Atwasat

كيف يرى الأوروبيون حصاد الحرب الأهلية في ليبيا؟

القاهرة - بوابة الوسط السبت 08 يناير 2022, 08:25 صباحا
alwasat radio

برؤية نقدية، استعرض أستاذ العلوم السياسية في جامعة نيو إنجلاند بولاية ماين الأميركية، الدكتور علي عبداللطيف أحميدة، كتابين حديثين صدرا عن الوضع السياسي في ليبيا منذ الإطاحة بالعقيد معمر القذافي، وأسباب استمرار الصراع في البلاد. الكتاب الأول بعنوان «التدخل في ليبيا: مسؤولية الحماية في شمال أفريقيا» للكاتبة كارين ويستر (Karin Wester)، وهي دبلوماسية هولندية. أما الثاني فعنوانه «تقسيم ليبيا: التركيبة والمسار في الصراع العنيف» للباحث الألماني ولفرام لاشر (Wolfram Lacher) المتخصص في الشأن الليبي.

وفي مقال نشر بالعدد الفصلي الأخير من دورية جامعة كامبريدج الأميركية، يقول الدكتور أحميدة أن كلا المؤلفين يقدمان رؤية أوروبية لأسباب تدخل الأمم المتحدة وحلف الناتو في ليبيا، وانهيار الدولة، والحرب الأهلية المتواصلة منذ 15 فبراير 2011.

المصالح والأدوار الأوروبية في الأزمة الليبية
ويوضح أحميدة أنه بناء على رؤية متطلبات الأمن الأوروبي ومفهوم الدولة القومية، فإن الكتابين يعكسان المصالح والأدوار الأوروبية في الأزمة. ولقد حصل تحالف حلف الناتو، والذي لعب الدور الرئيسي في تحطيم نظام القذافي، على الشرعية من مجلس الأمن الدولي بموجب القرارين 1970 و1973 في مارس 2011. وعلى مدى السنوات العشر الماضية، كان هناك «نهم الحصول على الذهب» والمتمثل في القيام بالعشرات من الأبحاث في ليبيا بعد الانهيار الكامل للجيش والشرطة وتعاون قادة الانتفاضة مع الناتو والقوى الغربية.

وتوجه عديد الباحثين الغربيين والمحللين السياسين وضباط المخابرات إلى ليبيا بعد أربعة عقود من الفشل في اختراق ليبيا في ظل نظامها الشعبوي والسلطوي القومي المعادي للاستعمار. وقبل2011، كان يتم السماح لعدد صغير جداً من الباحثين الغربيين بالعمل داخل ليبيا. ويقدم الكتابان إضاءات جديدة بشأن سياسة التدخل الدولي ودور الأمم المتحدة وحلف الناتو في ليبيا، وآليات الحرب الأهلية.

ويتتبع كتاب كارين ويستر تطور مبدأ «الحق في الحماية» للمدنيين في الأمم المتحدة وتطبيقه في حالة تدخل حلف الناتو في ليبيا في 10 مارس 2011. وكان المبرر الرئيسي للتفويض الممنوح لحلف الناتو من مجلس الأمن هو حماية المدنيين الليبيين من حملة قتل واسعة ومرتقبة للمدنيين عندما تقدم جيش القذافي نحو بنغازي لقمع الانتقاضة. وتبنى مجلس الأمن، بناء على مناشدة من جامعة الدول العربية، القرار 1973 في 17 مارس 2011. ومنح ذلك القرار لقوات حلف الناتو تفويضاً بفرض منطقة حظر طيران في الأجواء الليبية. ولكن قوات الناتو تمادت وقصفت القوات العسكرية والمنشآت التابعة للقذافي في 31 مارس 2011. وانتهى ذلك التدخل بهزيمة النظام والقبض على القذاقي وإعدامه بطريقة بشعة دون محاكمة.

الأمم المتحدة والحق في الحماية
وتبحث ويستر في كتابها عن دور اللاعبين الدوليين في الحروب الأهلية وفرض قيم حقوق الإنسان بغض النظر عن سيادة الدول. وهي ترى أن هذا المبدأ الجديد القائم على «الحق في الحماية» تطور بعد فشل القوى الغربية والأمم المتحدة في التدخل لمنع حرب الإبادة في رواندا العام 1994. وبعد مناقشات تبنت الأمم المتحدة مبدأ حماية المدنيين في سبتمبر 2005. ورحبت ويستر بهذا التغيير في القانون الدولي واعتماده كمبرر لحماية حقوق الإنسان. وتعتبر الحالة الليبية مثالاً بارزاً من هذا المنطلق حيث كانت المرة الأولى التي يتم فيها تطبيق ذلك المبدأ الجديد الداع لحماية المدنيين.

