لأميركا، مما أدى إلى الاتفاق على عمل إضراب، من تداعياته اعتقال غالبية حركة القوميين العرب وكان من ضمنهم».
وتحدث اللافي عن فترة السجن السياسي التي استحدثه عبدالحميد البكوش وزير العدل آنداك وهو الأول من نوعه عربيا، حيث يمكن السجين ممارسة نشاطات ترفيهية والسماح بالزيارات على مدار اليوم، إضافة إلى نظافة المكان وغيره.
وأردف اللافي أن «هذا الهامش سمح لهم بعمل نشاط ثقافي تناول موضوعات وتنظيم محاضرات عن (تطور العقود البترولية في ليبيا)، والتضامن مع القوي التقدمية في أميركا اللاتينية إثر حادثة اغتيال جيفارا».
القذافي والشارف
ومن ضمن ذكرياته السجنية تحدث اللافي عن علمهم بالانقلاب العسكري الذي يعد له مجموعة من الضباط صغار السن، ورصدهم لأنباء التحرك جاء على خلفية زيارة الضابط عامر عبدالجواد أحد أفراد التنظيم لخاله مفتاح الشارف، وكيف كان الأخير متوجسا ومتسائلا عن خطة ما بعد السيطرة على الحكم، وهل سنرى نظاما مدنيا أم سيتمسك الضباط بالسلطة ونصبح تحت حكم العسكر، وكان يغلب إجابة عامر صوت العاطفة والحماس، الأمر الذي دعى عامر لترتيب زيارة الملازم معمر القذافي في شهر أبريل 1969 إلى السجن والتحدث إلى مفتاح الشارف، وجرى نقاش مطول عن هدف التغيير، وعرف الشارف بشخص اللافي كناشط نقابي وبادره القذافي بسؤال عن دور النقابات إلا أن الشارف أشار بيده للافي بعدم الإجابة وعلل له ذلك لاحقا أن التفاعل مع هذه الترتيبات الغامضة قد يدخلنا في أمور غير محمودة العواقب، كما أن السيد مفتاح الشارف له وجهة نظر في الانقلابات العسكرية التي غالبا ما تحركها المخابرات الغربية والأميركية باستخدام صغار الضباط واستغلال شغفهم للتغيير، وللشارف ورقة حول هذا الموضوع.
تراجعت جدوة النشاط السياسي بحسب وصف اللافي بعد الخروج من السجن وانكسرت التطلعات بسبب الإحباط وضبابية الرؤية، فيما أبقت شعلة التفاؤل على الحد الأدنى من النشاط الأدبي.
وعقب سيطرة الضباط على الحكم 1969 كانت النقابات في نظرهم هي الفضاء الوحيد للنقاش وإمكانية العمل، إلا أن البيئة لم تعد تسمح بأي هامش للتعبير أو الاحتجاج وترسخت لدينا قناعة أن العمل داخل عش الدبابير مغامرة كفيلة أن تحرقهم.
ووصف اللافي أحوال العشرية الأولى بعد 1969 بالـ«مُحبطة» حيث عمل النظام على محاولته فرض أدبياته الخاصة تحت عبارات وشعارات تظهر التعاطي مع الرأي الآخر فيما تختفي داخلها قبضة النظام وسطوته.
تعليقات