هل بدأ شبح الجوع يخيم على ليبيا؟

«زيد خمسين قرش يا خوي» - أضف نصف دينار يا أخي- قال صاحب مقهى في أحد الأحياء الأكثر شعبية في طرابلس لزبون اعتاد أن يأخذ كل صباح وهو في طريقه للعمل «المكياطة» وقارورة مياه معالجة محليًا سعة 33 سل مقابل دينار ليبي (750 درهم ثمن المكياطة و250 درهم لقارورة الماء) ، أي بزيادة قدرها 50%.

«شنهو هذا ! خمسين قرش زيادة مرة واحدة بين ليلة ونهار ... وين نهجوا يا ربي» (ما هذا ! نصف دينار زيادة بين عشية وضحاها مرة واحدة ... أين نرحل يا الله) ، قال عمران مادي (28 عامًا، الموظف بأحد المصارف التجارية في طرابلس)، بنبرة تنم عن كثير من الغضب والسخط أفقدته التمتع بطعم قهوته الصباحية.

تعاني العاصمة الليبية منذ عدة أشهر من أزمات معقدة تتصل بالمعاش اليومي للمواطنين، منها انقطاع التيار الكهربائي يوميًا لمدد تتراوح بين 6 و10 ساعات

«ينعم يا سيدي» - أجابه عبد الله المرغني صاحب المقهي قائلاً: نعم يا سيدي كل شيء زاد في هذه البلاد، القهوة والماء والنافطة (وقود الديزل) للمولد والتي لا نجدها إلا بشق الأنفس في السوق السوداء وبسعر مضاعف ثلاث مرات.

وبالفعل كان مولد الديزل يعمل في ذلك الصباح محدثًا ضجيجًا صاخبًا ناهيك عن تلويث البيئة لتوفير الطاقة الكهربائية لآلة صنع القهوة ولإنارة المحل وتشغيل بعض المعدات الكهربائية الأخرى، بسبب انقطاع التيار الكهربائي.

طرابلس تغرق بالأزمات
وتعاني العاصمة الليبية منذ عدة أشهر من أزمات معقدة تتصل بالمعاش اليومي للمواطنين، منها انقطاع التيار الكهربائي يوميًا لمدد تتراوح بين 6 و10 ساعات وسط العاصمة والأحياء المحيطة بها، في حين أن مناطق أخرى في الضواحي يمتد فيها انقطاع الكهرباء لـ 24 ساعة وحتى لـ 48 ساعة، والوضع أسوأ في سائر المدن والقرى الليبية، وسط صمت المسؤولين كافة في حكومة ما يعرف بالإنقاذ الوطني التي تتمركز في طرابلس منذ الصيف الماضي في مواجهة الحكومة المؤقتة المعترف بها دوليًا والتي تعمل من مدينة البيضاء في شرق البلاد، وهي ليست بأحسن حال في معالجة الأزمات التي باتت تثقل كاهل الليبيين جميعًا.

«شنهو تهدرز يا عمران يا خوي... تعيًط من خمسين قرش، احمد ربي أنك ما زلت عازب...والله اشريت أمس شيكارة رز (20 كلغ) بـ 45 دينار من السوق السوداء ومكتوب عليها السلع التموينية يعني مدعومة»، (ماذا تحكي يا أخي عمران..أتصرخ من نصف دينار زيادة ..عليك أن تحمد الله أنك لا تزال عازبا...والله اشتريت أمس كيس أرز(20 كلغ) بـ 45 دينار من السوق السوداء ، وهو مخصص لمؤسسة السلع التموينية ما يعني أنه سلعة مدعومة من الدولة، هكذا علق أحمد اشتيوي (32 عامًا الموظف بوكالة أسفار وأب لطفلين)، وهو كذلك من زبائن هذا المقهى الشعبي، حيث يحتسي وسائر الزبائن قهوتهم وقوفًا على الرصيف أو يحملونها معهم، إذ يختلف سعر فنجان القهوة بين مكان وآخر ويتراوح اليوم بين دينار وخمسة دنانير.

تنفق ليبيا ما يصل إلى 1.6 مليار دولار سنويًا، لتوفير السلع الغذائية الأساسية للمواطنين، ويصل دعم الوقود والسلع الأساسية، في الموازنة العامة للعام الجاري، إلى 11.3 مليار دولار

وكان كيس الأرز يباع في ليبيا بـ 4 دنانير في الجمعيات الاستهلاكية التي فرضها النظام السابق بعد أن سيطر على التجارة في البلاد في ثمانينات القرن الماضي، باعتبارها في نزواته الخارجة عن كل منطق ظاهرة استغلالية، وذلك ضمن عدة سلع مدعومة منها الزيت والدقيق ومعجون الطماطم والسكر والشاي.

