اليوم أكملت الحرب الأهلية في السودان عامها الثاني، حيث أدى الصراع العبثي بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023 إلى نزوح ثلث السكان، أكثر من 12 مليون سوداني داخليا، بينما عبر نحو 3.8 مليون لاجئ الحدود، لتمتد عواقب هذه الحرب المدمرة إلى ما وراء حدود السودان نفسه.
وتوقع تقرير لموقع الأمم المتحدة، ازدياد عدد النازحين بنحو مليون سوداني إضافي في العام الجاري 2025، ليصبح السودان أكبر أزمة إنسانية في العالم بكل المقاييس حسب وصف منسق الطوارئ في برنامج الأغذية العالمي لأزمة السودان شون هيوز، إذ يواجه نحو 25 مليون سوداني جوعا شديدا (أي نصف السكان)، ويعاني ما يقرب من 5 ملايين طفل وأُم من سوء التغذية الحاد.
«اعتداء شامل على حقوق الإنسان.. وتقاعس عالمي»
ويحذر «هيوز» من أن «عشرات الآلاف من الأشخاص في السودان سيموتون خلال العام الثالث من الحرب، ما لم يتمكن برنامج الأغذية العالمي وغيره من الوكالات من الوصول إلى المحتاجين والحصول على الموارد اللازمة لهم». وناشد المجتمع الدولي ضمان الوصول الإنساني والتمويل اللازمين لتجنب كارثة إنسانية أكبر.
- الأمم المتحدة تحذر من «عواقب كارثية» لتجاهل الوضع في السودان
- نائب رئيس الاستخبارات السودانية: ليبيا عاملت لاجئينا كمواطنين
ومع بداية العام الثالث لهذا الصراع المروع، حث الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، الأطراف على الوقف الفوري للقتال واتخاذ خطوات نحو عملية سياسية شاملة «لوضع السودان على طريق السلام والاستقرار». كما جدد دعوته للمجتمع الدولي إلى توحيد جهوده «لإنهاء هذا النزاع المروع».
ووصف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، ما يحدث في السودان بأنه «اعتداء شامل على حقوق الإنسان وسط تقاعس عالمي، مما يُخلّف عواقب وخيمة على المدنيين». وأكد أن الصراع يتسم بتجاهل تام لقوانين الحرب والقانون الدولي لحقوق الإنسان، حيث هاجم الطرفان بانتظام المناطق المأهولة وارتكبا انتهاكات جسيمة.
أكبر أزمة نزوح في العالم
ويشهد السودان أكبر أزمة نزوح في العالم، إذ قال المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيليبو غراندي، إن «ثلث سكان السودان نازحون. وامتدت عواقب هذا الصراع المروع والعبثي إلى ما وراء حدود السودان».
وفي المجمل، نزح أكثر من 12 مليون شخص داخليا بينما عبر نحو 3.8 مليون لاجئ الحدود، وتتوقع الأمم المتحدة ارتفاع هذا العدد بنحو مليون شخص في عام 2025.
وذكر الناطق باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، يانس لاركيه، أن ملايين السودانيين بحاجة ماسة للمساعدة، وأن المدنيين وعمال الإغاثة يُقتلون دون معاقبة الجناة، وأن العنف الجنسي يتفشى.
ودعا إلى وقف الهجمات على المدنيين ومحاكمة مرتكبي الانتهاكات، وضمان وصول آمن للمساعدات، وحماية ودعم المنظمات المحلية.
أطفال السودان في دائرة الخطر
من جانبها حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) من أن «الموت تهديد مستمر» يخيّم على حياة أطفال السودان. ففي محيط مدينة الفاشر وحدها، يحاصر الموت ما يقرب من 825 ألف طفل، يواجهون القصف المستمر ونقصا حادا في أبسط مقومات البقاء على قيد الحياة.
من بورتسودان، نقلت رئيسة قسم المناصرة والتواصل في يونيسف السودان، لنا إيفا هندز، شهادة مؤلمة عن الواقع المرير الذي يعيشه أطفال الفاشر ومعسكر زمزم الذي تفشت فيه المجاعة.
وقالت: «هذا مكان يمثل فيه الموت تهديدا مستمرا للأطفال، سواء كان ذلك بسبب القتال الدائر حولهم أو بسبب انهيار الخدمات التي يعتمدون عليها للبقاء على قيد الحياة».
نساء يلدن على قارعة الطريق
ويُلقي الصراع بظلاله القاتمة بشكل خاص على النساء والفتيات في السودان، إذ وصفت القائمة بأعمال ممثلة صندوق الأمم المتحدة للسكان في السودان، أرجنتينا ماتافيل بيتشين، الوضع بأنه «يفطر القلب»، مشيرة إلى أن من بين 12 مليون نازح، هناك حوالي 2.7 مليون امرأة وفتاة في سن الإنجاب، بمن فيهن 300 ألف امرأة حامل يواجهن خطر الانتهاكات الوحشية والولادة في ظروف غير إنسانية.
وقالت لـ«أخبار الأمم المتحدة»: «بعض النساء ينتهي بهن المطاف بالولادة على قارعة الطريق عندما يفررن من بيوتهن بعد سماع القصف والقنابل.. وعندما تتم الولادة دون وجود عناية ماهرة، قد يُصاب الطفل حديث الولادة بمرض الكزاز».
وحذرت بيتشين من التأثير الممتد للأجيال القادمة، حيث يؤدي سوء التغذية بين النساء الحوامل إلى ولادة أطفال ضعفاء، تقل فرص بقائهم على قيد الحياة وقدرتهم على التعلم.
كما أشارت إلى انتشار العنف القائم على النوع الاجتماعي، حيث يواجه ما يقدر بنحو 6.7 مليون شخص خطر هذا العنف، وتكون النساء والفتيات النازحات هن الأكثر عرضة للخطر.
آلاف الأشخاص اختفوا في خضم النزاع
وبينما تتصاعد الأزمة الإنسانية، تتفاقم المخاوف بشأن مصير آلاف الأشخاص الذين اختفوا في خضم النزاع، أوضح خبير الأمم المتحدة المعني بالسودان، رضوان نويصر، أن الإحصائيات الدقيقة لا تزال غير متوفرة، لكن التقديرات تشير إلى أرقام مروعة.
وبينما تقدر المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات العدد بنحو خمسين ألف مفقود، وثقت منظمات حقوقية سودانية محلية ما لا يقل عن 3,177 حالة، من بينهم أكثر من 500 امرأة و300 طفل.
وأكد نويصر أن الاختفاء القسري وفقدان الأشخاص مشكلة متجذرة في السودان، مشيرا إلى أن الحرب «غير المفهومة وغير الضرورية» خلفت انتهاكات أخرى مروعة، شملت تدمير مناطق سكنية، وانتهاك الحقوق، وطرد المدنيين، والاغتصاب الجنسي، والتجنيد القسري.
الذخائر غير المنفجرة.. خطر يتربص بالعائدين
وبعد عامين من الحرب، يبرز خطر آخر يهدد المدنيين وعمليات الإغاثة وهو الذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب، إذ يحذر رئيس برنامج الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في السودان، صديق راشد، من أن المناطق التي كانت آمنة أصبحت الآن ملوثة بشكل عشوائي بهذه الأسلحة القاتلة، بما فيها الخرطوم وولاية الجزيرة.
وقال راشد «إنه لأمر مقلق للغاية أن الذخائر غير المنفجرة.. ستكون موجودة في المنازل وفي الساحات.. لذا فإن الخوف هو أنه عندما يعود الناس، فإنهم سيبدءون بالفعل في تنظيف منازلهم... أعتقد أن الخطر كبير للغاية ومرتفع للغاية».
وتجسدت هذه المخاوف في حوادث مأساوية، حيث لقي مدنيون، بينهم أطفال ونساء، مصرعهم وأصيب آخرون بسبب انفجار هذه الذخائر.
وناشد راشد، الأطراف المتحاربة تجنب استخدام الأسلحة في المناطق المأهولة وتسجيل المناطق الملوثة لتسهيل عملية التطهير، كما دعا المجتمع الدولي لتقديم الدعم اللازم لجعل المناطق آمنة قبل عودة المدنيين.
في خضم هذه الكارثة الإنسانية المتفاقمة، توجه منسقة الأمم المتحدة المقيمة ومنسقة الشؤون الإنسانية في السودان، كليمنتاين نكويتا - سلامي، نداء عاجلا إلى المجتمع الدولي، قائلة «الناس في وضع يائس. نناشد المجتمع الدولي ألا ينسى السودان، وألا ينسى الرجال والنساء والأطفال في السودان الذين وجدوا أنفسهم في هذا الوضع الصعب للغاية في هذه اللحظة الحرجة».
ووجهت نكويتا - سلامي رسالة واضحة وعاجلة إلى العالم، إذ قالت: «ما زلنا بحاجة إلى جهد هائل. ما زلنا بحاجة إلى دعم من المجتمع الدولي من حيث الموارد، وما زلنا بحاجة إلى مزيد من التسهيلات من جميع الجماعات المسلحة المشاركة في هذا الصراع».
تعليقات