ويفترض مبدأ «الحق في الحماية» أن الأمم المتحدة مسؤولة عن التدخل لحماية المدنيين في الحالات التي تتضمن حروب إبادة فجة وجرائم حرب وتطهيراً عرقياً وجرائم ضد الإنسانية. وتربط ويستر بين قبول مبدأ «الحق في الحماية» وتراكم العديد من التغيرات في القانون الدولي، مثل إنشاء المحكمة الجنائية الدولية في 1998، والتي تتحقق من الانتهاكات التي يتعرض لها المواطنون داخل الدول القومية المستقلة.

وتتنبأ المؤلفة بأن هذا المبدأ المقبول حديثاً سيحد من مفهوم السيادة التقليدية للدول في القرن الواحد والعشرين. ويعتمد الكتاب على مصادر داخل الأمم المتحدة و20 مقابلة مع بعض اللاعبين الرئيسيين والذين كان لهم دور في تصويت مجلس الأمن لصالح قرار التدخل في ليبيا.ورغم أنها تقر بفشل ذلك التدخل، تستمر ويست في الدفاع عن تطبيق مبدأ «الحق في الحماية» في الأزمة الليبية. وتقول أن ذلك التدخل كان ضرورياً لحماية حقوق الإنسان للمدنيين من عملية قتل واسعة محتملة وإبادة في بنغازي.

صمت تجاه الضحايا المدنيين في ليبيا
وبذلت المؤلفة جهداً كبيراً في تحليل وتأصيل تاريخ مبدأ «الحق في التدخل» والمناقشات التي جرت في الأمم المتحدة، إلى جانب طرق استخدام القانون الدولي في أعقاب انتهاء الحرب الباردة وعملية الإبادة في رواندا. ولكن افتراضاتها المنبثقة من رؤيتها الأوروبية للأزمة الليبية مليئة بالتناقضات، كما أن النتائج التي انتهت لها غير مقنعة، خاصة إذا تم الرد عليها بأدلة مضادة.

والتزمت ويستر الصمت تجاه الضحايا المدنيين في ليبيا جراء الإرهاب الذي فرضته الجماعات المسلحة والمتشددون والمرتزقة الأجانب والمجرمون. فيما غاب النقاش بشأن عمليات القتل والنزوح والاختطاف والترويع التي تعرض لها الليبيون فور انتهاء تدخل حلف الناتو في المرحلة الأولى. كما أنها لم تتناول ما أشارت له مصادر معتمدة ودراسات بشأن الأجندات الخفية وآثار التدخل الغربي. وبدلاً من ذلك، أصرت ويستر على اعتبار الحالة الليبية هي انتصار لمعركة حقوق الإنسان رغم الأدلة الماثلة والتي تناقض حججها وتجعل من الصعب الدفاع عن مبدأ «الحق في الحماية».

يقول أحميدة «هي أولاً، لم تقدم أي أدلة لدعم حججها سوى القول بأن التدخل كان ناجحاً في حماية المدنيين وحقوق الإنسان. وثانياً؛ هي لا تتعامل بجدية مع الدراسات المهمة التي عارضت تدخل حلف الناتو، واستخدام حجة حماية المدنيين، وفرضية أن جيش القذاقي كان سيقوم بالفعل بارتكاب عمليات قتل واسعة في بنغازي. (كتاب هوراس كامبل «حملة الناتو الدولية والفشل الذريع في ليبيا»، 2013 ومقال كريستوفر ديفيدسون «لماذا تم بالفعل الإطاحة بالقذافي»، 2017 بدورية ميدل ايست بوليسي).

ويست تشير إلى المقال المطول لهيو روبرتس في دورية «لندن ريفيو أوف بوكس»، 17 نوفمبر، 2011 ولكنها تستبعد سريعاً ما ورد فيه. ثالثاً، هي تتقبل ما يتردد في الإعلام والدراسات الغربية التقليدية بشأن تاريخ ليبيا ومجتمعها وتركز على التقاليد والنفط والقبلية والقذافي والإرهاب، متجاهلة تجربة ليبيا البشعة ومعاناتها من الاستعمار، وهو ما وصفه البعض بـ«حرب الإبادة» في ليبيا، (بما في ذلك كتاب أحميدة الأخير «حرب الإبادة في ليبيا»، 2020) وكفاح الشعب الليبي ضد الاستعمار.

