تعد لوحة «صوت البحر»، للفنان التشكيلي الصيني المعاصر «واي مينغ»، التي أنجزها عام 1989، من أجمل أعماله. وتخبرنا سيرته أنه ولد في «كانتون» جنوب الصين 11 نوفمبر 1938، وهو ابن معلم فقير للغاية يعول تسعة أطفال، نشأوا ببيئة فقيرة للغاية في هونج كونج وشهدت صعوبات عديدة، أبرزها المشاكل ما بين هونج كونج كمستعمرة بريطانية وكونها أرضا صينية، ما خلق اضطرابات وسط بيئة لم تتحدد هويتها، خصوصا أنها عانت طويلا قهرا استعماريا، ناهيك عن مشاكل مستوطنات اللاجئين.
الفنان الصيني «واي مينغ» عاشق الفن
غير أن عشق الفنان «واي مينغ» الفن، وإصراره على تطوير تقنيات فن الرسم معتمدا على موهبته، وقدرته الخارقة على رسم دقيق لما يشاهده، دون أي تعليم فني، مكنه خلال الستينيات القرن الماضي من إقامة معرض له في هونج كونج، وكان ذلك بداية انتشار رسوماته التي أسس منها خطوته التالية في تأسيس معرض دائم مستمر، لنشر أعماله، التي مهدت له الطريق عبر المحيط، فاتجه وهو في الثلاثينيات من عمره نحو «سان فرانسيسكو»، التي وصل إليها خلال عام 1974، مواصلا الرسم بمهنية نادرة، حتى نالت لوحاته الزيتية الأصلية، وكذلك استنساخه الفنون الجميلة، إعجاب من شاهدها في جميع أنحاء العالم، وانتشرت طبعات مستنسخة من لوحته الشهيرة «صوت البحر» التي رسمها عام 1989.
«واي مينغ» فنان لا يخاف الموت!
وقد نُشر له مقال في 24/3/2015، أعلن في عنوانه أنه لا يخاف الموت! وبعد انضمامه وخدمته الثورة الثقافية البروليتارية الماوية الكبرى، كان من أوائل من انضموا للمجموعة الأولى من الفنانين التي تركت الصين عام 80. وبآمال عريضة، استقر في فرنسا لدراسة الفنون الجميلة، وحصل على دبلوم في هذا المجال من باريس وروما. ولقد تغيرت بالفعل حياته الثفافية بسبب تغيرها الجغرافي، وأيضا الثقافي، ودارت أعماله الفنية بالأساس حول «الصورة»، وهي نوع فني يفسر الضغوط النفسية التي تعكسها شخصياته الأيقونية.
«واي مينغ» .. العالم المتعولم!
ومن أبرز ما قرأته حول ارتباط الثقافة بأعمال المبدع أنه عند دخول استوديو الفنان الفرانكو-صيني تشعر في التو ليس فقط بالترحال عبر تاريخ الرسم الغربي، بل أيضاً بالتعرف على بعض أدوات الفترة التي كان فيها في خدمة نظام ماو. وربما يكون ذلك خير مثال على ما يمكن أن نسميه اليوم «العالم المتعولم»، حيث يعاني الإنسان بطريقة دراماتيكية تجربة العزلة والموت.
يقول : "ماتعلمه في الصين كان رسما دعائيا"
ويقول «واي مينغ» في معرض لقاء له مع جريدة «إيه بي سي» الإسبانية التي سألته: «تربيت بالصين في ظل الثورة الثقافية حتى بلغت سن العشرين، ثم انتقلت لتعيش في فرنسا. كيف كان التطور التصويري من مرحلة قيود الفن الدعائي في خدمة النظام إلى مرحلة الحرية المطلقة؟»، فقال ما معناه: «في تلك الفترة بالصين، كان التأثير في الفن هو تأثير الأكاديمية القادم بالأساس من الاتحاد السوفيتي. كان رسماً دعائياً في خدمة نظام تلك الحقبة. السنوات الخمس التي قضيتها في المدرسة العليا للفنون الجميلة بـ(ديغو) كانت بالنسبة لي الحرية الكاملة. بداية من تلك اللحظة استطعت أن أصهر ما تعلمته من الرسم الدعائي مع رؤية شخصية جداً لعالم اليوم. حريتي في التعبير منطوقة جداً في عملي الحالي».
قال: «أبرز ما في فرنسا الفردية.. ».
وعن الصدمة الثقافية من الشرق للغرب، من نظام شيوعي إلى فرنسا ميتران الاشتراكية، قال: «أبرز ما في فرنسا الفردية. بالنسبة لي، كانت سياسة ميتران، بلا شك، اشتراكية، لكنها أيضاً ليبرالية. حصلت على منحة من الأكاديمية الفرنسية بروما عام 93. أما الانطباع الذي تركته في إيطاليا، فخلاصته أنها تجربة فريدة. عشت عاماً مذهلاً. كنت كأنني في الجنة، وأتتبع خطى كل الرسامين العظماء الذين عبروا بتلك المدينة. هؤلاء الأساتذة القدامى يساعدونني على فهم فن الماضي، ويفتحون لي طريقاً نحو فن اليوم. كانت تجربة لا تنسى». وأضاف: «في أعمالي ثمة حالات شعورية كثيرة: استياءاتي، آلامي، ارتيابي. حضور الموت فيها مهم جداً، وكذلك، بالطبع، الطاقة والحياة. لا أحتاج فعل شيء ديكوري أو مصطنع. الرسم محض عناق». وأجاب عند سؤاله ما الذي يضايقك في فكرة الموت؟: «عندما أفكر في الموت أنتفض. بداية من هنا، يمتلئ عملي بالحياة. لا أخاف الموت. أخاف ألا أعيش أكثر».
تعليقات