دراسة أميركية: الصدام بين «التشدد والوسطية» أجج الحرب الأهلية

أعد مركز «ويلسون» الأميركي للدراسات والبحوث دراسة حول خريطة التشكيلات المسلحة في ليبيا وتأثيرها على استقرار الدولة، وأكدت أن زيادة عدد التشكيلات المسلحة واختلاف توجهاتها وأهدافها أجج الصراع في ليبيا وتسبب في موجات العنف التي شهدتها خلال الخمس السنوات الماضية.

ورأت أن «الصدام بين الأطراف الوسطية والمتشددة هو السبب وراء انهيار النظام السياسي الليبي، وانقسام الحكومة المركزية. إذ تختلف توجهات التشكيلات المسلحة في ليبيا من وسطيين يدعمون تطبيق الديمقراطية إلى تشكيلات مؤيدة لتنظيم (القاعدة) و(داعش). وتختلف تلك الأطراف من أحزاب سياسية، مثل الإخوان المسلمين والسلفيين، وبينهم تشكيلات مسلحة (ميليشيات)».

واعتبرت الدراسة أن تدهور ليبيا السريع «صادم بشكل كبير» لأنها الدولة الوحيدة من بين دول الربيع العربي التي تملك الإمكانات المطلوبة، من ثروات نفطية وعدد سكان، لإعادة بناء الدولة وإتمام مرحلة الانتقال السياسي. وتملك ليبيا مقومات كبيرة تجعلها لاعبًا اقتصاديًا أساسيًا في أفريقيا وجنوب أوروبا. لكن منذ العام 2014، انزلقت الدولة نحو أسوأ موجة من العنف.

وذكرت أن زيادة نفوذ التشكيلات المسلحة هو السبب الرئيس في عرقلة عملية الانتقال السياسي. وزادت أعداد المنتمين للتشكيلات المسلحة إلى 200 ألف فرد، نحو 11% من القوة العاملة الليبية. ونتيجة للفوضى السياسية، شهدت ليبيا سبع حكومات في أول ثلاث سنوات عقب رحيل القذافي، ودأب معظم التشكيلات على تحدي مؤسسات الدولة الضعيفة، وزادت حدة المعارك في الشرق والغرب.

واتهمت الدراسة، نشرت أوائل الشهر الجاري، بعض الدول العربية والإقليمية بالتدخل في الصراع لصالح طرف معين، مما زاد من الأزمة وفاقم العنف، إذ دعمت تركيا وقطر ما يعرف باسم «المؤتمر الوطني العام» في طرابلس، ودعمت مصر والإمارات مجلس النواب.

وذكرت أن جميع «الإسلاميين إبان عهد القذافي تعرضوا للتعذيب والتضييق وبعضهم أُجبر على الهرب خارج ليبيا لكنهم ظهروا مجددًا بقوة عقب ثورة 2011 وإطاحة القذافي».
وتسبب ظهور تنظيم «داعش» في تعقيد الموقف. فبحلول العام 2015 نجح التنظيم في تجنيد آلاف المقاتلين الجدد وأنشأ معقلاً قويًا لهم في مدينة سرت، وأقام روابط قوية مع قيادات التنظيم في سورية والعراق.

الأحزاب السياسة
عقب إطاحة القذافي ظهرت جماعة الإخوان المسلمين كأكبر حزب إسلامي في ليبيا، وعقد أول جلساته في بنغازي، وفي مارس 2012 أنشأ حزب البناء والتنمية بقيادة محمد صوان لقيادة الانتخابات التشريعية. وشكَّل السلفيون أحزابًا سياسية أصغر، أهمها حزب الوطن بقيادة عبدالحكيم بالحاج.

لكن الدعم الشعبي لتلك الأحزاب انخفض بشكل كبير بين العامين 2012 - 2014، ووجهت لهم اتهامات بالانشغال في المشاحنات السياسية على حساب إعادة الإعمار، بينما اتهمت الأطراف الوسطية الإخوان المسلمين بإنشاء علاقات مع التشكيلات المتشددة.

وجاءت الانتخابات التشريعية العام 2014 نقطة تحول في عملية الانتقال السياسي، إذ فشل الإخوان المسلمون في الانتخابات وحصل على 25 مقعدًا فقط من أصل 200، وطردت تشكيلات من مدينة مصراتة رئيس الوزراء المنتخب عبدالله الثني خارج العاصمة طرابلس، ودعَّمت عملية «فجر ليبيا» إنشاء حكومة منافسة في طرابلس برئاسة عمر الحاسي.