- من بين 4 سيناريوهات: تسليم سلس للسلطة بعد 24 ديسمبر أو نزاع قد يعيد الحرب الأهلية
- مجلس الوزراء يعلق على أحداث سبها ويحذر من الحرب الأهلية
- «البنتاغون»: استمرار الحرب الأهلية الليبية يهدد بعودة «داعش» و«القاعدة»

رابعاً، هي تمر سريعاً على اعتراف الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بارتكابه خطأ حين قرر الموافقة على التدخل في ليبيا، ووصف ذلك القرار بأنه الخطأ الأسوأ الذي اتخذه خلال فترة رئاسته. وأدى فشل إدارته في التخطيط لمرحلة ما بعد التدخل إلى استيلاء الجماعات المتشددة على ليبيا. وتتجاهل ويستر كذلك مصدراً مهماً آخر وهو تقرير لجنة العلاقات الخارجية بمجلس العموم البريطاني بعنوان «ليبيا: مراجعة للتدخل والانهيار وخيارات بريطانيا السياسية في المستقبل، 2016». وانتهى هذا التقرير إلى أن تدخل حلف الناتو انتهى بشكل سيئ للغاية وأقر بأنه تم تبريره بناء على معلومات استخباراتية مغلوطة، بما في ذلك التهديد بالقيام بأعمال قتل واسعة النطاق في بنغازي في 2011.

 

غطاء لحسابات استعمارية في ليبيا
وكان يمكن لويستر النظر للأمر بطرح سؤال نقدي آخر: هل كان استخدام وإساءة استخدام «الحق في الحماية» لإنقاذ المدنيين مجرد غطاء لحسابات استعمارية واقتصادية واستراتيجية؟ وباختصار، فإن دعمها ودفاعها عن نجاح الحالة الليبية ومستقبل تطبيق مبدأ «الحق في الحماية» ليس فقط مثالياً، ولكنه خاطئ إذا ما جرى النظر إلى نتائج تدخل الناتو في 2011. ولقد تم توثيق معاناة الشعب الليبي في التقارير السنوية لخبراء الأمم المتحدة منذ العام 2012. كما أن السجل القائم في الحالات المماثلة مثل اليمن والبحرين وسورية وميانمار يناقض تفاؤل المؤلفة المبالغ فيه بشأن مستقبل تطبيق مبدأ «الحق في الحماية».

والخلاصة هي، أن ما ينقص هذا الكتاب هو تحليل نقدي لسياسات توازن القوى بين الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ومن هم الضحايا الحقيقيون لانتهاكات حقوق الإنسان. ولا يمكن إنكار أن تدخل حلف الناتو بغطاء من الأمم المتحدة ساهم في تدمير الدولة وزيادة معاناة الليبيين إلى درجة أن الكثيرين بدأوا يفتقدون الأمن والاستقرار الذي كانوا يتمتعون به في فترة ديكتاتورية القذافي.

أما ولفرام لاشر فهو يعد أحد أهم الباحثين الغربيين في الشأن الليبي اليوم. وهو أحد كبير الباحثين في معهد الدولة الألمانية للشؤون الدولية والأمنية. وكتابه يعتمد على بحث ميداني مكثف في غرب ليبيا في الفترة بين 2012 و2019. ويركز الكتاب على آليات الحرب الأهلية في غرب ليبيا، وكيف أن اللاعبين السياسين والعسكريين قد تماهوا مع الوضع القائم من خلال الارتباطات الاجتماعية والتحالفات والشبكات والانقسامات. 

 مصراتة وجبل نفوسة وبني وليد
ويركز لاشر على ثلاثة مواقع في غرب ليبيا - مصراتة، جبل نفوسة (خاصة الزنتان) وبني وليد - بجانب موقع واحد في شرق ليبيا هو مدينة طبرق. ويقر ليشتر بمحدودية دراسته لتركيزها على الإقليم الغربي، ولكنه يبرر ذلك بالمصاعب الأمنية في الأقاليم الشرقية والوسطى والجنوبية. وبالتالي لا يعكس الكتاب الوضع في البلد بأكملها. وعقد لاشر ما يزيد على 300 مقابلة مهمة مع رجال ليبيين بشكل أساسي في الفترة ما بين 2012 و2019.

ويدافع المؤلف عن عدم قيامه بالمزيد من المقابلات مع ليبيات بالزعم أن المجتمع الليبي لا يزال يقوم على الفصل بين الجنسين. وهذا الادعاء قد يكون غير مبرر بالنظر إلى أن النساء الليبيات لديهن أعلى مستوى تعليم في أفريقيا، ولهن دور بارز في أماكن العمل والبرلمان والصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي والمدارس، ويمثلن نحو 60 في المئة من الطلبة في الجامعة في 24 جامعة على مستوى ليبيا في العام 2017. كما أنه لا بد من تذكر أن الانتفاضة ضد ديكتاتورية القذافي قادتها النساء في بنغازي في 15 فبراير 2011. وقامت الجماعات الجهادية الإسلامية باغتيال العديد من النساء القياديات في المجتمع المدني في بنغازي ودرنة وصبحة وطرابلس.

 الصراع في ليبيا تحده الجغرافيا 
ويقدم لاشر ثلاث حجج رئيسية. الأولى، أنه يختلف مع فكرة تهميش المدن والمناطق لتفسير تعقيد المشهد وسياسات الحرب الأهلية والتقسيم كما هو الحال المهيمن الآن في مصراتة. ثانياً، هو يعترض أيضاً على نظرية «الخيارات المناطقية» لتفسير الحرب الأهلية في ليبيا. وثالثاً هو يقدم نتيجة بديلة مفادها أن العنف في ليبيا غير طبيعة السياسة القائمة هناك بعد 2011.

لاشر يقول في كتابه إن الصراع في ليبيا تحده الجغرافيا ومتماهٍ مع الشبكات الاجتماعية والجماعات المتصارعة، والتي تتشكل من عائلات تم حشدها وأصدقاء وجيران. وبمعنى آخر، فإن لاشر يرى أن العنف خلق آليات جديدة ونتائج غير مخطط لها من وجهة نظر القوى السياسية المتصارعة التي قام بدراستها. وبالنسبة لاشر، فإن الأمر الذي يميز الحرب الأهلية بشكل خاص هو تركيبة ومسار الانقسام من خلال السياسات المحلية. وبالنسبة له «فإن الجماعات المسلحة متداخلة من الناحية الاجتماعية أو معزولة عن محيطها بدرجات مختلفة». وهذا هو العامل الرئيسي الذي يخلق حالة التشظي والانقسام ويدفع لاستمرار الحرب الأهلية الليبية.

وفي أعقاب 2011، برزت مصراتة والزنتان كمدينتين خرجتا منتصرتين من الناحية العسكرية، بينما تمت هزيمة بني وليد وسرت وتعرضتا للعزلة. وبدا التركيز على المدينتين المنتصرتين مبرراً. فمصراتة هي ثالث أكبر مدينة ليبية ولديها شبكات من جمعيات رجال الأعمال المستقلة والقدرة على تلقي الدعم العسكري والمساعدات التجارية من خلال المطار ومينائها الاستراتيجي. أما مدينة الزنتان الجبلية فقد استفادت من موقعها للدفاع عن نفسها من جيش القذافي ولتلقي المساعدات عبر الحدود التونسية. وفي أعقاب تدخل حلف الناتو في 2011، حافظت المدينتان على قوات عسكرية قوية. وكانت هذه هي إحدى النتائج غير المخطط لها للحرب.

وعلى النقيض من ذلك، فإن مدينة بني وليد تم النظر إليها باعتبارها موالية للقذاقي، وبقيت منعزلة. كما تفتقد بني وليد ما لدى مصراتة من جمعيات مستقلة لرجال الأعمال وموقع الزنتان الجغرافي الذي يوفر لها الحماية. واليوم، لا يزال يتم النظر لبني وليد على أنها مدينة مهزومة ويتم استبعادها من العملية السياسية. ولكن في أعقاب هزيمة النظام القديم، فإن المدينتين المنتصرتين بدأتا في التنافس للحصول على السلطة والمواقع، وخاضتا حربا ضد بعضهما البعض. وبرزت مصراتة كأقوى قوة عسكرية في غرب ليبيا وعززت من مكاسبها بالتحالف مع القوى الإسلامية وإيطاليا وتركيا. ويقدم لاشر التحليل الأكثر تفصيلاً لبروز مصراتة كأكبر قوة في غرب ليبيا.

