Atwasat

بين «العلكة» و«الكلب الذهبي».. سرد يوصف عناصر الهشاشة ومفهوم الكيان

طرابلس - بوابة الوسط الجمعة 25 مارس 2022, 12:04 مساء
alwasat radio

نظمت الجمعية الليبية للآداب والفنون، الثلاثاء بمقر منتدى أصدقاء المسرح بزنقة باكير، ندوة نقدية حول روايتي «العلكة» و«الكلب الذهبي» للروائي منصور بوشناف، بالتعاون مع «دار الفرجاني» للنشر بمشاركة الدكتور محمد ملودة والشاعر أحمد بللو والقاص مفتاح قناو والفنان التشكيلي أحمد الغماري والصحفي عبدالسلام الفقهي.

ورحب الكاتب إبراهيم احميدان رئيس الجمعية، في الندوة التي أدارها الكاتب نوري البوسيفي، في كلمة استهلالية بجمهور الأمسية، التي تعتبر امتداداً وتواصلاً لنشاط بدأته الجمعية في 15مارس 2015 باسم «أصدقاء حسن الفقيه» بحكم تنظيم الأمسيات بدار حسن الفقيه حسن للفنون، وفي سنة 2016 أخذت المجموعة اسم «الجمعية الليبية للآداب والفنون»، ومع إقامة هذه الندوة بتاريخ 15مارس 2022 تكون الجمعي قد حققت تواصلاً ثقافياً لمدة سبع سنوات.

الصراع والتحول
وأوضح الدكتور محمد ملودة في ورقة بعنوان «طقوس العبور والتحول» في رواية «الكلب الذهبي» أن الرواية الليبية من خلال دراستها تحتكم إلى بنيتين «صراع وتحول» مشيراً إلى أن «الكلب الذهبي»، علاوة على كونها مبنية على فكرة التحول، فهي تندرج تحت الأدب العجائبي الغرائبي في تناوب بينهما إلا أن الفرق يكمن في أن العجائبي يترك أثراً إيجابياً على نفسية المتلقي والعكس في الغرائبي، كما يتقاطع العمل مع أدب الروائي إبراهيم الكوني في أكثر من موضع، فإذا كان الكوني عمل على أسطرة الصحراء، فبوشناف عمل على أسطرة الشمال، وهذا نوع من التضاد مع ما قام به إبراهيم الكوني، كذلك هناك قلق وتأثر مع أحمد إبراهيم الفقيه، إذ أن بوشناف يعلن حضوره في هذا النص كما يفعل الفقيه في عمله «سيرة خليل الإمام» فكلاهما جاء من الضواحي وقدم تصوره للعاصمة، كذلك هناك قلق تأثر مع خليفة حسين مصطفى الذي تناول طرابلس عبر روايته «ليالي نجمة».

ويرى ملودة أن طقوس العبور في الرواية تتم في ثلاث مراحل، الأولى تسمى «الفراق»، ثم «الهامشية»، وتنتهي بـ«الاندماج» والرجوع إلى مرحلة الفراق، نرى الشخصيات تمر بالماضي المفقود، أي انقطاع العابر عن مكانته السابقة، ثم مرحلة الهامشية التي يغلب عليها الغموض والتعرض لصعوبات كالخطف والموت وكذا ممارسة طقوس التدمير والتطهير، وتتلخص مرحلة الاندماج في تحقيق مكانة ثابتة جديدة تصحبها المطالبة بالحقوق.

وتطرق ملودة إلى مسألة العبور للنص المتخيل على مراحل تشمل الانتقال من التاريخ إلى المتخيل وصولاً لتفسير الماضي، كذلك اعتماده عملية الاستبدال، أي وضع أسلافنا القدماء محل مفهوم السلف الصالح، إضافة إلى إشارته أن وجود الإيطاليين هو امتداد لصراع قديم.

