جيران ليبيا يسعون إلى التخلص من آفة «المرتزقة» ويؤكدون ضرورة عقد الانتخابات

صورة نشرتها الرئاسة التونسية على صفتحها على «فيسبوك» في الأول من أغسطس 2021، يظهر فيها الرئيس قيس سعيد (يسار) خلال جولة على وسط العاصمة تونس. (فيسبوك)

على الرغم من محاولة دول الجوار ضبط بوصلة أطراف الصراع الليبي، إلا أنّ اجتماع وزراء خارجية دول الجوار، المنعقد الإثنين والثلاثاء الماضيين، لم يتمكن من إيجاد حل وسط يقنع حكومات الدول التي تمتلك آلاف المقاتلين والمرتزقة في البلاد بقبول إعادة هؤلاء المقاتلين من ليبيا، وبين هذه الدول (تشاد والسودان).

وتضع الأمم المتحدة و«جيران ليبيا» في حسبانها أن الحل السياسي في ليبيا يتوقف على إنهاء التدخلات الأجنبية بشكل كامل، خاصة أن هذه التدخلات موجودة بحكم وجود حسابات لدى تلك القوى، تتعلق بما بعد الانتخابات ورهانات أخرى حول تقاسم الفرص والنفوذ.

المسار الأمني.. أولوية
وارتكزت أولويات الاجتماع الوزاري المنعقد بالجزائر بمشاركة 7 دول وهيئات أممية وأفريقية على المسار الأمني البحت الذي تتحكم فيه مؤثرات سلبية لا حصر لها، منها التدخل الخارجي والتواجد الأجنبي والجماعات الإرهابية والميليشيات وتفكك المؤسسة العسكرية والمرتزقة.

وفي ظل تزايد التحذير باحتمالات انهيار اتفاق وقف إطلاق النار، سارعت دول الجوار إلى التحرك لضمان عدم انهيار العملية السياسية، وبالتالي منع انعكاس الوضع على أمنها الداخلي، وعاد معها تفعيل اللجنتين الفرعيتين الخاصتين بالسياسة والأمن، اللتين ستترأسهما كل من الجزائر ومصر، خصوصاً أن ضمان أمن ليبيا يضمن فرصاً استثمارية ضخمة لهذه البلدان.

تأمين الحدود
المحلل السياسي الليبي فرج فركاش يقول لـ«الوسط»: «إن اجتماع دول الجوار السبع يأتي في إطار دعم ليبيا لتأمين حدودها وخروج وعودة المرتزقة القادمين من دول الجوار، خاصة الدول الأفريقية التي حالياً تعارض هذا الموضوع».

ويأتي الاجتماع الوزاري لدول الجوار في وقت يشهد تقارباً بين الجانبين الجزائري والمصري للتأثير والضغط بشكل إيجابي على الأطراف الداخلية من أجل إنقاذ الانتخابات المقبلة التي تواجه عراقيل لعقدها في موعدها المقرر في 24 ديسمبر 2021.

ويعول البعض على التأثير الجزائري والمصري بإقناع بعض الأطراف الداخلية بعدم الترشح لإعطاء فرصة لانعقاد الانتخابات الرئاسية، خاصة أن مجلس النواب وافق على إجراء الانتخابات بالاقتراع المباشر.

البيان الختامي لدول الجوار
وعلى مدى عقد كامل اكتوت الدول المحيطة بليبيا بشكل أو بآخر بفوضى السلاح وحالة اللا أمن، ولهذا دعوا في بيانهم الختامي إلى «انسحاب كافة القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب والمرتزقة، وفقاً لقرار مجلس الأمن 2570، وعلى النحو المنصوص عليه في اتفاق وقف إطلاق النار الدائم، مع الحاجة إلى إشراك دول الجوار بشكل كامل في المحادثات أو المسارات التي يتم إطلاقها في هذا الصدد مع اللجنة العسكرية المشتركة 5+5».

نص بيان اجتماع وزراء خارجية «دول جوار ليبيا» في الجزائر (31 أغسطس 2021)
- دول جوار ليبيا تدين «المحاولات المتعمدة» لبث الفرقة بين الليبيين لتقويض جهود حل الأزمة 
- أميركا ترحب بنتائج اجتماع دول جوار ليبيا.. وتجدد دعوتها إلى انسحاب القوات الأجنبية

تقول الأمم المتحدة إن انسحاب المقاتلين الأجانب والجماعات المسلحة يتطلب أن يترافق مع معالجة الأسباب الجذرية لانعدام الاستقرار، خصوصاً عبر المصالحة الشاملة وبناء السلام.

لكن ما يؤكد التعقيدات بشأن هذا الملف الفشل في طمأنة السلطات التشادية والسودانية فيما يتعلق بمسألة عودة آلاف المرتزقة إلى بلادهم، إذ تعتبر الدولتان أن ذلك يمثل خطراً مميتاً على أمنهما القومي.

إنكار تركي ورسي
أما تركيا فلا تعترف إلا بجنودها وقواتها الأجنبية الموجودة في قاعدة الوطية والمنتشرة في طرابلس، رافضة أن يكون لها علاقة بالمقاتلين السوريين، وهو الأمر الذي تتقاسمه مع روسيا، حيث ينفي الكرملين إرسال قوات «فاغنر» إلى ليبيا.