عداءات واضحة بين التشكيلات المسلحة والأحزاب الإسلامية لا تقل عن مثيلاتها بين الأحزاب المدنية

ففي الشرق، نجحت تشكيلات «إسلامية بعضها يتبع الإخوان المسلمين وبعضها يتبع تنظيم القاعدة» في زيادة تسليحهم وأعداد المنتمين إليهم. وفي العام 2014، بدأت اشتباكات عنيفة بينهم وبين قائد الجيش الليبي الفريق أول ركن خليفة حفتر.

وتسبب ظهور تنظيم «داعش» في تعقيد الخريطة السياسية، إذ أعلن التنظيم ثلاث ولايات داخل ليبيا، «ولاية طرابلس في الغرب وولاية برقة في الشرق والتي ركزت على مدن درنة وبنغازي وولاية فزان في الجنوب».

وأكدت الدراسة أن ذراع «داعش» في ليبيا هي الأقوى خارج سورية والعراق لنجاحه في استقطاب آلاف المجندين في وقت قصير وتنفيذ هجمات دموية، بينها الهجوم على فندق كورنثيا العام 2015 والهجمات ضد الهلال النفطي والخمس وإجدابيا وطرابلس وزليطن.

تشكيلات مسلحة
وتناولت الدراسة أبرز التشكيلات المسلحة الموجودة داخل ليبيا، بينها ما يعرف باسم «قوات فجر ليبيا» وقالت إنه مجموعة قوية من «التشكيلات المسلحة تدعم المؤتمر الوطني العام، وحاولت أن تنأى بنفسها عن الجماعات المتشددة وأعلنت دعمها الديمقراطية. وفي العام 2016، ظهرت خلافات سياسية قوية داخل الائتلاف. وتعتبر قوات مصراتة وغرف عمليات الثوار أبرز الأطراف المنضمة لفجر ليبيا».

ولفتت الدراسة إلى أن القوات التابعة لمصراتة تضم نحو 200 تشكيل مختلف و400 ألف مقاتل، تحصل على تمويل مستمر من «المؤتمر الوطني العام». وحاربت مصراتة تنظيم «داعش» بقوة في أكثر من مواجهة.

وتعد «غرفة عمليات الثوار» غطاءً يضم جميع التشكيلات المسلحة الإسلامية التي أنشأها ويمولها «المؤتمر الوطني» لتأمين طرابلس وبنغازي، بقيادة شعبان هادية وعادل غوراني، وفي بنغازي يوجد «مجلس شورى ثوار بنغازي»، وهي تحالف من تشكيلات مسلحة في بنغازي لقتال الفريق أول ركن خليفة حفتر، وتضم «أنصار الشريعة» و«كتيبة شهداء 17 فبراير».

وتتهم الولايات المتحدة «أنصار الشريعة» بتنفيذ الهجوم على المجمع الدبلوماسي في بنغازي 2012 والذي تسبب في مقتل السفير الأميركي وثلاثة آخرين.

وتعد «كتيبة شهداء 17 فبراير» من أكبر التشكيلات المسلحة في شرق ليبيا، تشكلت على يد جماعة الإخوان المسلمين خلال ثورة 2011، وحصلت سابقًا على تمويل من وزارة الدفاع الليبية وقامت بمهام لتطبيق القانون في جنوب وشرق ليبيا، وحاربت قوات خليفة حفتر في 2014، وتربطها علاقات قوية مع «أنصار الشريعة».

وفي مدينة درنة، نجد «مجلس شورى مجاهدين درنة»، تربطها علاقات قوية مع تنظيم «القاعدة» وتضم «كتيبة شهداء أبو سليم»، والتي تتكون بدورها من معتقلين سابقين في سجن أبوسليم وهي أقوى تشكيل مسلح في درنة ونجحت في طرد مقاتلي تنظيم «داعش» منها.

ولفتت الدراسة إلى وجود عداءات واضحة بين التشكيلات المسلحة والأحزاب الإسلامية، لا يقل عن العداء بينها وبين الأحزاب الوسطية والمدنية.

وأشارت إلى عدة أحداث كشفت العداء الخفي بين تلك التشكيلات، بينها الهجوم الذي نفذه سلفيون ضد مساجد للصوفية وأضرحة وقبور في 2012. وتفجير سيارات تابعة لسياسيين من الإخوان المسلمين على يد تشكيلات متشددة. وفي العام 2014، أعلن تحالف «فجر ليبيا» إدانته تنظيم «أنصار الشريعة» وصنفه جماعة إرهابية.

للاطلاع على العدد 24 من جريدة «الوسط» اضغط هنا