السعداء والعلكة
وتحت عنوان «وقائع سنين العلكة»، يقول القاص مفتاح قناو إنه ما أن توغل في قراءة رواية العلكة للكاتب منصور بوشناف تذكر مسرحيته «السعداء»، فالقاسم المشترك بين الرواية والمسرحية أن المكان الذي تدور فيه أحداث الثانية يماثل المشهد الافتتاحي للأولى، الذي تكرر الحديث عنه مرات عديدة وهو الحديقة.

تمتلئ الرواية بالرصد الدقيق لحوادث تاريخية مهمة وتسلسل تاريخي يربط الكاتب من خلاله أحداث الرواية ووقائع التاريخ الليبي بداية من الأسير المجهول في سجون الباشا القره مانللي الذي نحت التمثال في غير زمان النحت، ويمر الكاتب على مختلف الأزمنة من خلال الحديقة التي تعد رمزاً للوطن.

وأوضح قناو أن التيمة الرئيسية في الرواية هي العلكة، والمعني بها فعل الاجترار الواقع زمن الثمانينات من القرن المنصرم وما صاحبها من التغير في السلوك الاجتماعي الذي فرضته الحاجة المفقودة في الأسواق.

وبذلك يتحول فعل العلك لدي الكاتب إلى سمة للحياة المجتمعية بكاملها، عدا أن كل من زار الحديقة ينتبه إلى موجوداتها إلا وجود البطل الذي ظل خارج دائرة الاهتمام.

وحول تراجيديا الهويات المتناحرة لامس الشاعر أحمد بللو مضمون التساؤلات التي طرحتها أعمال الكاتب منصور بوشناف سواء في أعماله الروائية أو المسرحية، مشيراً إلى جذورها المستندة إلى العمل الثقافي وارتباطه بالبعد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

وأكد الفنان التشكيلي أحمد الغماري في ورقته المعنونة بالرمزية السحرية أن «الكلب الذهبي» تعد أبرز الأعمال السردية خلال العقد الأخير، وذلك من واقع اشتغالها وبشكل مغاير على مفهوم الهوية والمكان، وكذلك اتجاهه إلى منظور سردي مختلف وبلغة مقتضبة، وهو يتجه في كل ما يكتب إلى الحفر عميقاً في التاريخ الليبي.

مبرر الصياغة
وتوقف الصحفي عبدالسلام الفقهي في ورقته التي حملت عنوان «رؤيا في سفر المسرح» عند السؤال القائل: هل يكفي التحول في الحكاية لنقتنع بنتاج قبلة السنيورة من سعيد؟ إذ لابد من إيجاد مبرر لهذه الصياغة عبر بوابة الإنثروبولوجيا والخرافة «صوت يأتي من عمق القداسة التراثية» بتصيير رسومات كلاب أكاكوس شهادة ميلاد للأمثولة بعد أن تحررها الحكاية من سباتها الجداري وتقذفها في ممشى تمظهرات وأنساق بنائية تفرضها ثقافة المكان, وينطلق الرجال العراة برؤوس وذيول كلاب، مدفوعين بقوة الأيروتيك الليبي، ومن ذلك تصبح هذه القبلة شرعية تحت مظلة تاريخ أسلاف الليبيتشو، لكنها قبلة مرتبكة فاقدة الطعم واللون والرائحة تتأرجح بين نضج منتظر لا تتبدى ملامحه حتى تستلمه سطوة الآخر القاهرة, وهو ما يجعله تائقاً إلى ذلك الجزء المفقود من ذاته بشىء من الألم والحنين والتشوف ويراه في فاطمة التي شاركته خدمة السنيورة، ثم أصبحت زوجته, ويراها على النقيض في جموع الكلاب وهي تجوب أطراف المدينة، يتلاشى بين كينونته المسحوقة وهويته الضائعة وسط هشاشة الانتماء، حيث كان تاريخه يكتب خارج إرادته من خلال الآخرين، فقط عبر أفكارهم وتصوراتهم .