وجاء أول ردود الفعل الحازمة والاستباقية لأي خطط إجلاء على لسان رئيس المجلس العسكري الانتقالي في تشاد، محمد إدريس ديبي، خلال لقائه رئيس مجلس السيادة في السودان عبد الفتاح البرهان بالخرطوم.

وعبر ديبي عن رفضه عودة «المرتزقة التشاديين والسودانيين في ليبيا، الذين جندتهم ودربتهم وسلحتهم ومولتهم قوى أجنبية»، مضيفاً: «يجب منعهم من مغادرتها بسبب الخطر الجسيم الذي يشكلونه على الاستقرار والأمن في تشاد، والسودان».

كما دعا الحكومتين التشادية والسودانية للبحث معاً بشكل عاجل في هذا التهديد المشترك. في حين يرجح أن تكون لهذا القرار انعكاسات على تفعيل الاتفاقية الأمنية مع ليبيا المجمدة منذ ثلاث سنوات، كون المسألة ستكون محل خلاف لدى استئناف عمل القوات المشتركة عند الحدود.

الموقف التشادي الرسمي يأتي بسبب شن قوات متمردة هجومها من ليبيا في وفاة مفاجئة للرئيس السابق إدريس ديبي، خلال معركة عسكرية في أبريل الماضي واحتضان الجنوب الليبي لعدد من الجماعات المسلحة من تشاد والسودان.

نجاح الانتخابات مرهون بسحب المرتزقة
وذهبت الجزائر إلى ربط مسألة سحب المرتزقة والإرهابيين والقوات غير النظامية بنجاح الانتخابات الرئاسية والتشريعية المزمع تنظيمها في ديسمبر. وقال وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيرته نجلاء المنقوش، الثلاثاء إن «سحب القوات ليس من صلاحيات الحكومة الليبية، وإنما هي مسؤولية المجتمع الدولي، يجب أن يكون ذلك واضحاً جداً».

وترى السلطات الجزائرية أن ليبيا أولى ضحايا تلك العناصر غير النظامية وأن الخطر قد يشمل بلداناً أخرى جارة، إذا لم يتم سحب المرتزقة بشكل شفاف ومنظم وتحت رقابة ومسؤولية المجتمع الدولي. وأكد لعمامرة أنه يجب على الدول التي نقلت المرتزقة إلى الأراضي الليبية أن تعيدهم إلى المكان الذي جاؤوا منهم.

وتلح البلدان المجاورة على أن تكون طرفاً فاعلاً في المسار الرامي إلى ضمان انسحاب المقاتلين الأجانب، وتسعى إلى الاشتراك في أعمال اللجنة العسكرية المشتركة (5+5 ) المكلفة هذه المسألة بهدف التأكد من إسماع رأيهم والأخذ باقتراحاتهم بعين الاعتبار.

انسحاب مدروس
ويشاطر وزير الخارجية التونسي عثمان الجرندي نظيره لعمامرة الرأي، مطالباً في كلمة ألقاها خلال اجتماع دول جوار ليبيا، بوضع جدول زمني لعملية انسحاب المقاتلين الأجانب والمرتزقة من ليبيا، نظراً لما يمثله من تهديد خطير وجدي، ليس فقط لليبيا ومسارها الانتقالي، وإنما للمنطقة بأسرها، ولا سيما دول الجوار.

ونبه إلى أهمية أن يكون هذا الانسحاب «مدروساً ومحكم التنسيق»، حتى لا تستغله التنظيمات الإرهابية لمزيد نشر الفوضى والعنف، وحتى لا يكون أيضاً سبباً في تنامي العمليات الإرهابية والجريمة المنظمة والاتجار بالبشر أو تسلل المرتزقة إلى دول الجوار عبر قنوات الهجرة غير النظامية.

المبعوث الأممي إلى ليبيا، يان كوبيش، كشف بدوره أن اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) تعتزم إعداد خطة عمل لانسحاب متسلسل ومرحلي قابل للتحقق منه، بدءاً من انسحاب المرتزقة والمقاتلين الأجانب، موضحاً أن الهدف منها هو التشاور بشأن هذه الخطة مع الشركاء الدوليين المعنيين، وطلب دعمهم وتعاونهم وتعاون دول الجوار. وأكد أن نشر المجموعة الأولى لمراقبي الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار في ليبيا سيتم خلال الأسابيع المقبلة.

وبخصوص الترتيبات المتوقعة لإجلاء المرتزقة، قال المحلل فرج فركاش إن المسؤولية القانونية والأخلاقية في مسألة سحب المرتزقة تقع على عاتق الدول التي جاؤوا منها «فلا يمكن تحميل ليبيا أكثر مما هي تحتمل»، داعياً واشنطن والدول الأوروبية إلى الضغط على هذه الدول لاستقبال مواطنيها وضمان سلامتهم.

وأضاف: «يجب تهجيرهم إلى أوروبا وإدماجهم هناك أو إنشاء صندوق يسهم في خلق مراكز إيواء موقتة لهم هناك، وربما إعادة تأهيلهم حتى يعودوا إلى بلدانهم».

وفي تلك الأثناء، طالب مجلس السلام والأمن التابع للاتحاد الأفريقي بالتعجيل في إعداد وثيقة بشأن التصدي للتأثير المحتمل لطرد القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا إلى بلدان منطقة وسط أفريقيا والساحل وتقديمها إلى مجلس السلم والأمن للموافقة النهائية.

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط