Atwasat

«الكلب الذهبي».. رؤيا في سيرة المسوخ

طرابلس - بوابة الوسط: عبد السلام الفقهي السبت 14 مايو 2022, 12:05 مساء
alwasat radio

إن انبعاث «الكلب الذهبي» كرؤيا من رماد تحولات السردية الأبوليوسية يقودنا للسؤال عن مدى تجسيد الأخيرة لواقع كاتبها، وهل كانت معنية بذلك، قد تبدو الحاجة للتحول مشدودة بالفضول، وأمنية استحوذت على خيال البطل، غير أنها سؤال يضرب عميقا في جوهر القلق المعرفي لا الحياتي، استندت فيها على التأمل الأفلاطوني إذ كانت النزعة الحالمة تتجه إلى التحليق والصعود رغبة في التطهر أو متشوقة لاكتشاف ذاتها بفهم ينتصر للرؤيا قبل التجربة متعالية عن منابتها المدوارية، واقعا في قبضة تأمل يوتيوبي منزوع الدسم ربما يكشف هيمنة أنساق ثقافية عبرت عن وجودها في داخله دون وعي منه وذلك جوهر المسخ ومأساته، أن تكون موجودا وغير موجود، وبوجه آخر معرفا بفعل التخيل ووهجه الخرافة لا بفعل المنطق.

كانديد وسعيد
تلجأ رواية منصور بوشناف – كحكاية - للارتكاز على لعبة المفارقات مجسدا في عنوانها «الكلب الذهبي»، أو «سعيد» المنطلق كرصاصة طائشة لتستقر في قلب الأرملة الإيطالية، المفارقة في المدلول الذي يناقض نفسه وينسف فرضيته لكنه يعطينا صلاحيات أوسع للتبحر ضمن ثلاثية الراوي والقارئ والرسالة، وتزداد درجتها بتحول آخر مركب، يسخر فيه الأخير من مساره الآدمي، كما لو انتزع من روح ملائكية ووضع في جسد شيطان، تلك هي المقاربة المرادفة لصورة ملاك رواية «عدو البشر» لعبدالحميد جودة السحار حيث هبط الملاك من السماء وتحول إلى بشر، عالم الليبيتشو الأرضي يرتد في أحلام سعيد السماوية توقا إلى فردوسه المفقود «ليظل حلم العودة إلى جنان الكلاب لا يغادر مخيلته» ص8، إذ «ينهض تفاعل الجدلي بين الموضوعي والذاتي للراوي كمقابلة بين مظهر الحياة وحقيقة الفن، بين وجود المؤلف البطل أو الراوي أو ارتفاعه فوق عمله»1.

- بين «العلكة» و«الكلب الذهبي».. سرد يوصف عناصر الهشاشة ومفهوم الكيان

وفي المقابل تفرض واقعية عالم الليبيتشو وجودها كمجال حيوي ولازم لا يخلص إلى الصدام كهدف بل إلى رؤية الحياة بلا مكياج مجردة من المتخيل الذي لا يسنده الواقع كما في تجربة «كانديد» بطل فولتير الذي تحول إلى متسكع مطرود من جنة القصر، مواجها دنيا تعاكس مثالية معلمه القائلة «إن السعادة هي الأصل»، ترتفع صورة المقابلة هنا لترادف منطق فيلسوف «العلكة» العبثي صائحا في وجه تلاميذه «المضغ أزلي»، كلاهما يناقض واقعه وتتكفل السخرية بفضحه وتعريته بعد نقله من فعل التنظير إلى حقل التجربة.

إن نماذج المفارقة تقنية سردية قديمة، واستمرار إيحاءاته في الواقع دليل بقاء تيمته الأزلية الجريمة والعقاب، وهي بدورها تتحول وتتحور كامنة في عناصر الأسطورة والحكاية والخرافة ومسار تاريخ المسوخ الذي ينهض ويتزخر بفعلها، فهي كما يقول توماس مان «ذرة الملح التي وحدها تجعل الطعام مقبول المذاق» كما تبني حجتها أي المفارقة على وجود سلطة قاهرة متعددة الأبعاد، تفجر الرغبة في الدلالة عليها بصورة عبثية مستفزة وساخرة كما في رواية «سعيد أبي النحس» لأميل حبيبي واصفة قهر المحتل لصاحب الأرض، وبذا يضع البطل المسمى «المتشائل» أمام سؤال تهكمي هل هو متفائل أم متشائم، كما يضع بوشناف كلبه الذهبي أوالليبيتشو أمام السؤال ذاته؟ وهو تهكم بلغة الأضداد أو اللغة الجديدة بحسب رأي جورج أورويل «التي تستخدمها السلطة في وضع نظم كاملة حيث تعني الكلمات عكس دلالتها»2.

جوهر الإرجاع
ربما إمكانية السؤال عن جدوى المسخ، قادت صاحب «الكلب الذهبي» لإعادة صياغته من زاوية أخرى مغايرة تلتصق بالأرض ولا تروم الصعود، وتلجأ للجدل بدل الهروب، ويمارس طقسه الفضولي بإرجاع الطائر الأمنية مرة أخرى إلى التراب وجره إلى مسخ آخر وبشكل معكوس، مبدلا التأمل بمقاربة تخلص معاييرها للكشف عن مواطن الهشاشة وتمظهراتها، هي بمثابة إزاحة مرجعية الفهم الأبوليوسي إلى نقطة متقدمة لمعاينة خط التحولات أو المسوخ منذ ذلك العهد وحتى زمن كتابة هذه الأمثولة، مدفوعة بكرة ملتهبة من علامات استفهام السابرة لكنه ما يحدث: أين؟ ماذا؟ كيف؟ لماذا؟ إلا أن وجودها لا يكفي إذ كانت هذه الاستفهامات وما زالت خاضعة لسلطة الحكاية وقوة نفوذها الآسر. وما نحتاجه كما يقول جرامشي الوعي بالذات ومعرفة النفس بصفتها نتيجة لعملية تاريخية جارية حتى اللحظة، وهي العملية التي أودعت في النفس آثارا لا يحصى لها عددها دون أن تصحبها قائمة جرد لها» ص70.

لن تكون هناك إجابة محددة فالطرح الفلسفي يحيلنا إلى متوالية لا تنتهي من التأويلات، بحكم تعاظم كتلة المتغيرات وأرضيتها المتحركة وهو ما يجعل السرد حافلا بالمنعطفات وواقعا في مأزق الإجابة.

قالب سرمدي
تنهض الرواية على رافدين اثنين طرح فلسفي ورؤيا مسرحية، من واقع خصوصية الحالة المتحولة أو الممسوخة والتي تتم على مراحل، مسخ أولي شكلي ممهد بتحول الكلب مسخا في جسد بشري، هو نتاج علاقته مع السنيورة أي مع الآخر والتي أنتجت مسخها المركب مرموز العلاقة المرتبكة مع الأجنبي والتي غالبا ما ظلت تأخذ طابع التابع، مترجمة في وضعية السؤال الذي يواجهه في كل مرة يقف فيها أمام المرآة من هو تحديدا «ليبي، إيطالي، حيوان، إنسان، مزيج، غير ذلك كله»؟

يتدخل الكاتب الراوي في كل مرة لفتح مسارات للسرد المتعثر بفعل الكثافة مستعينا بالحكاية التي يرويها في رؤيا ميلودرامية «إنني ألعب دور الراوي الذي وجد نفسه أمام الجمهور»3، ولأن الليبيتشو جزء من جغرافيتها سيبقى في النهاية أسير قوالبها السرمدية سليلها بلا شك رغم تطلعاته للتمرد أو تهشيم صلادتها المنيعة إلى شكل آخر من الصور الإخبارية، لكنه لا يجد بدا من تفسير الفكرة بالحكاية، وصولا لشرح فلسفة الأمثولة، من ذلك يتراجع السرد لصالحها ولا يخضع الزمن إلا لضروراتها، ولا تبدو الأحداث منطقية إلا بالنظر إلى جوهر الفكرة ذاتها، النص :«أنا كاتب أماثيل لا يكف عن تصحيح سرده دون شطب الأخطاء السابقة وإعادة كتابة النص من جديد، أنا كما ترى أحكي ولا أكتب» ص45.

تأصيل المسخ
هل يكفي التحول في الحكاية لنقتنع بنتاج قبلة السنيورة من سعيد، إذ لا بد من إيجاد مبرر لهذه الصياغة عبر بوابة الأنثروبولوجيا والخرافة، «صوت يأتي من عمق القداسة التراثية» بتصيير رسومات كلاب أكاكوس شهادة ميلاد للأمثولة، بعد أن تحررها الحكاية من سباتها الجداري وتقذفها في ممشى تمظهرات وأنساق بنائية تفرضها ثقافة المكان، وينطلق الرجال العراة برؤوس وذيول كلاب.. مدفوعين بقوة الأيروتيك الليبي، ومن ذلك تصبح هذه القبلة شرعية تحت مظلة تاريخ أسلاف الليبيتشو، لكنها قبلة مرتبكة فاقدة الطعم واللون والرائحة تتأرجح بين نضج منتظر لا تتبدى ملامحه حتى تستلمه سطوة الآخر القاهرة، وهوما يجعله تائقا إلى ذلك الجزء المفقود من ذاته بشيء من الألم والحنين والتشوف ويراه في فاطمة التي شاركته خدمة السنيورة ثم أصبحت زوجته، ويراها على النقيض في جموع الكلاب وهي تجوب أطراف المدينة، يتلاشى بين كينونته المسحوقة وهويته الضائعة وسط هشاشة الانتماء، حيث كان تاريخه يكتب خارج إرادته من خلال الآخرين، فقط عبر أفكارهم وتصوراتهم.

مركز التحول
ظلت الهوية القتيلة ماثلة كذلك في رغبة فاطمة امتلاك إرث سيدتها بانتعال حذائها لكنها تفشل وتتعثر، برغم انتفاء أسباب الخضوع شكليا بقيت الرغبة في التقليد دون إدراك لأنساقه الداخلية المتحكمة عاكسا جوهريا للميراث اللعنة، وذاك مركز التحول مسخ عميق ومزمن لازم الليبيتشو كحالة موضوعية وما زال يعاني ارتداداته حتى اللحظة، «ليست الهزيمة أن يندحر جيش أو يسقط نظام، بل الهزيمة ألا يصدق المرء أنه هزم ولا يدري كيف ولماذا».

صورة أخرى تمثل لحظة الهروب من فرن المسخ في مشهد الليبيتشو وهو يندمج مع كتلة الجموع المتدفقة فرحا بالتغيير بعد منعطف 1969، كان هتافه عواء يتصاعد مزيجا من السعادة والقلق.. والتساؤل ماذا بعد؟ ظل المجهول سيد الموقف، وكان استرداد الهوية المقتولة مشروطا بالنتيجة التي ستجيب عليها «العلكة» عندما تتواصل الهشاشة من العواء والصراخ لترتقي إلى التأتأة دلالة التأزم.

وبالنظر إلى فضاء هذا الهاجس نرى منحا آخر يرادف الصراع مع الهوية الوافدة وهو صراع الجغرافيا، الشمال والجنوب، البحر والصحراء، والعكس ذلك جزء من تكوين الليبيتشو الذي يحمل في داخله هذه التركيبة أيضا فهو مزيج وصيرورة هذا الإرث القديم، الذي وجد الكلب الذهبي رمزيته في تمثال الغزالة، كما أن كليهما نتاج بصمة إيطالية والتي كانت جزءا من زحف الشمال على الجنوب.

الإرث المشترك يجعل من الغزالة والحورية إلى مركز جذب أسر لليبيتشو بل مراته التي يسعى للنظر فيها وتمعن تفاصيله من خلالها لفهم شيفرة مسخه المركب، تبدو واضحة وخفية، معبرة ومبهمة، من خلالها مفازاته التي تشده من تاريخها السحيق وهو يرى سيرة التحولات الكبرى منذ ساحرة أبوليوس وحتى عهد الساحرين الجدد.

نقلا عن العدد الأسبوعي من جريدة «الوسط»
 


مراجع:

1- نقد الذات المفكرة «علي حرب»

2- المثقف والسلطة «إدوارد سعيد»

3- الوجود والماهية عند افلاطون «بول ريكور»

4- المفارقة وصفاتها «د. سي. ميوك»

5- «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس» رواية للكاتب ايميل حبيبي

6- كانديد «رواية» فولتير

7- الاستشراق لإدوارد سعيد

منصور بوشناف (أرشيفية: الإنترنت)
منصور بوشناف (أرشيفية: الإنترنت)

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
السجن 21 عاما لأحد خاطفي كلاب ليدي غاغا
السجن 21 عاما لأحد خاطفي كلاب ليدي غاغا
الحكومة البريطانية تحذر «بريتش ميوزيم» من إعادة رخاميات البارثينون لليونان
الحكومة البريطانية تحذر «بريتش ميوزيم» من إعادة رخاميات ...
«تحت الشجرة» يمنح تونسيات ريفيات مساحة للتعبير الحر
«تحت الشجرة» يمنح تونسيات ريفيات مساحة للتعبير الحر
«التوثيق الثقافي - الواقع والآفاق» عنوان أولى ندوات مركز البحوث والمعلومات
«التوثيق الثقافي - الواقع والآفاق» عنوان أولى ندوات مركز البحوث ...
وثائقي «هاري أند ميغن» يعيد فتح جراح العائلة الملكية البريطانية
وثائقي «هاري أند ميغن» يعيد فتح جراح العائلة الملكية البريطانية
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم
المزيد من بوابة الوسط