الهوية القتيلة
وأضاف الفقهي أن الهوية القتيلة ظلت ماثلة كذلك في رغبة فاطمة امتلاك إرث سيدتها بانتعال حذائها، لكنها تفشل وتتعثر، برغم انتفاء أسباب الخضوع شكليّاً بقيت الرغبة في التقليد دون إدراك لأنساقه الداخلية المتحكمة عاكساً جوهرياً للميراث اللعنة، وذاك مركز التحول مسخ عميق ومزمن لازم الليبيتشو كحالة موضوعية ولازال يعاني ارتداداته حتى اللحظة، «ليست الهزيمة ان يندحر جيش او يسقط نظام ,بل الهزيمة أن لا يصدق المرء انه هزم ولا يدري كيف ولماذا».

واردف أن صورة اخرى تمثل لحظة الهروب من فرن المسخ في مشهد الليبيتشو وهو يندمج مع كتلة الجموع المتدفقة فرحاً بالتغيير بعد منعطف 1969، كان هتافه عواء يتصاعد مزيجاً من السعادة والقلق.. والتساؤل ماذا بعد؟ ظل المجهول سيد الموقف، وكان استرداد الهوية المقتولة مشروطاً بالنتيجة التي ستجيب عنها «العلكة» عندما تتواصل الهشاشة من العواء والصراخ لترتقي إلى التأتأة دلالة التأزم.

وبالنظر إلى فضاء هذا الهاجس نرى منحى آخر يرادف الصراع مع الهوية الوافدة، وهو صراع الجغرافيا، الشمال والجنوب، البحر والصحراء، والعكس ذلك جزء من تكوين الليبيتشو الذي يحمل في داخله هذه التركيبة أيضاً، فهو مزيج وصيرورة هذا الإرث القديم، الذي وجد الكلب الذهبي رمزيته في تمثال الغزالة, كما أن كليهما نتاج بصمة إيطالية، التي كانت جزءاً من زحف الشمال على الجنوب .

ويخلص للتأكيد أن الإرث المشترك يجعل من الغزالة والحورية إلى مركز جذب آسر لليبيتشو، بل مرآته التي يسعى للنظر فيها وتمعن تفاصيله من خلالها لفهم شيفرة مسخه المركب، تبدو واضحة وخفية، معبرة ومبهمة، من خلالها مفازاته التي تشده من تاريخها السحيق، وهو يرى سيرة التحولات الكبرى منذ ساحرة أبوليوس وحتى عهد الساحرون الجدد.

نقلا عن العدد الأسبوعي من جريدة «الوسط»

من اليمين، الكاتب نوري البوسيفي والقاص مفتاح قناو في أثناء الندوة (بوابة الوسط)
من اليمين، الكاتب نوري البوسيفي والقاص مفتاح قناو في أثناء الندوة (بوابة الوسط)
العلكة (الإنترنت)
العلكة (الإنترنت)

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
فنانة تدشن مشروعا لرسم 3500 حانة لندنية
فنانة تدشن مشروعا لرسم 3500 حانة لندنية
تكريم المخرج الليبي أسامة رزق بمهرجان «ربيع الفنون» بالقيروان
تكريم المخرج الليبي أسامة رزق بمهرجان «ربيع الفنون» بالقيروان
مصادرة 25 عملا منسوبا لباسكيا وسط شكوك في أصالتها
مصادرة 25 عملا منسوبا لباسكيا وسط شكوك في أصالتها
«بسمة أمل».. الفن في مواجهة السرطان
«بسمة أمل».. الفن في مواجهة السرطان
تعرف إلى موعد انطلاق الدورة 56 لمهرجان «الحمامات الدولي»
تعرف إلى موعد انطلاق الدورة 56 لمهرجان «الحمامات الدولي»
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم
المزيد من بوابة الوسط