غير أن هذا الدعم الذي تمسك به النظام السابق حتى سقوطه المدوي في العام 2011 لم يكن سوى سياسة ممنهجة لتجميد المرتبات طيلة ثلاثة عقود ونيف بل تقليصها بنسبة 25% عندما أقدم على إلغاء علاوة السكن الأمر الذي عمق هوة الفقر في الدولة المنتجة النفط، والتي لا يتجاوز عدد سكانها خمسة ملايين نسمة.

الجمعيات الاستهلاكية
وكانت ظاهرة الجمعيات الاستهلاكية واحدة من أسوأ التجارب التي أجراها النظام السابق على الليبيين، فعلاوة على تدمير ثقافة الاستهلاك الرشيدة التي كانت سائدة في المجتمع الليبي من خلال دكاكين بيع المواد الغذائية بالقطاعي، تحولت بيوت الليبيين إلى مخازن للمواد الغذائية الأساسية بالأكياس والصناديق والتي يتلف معظمها، إما بسبب سوء التخزين أو بانتهاء صلاحيتها، كما فتحت هذه الجمعيات سيئة الصيت الباب على مصراعيه أمام الفساد والمهربين الذين وجدوا فيها مصدرًا رئيسًا للإثراء على حساب قوت الليبيين.

وسجل المراقبون للشأن الليبي في هذا الخصوص كيف أن هذه الجمعيات وضعت لإذلال الشعب الليبي، حيث افتعل النظام السابق معارك لليبيين مع «الرياضي» (نوع من التبغ) فخرجت النساء من البيوت للوقوف في طوابير الجمعية للحصول على هذا المنتج وبيعه في السوق السوداء بأضعاف ثمنه ومعارك أخرى مع «عالة الشاي» المستوردة من الصين والهند، وأخرى مع الملابس، ولعل الليبيين يحتفظون في ذاكرتهم بتلك الطوابير الطويلة للحصول على كيس من البلاستيك يحتوي على ملابس داخلية وجوارب وقمصان لا يعرفون مقاساتها ولا ألوانها، وآلاف القصص المؤلمة الأخرى التي لو لم يعشها أناس لا يزالون يمشون على الأرض لقيل إنها من نسج الخيال غير أنه يبدو اليوم أن الليبيين الذين خرجوا للثورة على ذلك النظام باتوا يواجهون -بعض المعطيات- شبح الجوع مثل الصومال بعد أن دُفنت أحلامهم في الحرية تحت حراب البنادق والتفجيرات والاغتيالات والمعتقلات والتشريد في الوطن وخارجه.

وقال معاوية عبد الرحيم (متقاعد وأب لـ 6 أطفال)، وهو من رواد المقهى مشاركًا في الحديث: المصيبة يا جماعة حتى الخبزة زادت حيث نقص الميزان وزاد السعر مرتين، والأسوأ من ذلك أني اضطر بعد صلاة الفجر للذهاب للكوشة للوقوف في الطابور ولازم تكون عارف المناطق إللي هارب عليها الكهرباء لتحدد مكان الكوشة إللي تخدم (المصيبة يا جماعة حتى سعر رغيف الخبز ارتفع مع نقص الوزن وتضاعف السعر.والأسوأ من ذلك اضطر بعد صلاة الفجر للخروج للمخبز وأقف في الصف ولا بد أن أعرف المناطق التي انقطع عنها التيار الكهربائي لأحدد أي المخابز يعمل).

ورفعت الحكومة الليبية أسعار خمس سلع مدعومة منذ شهر مايو الماضي، مما سبب ارتفاع أسعارها في السوق السوداء أيضًا.

ويواجه الليبيون أزمة خانقة في نقص المواد الغذائية الأساسية منها الأرز والزيت والدقيق وهي سلع مدعومة حتى اليوم غير أن الجمعيات الاستهلاكية لم تستلم أي كميات منذ حوالي الشهرين مما تسبب في موجة من ارتفاع الأسعار في القطاع الخاص نظرًا لانهيار العملة الليبية أمام الدولار الأميركي الذي يتراوح سعره اليوم في السوق الموازي بين 1.9 دينار ودينارين مقابل 1.3 دينار قبل اندلاع القتال بين الجماعات المسلحة الصيف الماضي.

