ورشة عمل حول المرأة في الدستور الليبي

نظَّم مجموعة من الخبراء والقانونيين الليبيين ومن تونس والمغرب ورشة عمل تحت عنوان «المرأة في الدستور الليبي المرتقب»، في إسطنبول على مدى أربعة أيام في الفترة من الإثنين 16 مارس الجاري وحتى الخميس 19 مارس برعاية الهيئة التحضيرية للحوار الوطني وجمعيّة المحامين الأميركية.

وشهدت ورشة العمل تقديم عدة أوراق عمل على مدى يومين، بينما خُصِّص اليومان التاليان للصياغة والمراجعة.

وتركَّز النقاش في ورشة العمل على عدة نقاط من بينها: اعتبار مخرجات لجان الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور مجرد أفكار عامة وغير نهائية ولا تعبِّر عن موقف الهيئة والبحث في مدى استجابة هذه المخرجات لما تطالب به المرأة الليبية وما تنتظره من دستورها.

كما بحثت ورشة العمل تقويم هذه المخرجات، واقتراح ما يراه الحاضرون من تعديلات أو إضافات، بالإضافة إلى التركيز على حقوق المرأة دون الخوض في المسائل الأخرى، بما في ذلك التبويب والصياغة.

المشاركون في ورشة العمل
وسعى المشاركون في ورشة العمل إلى إعداد مذكرة توضيحيّة حول ورشة العمل وأعمالها وإعداد جدول بالنصوص المعدّلة والمقترحة، والأسباب المبررة لها.

ضمت قائمة المشاركين في ورشة العمل د. الكوني أعبودة والمستشارة نعيمة محمد جبريل وآمال مبروك بوقعيقيص وعزة كامل المقهور والدكتور رضا أحمد الطبولي والمهندسة انتصار إبراهيم الباهي وحنان محمود دخيل، بالإضافة إلى الخبيرتين المغربية الدكتورة مليكة بن الراضي والتونسية الدكتورة سلوى الحمروني

وخلصت ورشة العمل إلى النتائج الآتية:
الديباجة:
- نقترح أنْ تتضمَّن الديباجة ما يفيد أن المقصود بلفظي «المواطنين» و/أو"الليبيين» في هذا الدستور «الرجال والنساء» تفاديًا للتكرار واقتصادًا في الألفاظ، أو تكرار لفظ الليبيات و/ أو المواطنات كلما ذكر اللفظ بصيغة المذكر.
- الإشارة إلى كل ما يتعلَّق بالهوية والانتماء للمحيط الإسلامي والعربي والمتوسطي والأفريقي والإنساني والمكونات الثقافيّة.
- ختم الديباجة بما يفيد أنها جزء لا يتجزأ من الدستور.

الشريعة الإسلامية:
من خلال الاطلاع على مخرجات اللجنتين وتحديدًا الأولى والسادسة، تبيَّن أنْ اللجنتين لم تستعملا مصطلحًا واحدًا، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من الاختلاف في الهيئة وخارجها، ولهذا رأى الحاضرون ضرورة تبنّي مصطلح يجسِّد التوافق بشكل أكبر وهو «مبادئ الشريعة الإسلامية» باعتبار أنَّ الاختلاف بشأنها أقل من باقي المصطلحات (الشريعة الإسلاميّة/ أحكام الشريعة الإسلامية/ النصوص القطعية/ مقاصد الشريعة)، وكذلك الخشية من إساءة استخدام هذه المصطلحات لتضييق الحقوق والحريات والتوسع والاختلاف في الاجتهاد بما يزرع بذور الشقاق وعدم الاستقرار.

إنَّ مثل هذه المصطلحات في الظروف التي تمر بها البلاد تحتاج إلى توافق لمواجهة أخطار محدقة تُهدِّد وجود الدولة وكيانها. كما وأنَّ هذا الخلاف قد سبق حصوله في دول مجاورة، واختارت الصياغة التي تُحقِّق الغرض دون إفراط ولا تفريط.

الحقوق والحريات:
لوحظ أنَّ الحقوق والحريات وزعت على أكثر من باب وهو أمر غير محمود، فضلاً عن أن بعض الحقوق لم يتم تكريسها أصلاً كما هو «الحق في الصحة»، كما أن المساواة بين المواطنين والمواطنات يجب أنْ تكرّس في الباب الخاص بالمبادئ الأساسيّة، ثم يتم النص عليها مرة أخرى باعتباره أحد الحقوق التي لا تحتمل المخالفة إلا بالزيادة عندما توجد مقتضيات تبرر ذلك (التمييز الإيجابي) لصالح الفئات الأقل حظًا.

الجنسية:
ما ورد في مقترح اللجنة الأولى بخصوص الجنسية لا يجسِّد مبدأ المساواة وما يترتّب عليه من آثار، كما وأنه يخالف مبدأي المواطنة وعدم التمييز، فضلاً عن عدم انسجامه مع الاتفاقيات الدولية المصادق عليها، وما كرّسته دساتير دول الجوار، لتصبح ليبيا الدولة الشمال أفريقية الوحيدة التي تُخالف مبادئ وأحكام أساسية في هذا الخصوص.
كما وأنَّ مثل هذه النصوص تخالف الهدف من وضع الدستور وهو حماية وتكريس الحقوق والحريات، وتجسيد مبدأي العدل والكرامة الإنسانية، فضلاً عما يترتَّب عن ذلك من إضرار بمصالح الأطفال وتشتيت شمل الأسر.

لذا، طُرِحَ رأيان: الأول يرى عدم التعرض لموضوع الجنسية وتركه للقانون كما هو الشأن في الدستورين المغربي والتونسي. أما الثاني فيرى تكريس مبدأ المساوة في الجنسية دستوريًا، كما هو شأن الدستور المصري.

المُعاهدات الدوليّة ومكانتها:
لوحظ أنَّ اللجنة الأولى قيّدت نفاذ هذه المعاهدات بأمرين وهما «المعاملة بالمثل» وعدم «مخالفة أحكام الشريعة الإسلاميّة» (المادة 17)، ونرى أن كلا الأمرين يجب حذفهما. الأول لأنَّ المعاهدات المتعلِّقة بحقوق الإنسان وحرياته لا يجب أن يتوقف تطبيقها على مبدأ المعاملة بالمثل وفقًا لما استقر عليه القانون الدولي، أما الثاني فلأن الشريعة اعتبرت مرجعية للدولة، وبالتالي فإن السلطة التشريعية عندما تصادق عليها تحترم هذه المرجعية مما يجعل النص عليها في مادة جديدة غير مبرر.

كما وأنَّ باب السلطة القضائيّة أشار إلى أن للمحكمة الدستورية العليا اختصاصًا بالرقابة السابقة على المصادقة.

وبشكل خاص فإنَّ وجود أكثر من سلطة وجهة تراجع هذه المعاهدات كفيل بتحقيق الهدف المنشود، وضمان الاحترام والتقدير لهذه السلطات.

حقوق المرأة المُكتسبة:
رأى الخبراء أنَّ ما ورد في مقترح اللجنة السادسة حول ضمان الحقوق المكتسبة للمرأة تحت عنوان «حظر التمييز ضد المرأة»، نرى أنْ يفرد لضمان الحقوق المكتسبة نصٌ خاص بالنظر إلى أهمية الموضوع من ناحية، ولما درجت عليه دساتير الدول المجاورة.

تمثيل المرأة في المجالس المنتخبة والمجالس المحلية:
فكرة المواطنة تغني نظريًا عن أي تمييز لصالح أي فئة أو نوع، إلا أنَّ الواقع والتجارب المقارنة بما فيها دساتير الدول المجاورة، أكدت أنّه من الضروري اتخاذ التدابير المناسبة لتمكين المرأة من المشاركة في تحمل المسؤوليات في مختلف المجالات وهو ما يقتضي أنْ تسعى الدولة لتجسيد هذه المشاركة فعليًا وواقعيًا، ليس فقط لمدة محددة كما ورد في باب التدابير الانتقالية للجنة 6 وإنما أيضًا إلى الحد الذي يجسِّد فكرة المناصفة على المدى البعيد، هذا وقد كان للمرأة الليبية سابقة تشريعية بعد الثورة جسّدها جزئيًا قانون انتخاب المؤتمر الوطني العام رقم 4 لسنة 2012.

المناصفة و«الكوتة»:
تبيَّن للخبراء أنَّ نص المادة الواردة في الأحكام الانتقالية للجنة (6) غير مُنصفة ولا كافية لأنْ تُحقِّق للمرأة حقوقها ومطالبها، فحصة المرأة المُخصّصة لها في هذا الباب (30 %) ولمدة ثلاث دورات برلمانية متتالية، يبدو أنها استندت إلى معطيات خاطئة؛ إذْ إنَّ الوصول إلى نسبة 30 % كان توصية من المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة بهدف الوصول إليه في عام 1995، أما مؤتمر بكين فقد أوصى بالتمثيل المتساوي ما بين الرجال والنساء أي «المناصفة» في المجالس المنتخبة وغير المنتخبة.

والكوتة و/ أو المناصفة يحققان مبدأ المساواة ويجسدانه؛ إذْ إنَّ جميع النصوص ذات العلاقة بالمساواة بين الرجل والمرأة لن تتحقق دون ضمانها من خلال تدابير خاصة تضمن لها المساواة في التمتُّع بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو ممارستها. هذا الأمر يعرف بـ«التمييز الإيجابي» المكرس في الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، والذي يكفل التحقيق الفعلي لمبدأ المساواة من خلال القانون والوسائل المناسبة الأخرى، ويضمن تحول مفهوم المساواة من المساواة في الفرص إلى المساواة في النتيجة.

لذا، فإننا نرى أنَّ مسألة «الكوتة» يجب أن ترتبط بالهدف المذكور ألا وهو مسألة «المناصفة»، فالإبقاء على «الكوتة» في باب الأحكام الانتقالية وربطه بزمن معيّن يتطلّب نصًا عامًا يقرر المناصفة في الدستور، بحيث «تسعى الدولة إلى تحقيق المناصفة مع الإبقاء على نص الكوتة في باب الأحكام الانتقالية».

الضعف في الصياغة واجتزاء النصوص:
لاحظنا أنَّ الضعف في الصياغة واجتزاء بعض النصوص من دساتير مقارنة يضر بالمرأة على الرغم من حسن النوايا، وفي نصوص وضعت لمصلحتها، كما هو الشأن في نصين ورد أحدهما في مقترح اللجنة الأولى وهو المادة 28، والثاني في مقترح اللجنة السادسة تحت عنوان حق الإقامة والتنقل. وقد وضع الخبراء التعديلات المناسبة لهما في وثيقة النصوص المعدلة.

الهيئات الدستورية المستقلة:
رؤي أنَّ الانتقال الديمقراطي الذي يضمن مشاركة الجميع يتطلَّب تخصيص هيئة دستورية مستقلة للمرأة باعتبار أنَّ الظروف والتقاليد لا تساعدها على المشاركة الحقيقة والفاعلة، لا سيّما بروز ظواهر سلبية لم يشهدها المجتمع الليبي من قبل كالعنف في أشد صوره ضد المرأة، إضافة إلى أهمية وضع برامج خاصة بالمرأة مثل محو الأمية واكتساب المهارات، ووضع الاستراتيجيات والدراسات والتوثيق وغيرها مما يستدعي استحداث هيئة مستقلة بالخصوص.

المزيد من بوابة الوسط