فراغ أظهر حفتر
ويزعم لاشر أن الإقليم الشرقي، وخاصة مدينة طبرق، لم تشهد صراعاً لأن النظام القديم تمت هزيمته هناك في وقت مبكر، وهو ما أدى لخلق حالة من الفراغ في السلطة سمحت بظهور رجل الإقليم الشرقي القوي، المشير خليفة حفتر. وهناك يبدو تحليل لاشر أقل إقناعاً وموضوعية. لاشر قام بأبحاثه فقط في مدينة طبرق، ولم يشر إلى العنف وعمليات الاغتيال والإرهاب التي ارتكبتها المجموعات الجهادية والإسلامية التي سيطرت على مدن بنغازي ودرنة وأجدابيا. وسمح العنف المصاحب لفترة 2011 والاعتماد على الخطاب الوطني والدعوة لعودة الاستقرار، لخليفة حفتر بلعب دور بارز في الشرق والجنوب، وأصبح لاعباً رئيسياً في الحرب الأهلية الليبية بدعم من الإمارات وروسيا ومصر. ولكنه أساء الحسابات وتمت هزيمته عندما هاجم العاصمة طرابلس في 2019. وتمكنت حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الإسلاميين ومدينة مصراتة من ردع الهجوم بدعم من مستشارين أتراك ومرتزقة.

وللأسف، تم تجاهل العنف في جنوب ليبيا في كتاب لاشر، حتى بعد تدفق الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين على مدن وبلدات فزان وهو ما لم يتناوله بشكل نقدي. ويستخدم لاشر ما يعتبره بعض الباحثين لغة إشكالية لفهم الحرب الأهلية القائمة في ليبيا واستخدام مصطلحات من قبيل «غياب الدولة» وفكرة القبيلة و«القبلية» رغم إدراكه للمعنى المتغير لتلك الفكرة. وكما هو حال ويستر، فإن لاشر يتجاهل تاريخ ليبيا العنيف في مواجهة الاستعمار والإبادة والمقاومة الطويلة للاستعمار. كما يفتقد الكتاب التحليل بشأن دور حلف الناتو والقوى الإقليمية الأخرى في الصراع في ليبيا. ويشير ليشير إلى «الفيل في الحجرة» فقط في الصفحة الأخيرة من كتابه عندما يقول «حتى تتفق القوى الأجنبية على أنه يجب إعادة بناء السلطة المركزية في ليبيا، بدلا من السيطرة عليها وحصارها، فإن حالة التشظي والانقسام القائمة في ليبيا ستبقى وتستمر».

وهذا الكتاب كان من الممكن أن يكون أكثر إقناعاً إذا اعتمد التحليل فيه على النظر للمجتمع الليبي من خلال تاريخ ليبيا. وهذا التاريخ يتميز بسجل طويل من مقاومة التدخل الأجنبي، وتسرب 20 مليون قطعة سلاح، وهجرة غير شرعية، وفساد، وإرهاب الجماعات المسلحة، و20 ألف من المرتزقة. هل يمكن لأي مجتمع أن يواجه كل هذه الكوارث من دون أن يتشظى وينقسم؟

ولكن ما يفوت الكثير من الباحثين الغربيين هو فهم كيف يمكن للمجتمع الليبي، مع كل هذه الكوارث التي تواجهه، أن يستمر رغم غياب الدولة والشرطة والجيش. وهنا لا يتعلق الأمر بغياب الدولة، ولكن بوجود تقاليد خفية وخلاقة تسمح بالحكم الذاتي.

ترجمة: خالد داوود
 

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
وفد روسي في طرابلس لبحث إعادة افتتاح السفارة
وفد روسي في طرابلس لبحث إعادة افتتاح السفارة
شكري: نقرب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين للوصول إلى الانتخابات
شكري: نقرب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين للوصول إلى الانتخابات
«تسييري بنغازي»: إجراءات عاجلة لمواجهة التعديات على شبكة الكهرباء
«تسييري بنغازي»: إجراءات عاجلة لمواجهة التعديات على شبكة الكهرباء
السوق الموازية: الدولار ينخفض أمام الدينار
السوق الموازية: الدولار ينخفض أمام الدينار
حريق داخل مصنع الإطارات في تاجوراء
حريق داخل مصنع الإطارات في تاجوراء
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم
المزيد من بوابة الوسط