تعطل واردات القمح
وكان مسؤول ليبي صرح في وقت سابق بأن ليبيا ستستنفد احتياطاتها من القمح في غضون شهرين أو ثلاثة أشهر ما لم يتسلم صندوق حكومي مكلف بتأمين الإمدادات أموالاً معطلة نتيجة الاضطرابات السياسية التي تهيمن على البلاد وانخفاض إيرادات النفط.

وتعطلت واردات القمح بسبب القتال بين الفصائل المتناحرة، وأدت ضربات جوية على بعض الموانئ ومنها ميناء مصراتة (غرب البلاد) إلى تردد شركات الشحن في التعامل مع ليبيا في الوقت الذي تعاني فيه المصارف المحلية نقصًا في العملة الصعبة بسبب تراجع إيرادات النفط.

ونتيجة لذلك اضطرت ليبيا إلى خفض إمدادات الدقيق (الطحين) للمخابز إلى النصف لتبلغ 65 ألف طن شهريًا، وعلى الرغم من ذلك يتوقع أن تنضب مخزونات القمح في غضون ثلاثة أشهر على أقصى تقدير إذا لم ترد إمدادات جديدة.

وهوَّن جمال الشيباني مدير صندوق موازنة الأسعار الحكومي الذي يقدم التمويل للمطاحن التي تستورد القمح من شأن الحديث عن أزمة، لكنه قال لوكالة أنباء عالمية إن ثمة نقصًا في الدقيق.

وأضاف: «كنا نستهلك تقريبًا في حدود 130 ألف طن.. خفضناه إلى 65 ألف طن. وهذا إجراء كنا مضطرين إليه.. ليس لدينا خيار آخر».

وأُسس صندوق موازنة الأسعار، وهو صندوق حكومي، من أجل تحقيق استقرار في أسعار السلع والخدمات، وتوفيرها بتكلفة مناسبة لجميع المواطنين، وتحدد السلع والخدمات التي يوفرها الصندوق أو يلتزم بموازنة أسعارها بقرار من الوزارات المختصة.

وتنفق ليبيا ما يصل إلى 1.6 مليار دولار سنويًا، لتوفير السلع الغذائية الأساسية للمواطنين، ويصل دعم الوقود والسلع الأساسية، في الموازنة العامة الليبية للعام الجاري، إلى 11.3 مليار دولار بارتفاع نسبته 7.6% على فاتورتها في موازنة العام الماضي.

عجز الموازنة
وأقر المؤتمر الوطني العام الليبي (البرلمان المؤقت المنتهية ولايته)، في 22 يونيو الماضي الموازنة العامة الليبية العام 2014، بقيمة 45.5 مليار دولار، وبعجز قدره 13مليار دولار.

ورفعت الحكومة الليبية أسعار خمس سلع مدعومة منذ شهر مايو الماضي، مما سبب ارتفاع أسعارها في السوق السوداء أيضًا.

وشهدت الجمعيات الاستهلاكية، التي تقوم ببيع السلع المدعومة للمواطنين، ارتفاعًا في أسعار بيع عدد من السلع، من بينها الأرز ومعجون الطماطم والسكر والزيت والشاي بنسب تصل إلى الضعف.

وكانت دراسة صادرة عن البنك الدولي أوصت، في مايو الماضي، بضرورة خفض الدعم عن السلع في ليبيا في خطوات متتابعة، وعلى مدى زمني واسع، مما يؤدي لتحقيق وفورات مالية في الموازنة، مع الحرص على عدم حدوث اضطرابات اجتماعية.

وأكدت الدراسة أن إلغاء الدعم الكامل على المواد الغذائية والوقود، سيرفع معدل الفقر بنحو 4% ليصل إلى 21.7%، وأن تقديم دعم نقدي مباشر للمواطنين سيكون كافيًا لتثبيت معدلات الفقر.

ويرى كثير من المراقبين أن ليبيا علاوة على الاقتتال بين الجماعات المسلحة من أجل السيطرة على السلطة والنفط، والذي تسبب حتى الآن في آلاف القتلى والجرحى وتعطيل حركة الاقتصاد والتنمية وتشريد مئات الآلاف من المواطنين من بيوتهم وتغلغل جماعات متطرفة في النسيج الليبي بات يتهددها اليوم شبح الجوع رغم تمتعها بأكبر مخزون للنفط في أفريقيا مع ساكنة قليلة نسبيًا.

المزيد من بوابة الوسط