سيمفونية الألوان حضرت بقوة في المعرض الوطني للفنون التشكيلية، دورة الفنان علي مصطفى بن رمضان، السبت، تحت عنوان «رؤى معاصرة»، الذي احتضنه قصر الخلد برعاية وتنظيم الهيئة العامة للمسرح والخيالة، التابعة لوزارة الثقافة والتنمية المعرفية في حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة»، والجمعية الليبية للفنون التشكيلية.
المعرض سجل حضورأكثر من 90 فنانا وفنانة، تنوعت أعمالهم من الواقعية إلى التجريدية والتعبيرية، وكذلك ما يتعلق بفنون النحت والخزف.
رئيس الهيئة العامة للسينما والمسرح والفنون، عبدالباسط أبوقندة، أشار في كلمته إلى أن المعرض يمثل محطة مهمة في مسيرة الثقافة الليبية، وخطوة نحو تعزيز حضور الفن التشكيلي كرافد للهوية الوطنية، ووسيلة للتعبير عن الإنسان والمكان والمستقبل، مضيفا أن الأعمال تعكس أصالة الفن الليبي، وقدرته على التجديد والتميز، بما يؤهله للحضور في المحافل العربية والدولية.
من جهته، أكد رئيس اللجنة العليا والجمعية الليبية للفنون التشكيلية، محمد الغرياني، أن جمعية الفنون منذ تأسيسها التزمت بدورها في تعزيز الثقافة البصرية، وتطوير المشهد الإبداعي، ليكون جسرا بين الفنان والمتلقي، لذا كانت الشراكة مثمرة بين الجمعية وهيئة المسرح.
الغرياني لفت إلى أنه «من خلال هذا المعرض نتطلع إلى تبني مشروع وطني يتمثل في إقامة متحف وطني للفنون التشكيلية، ليكون محطة دائمة للإبداع، ومرجعا تاريخيا للأجيال القادمة».
وللتعريف بأهمية وخصوصية هذه الفعالية، صاحبها كتالوج تعريفي بأعمال المعرض، تضمنت مادته مقالا للكاتب منصور بوشناف عن مسيرة الفن التشكيلي الليبي، أشار فيه إلى أن هذا الفن كان عبر مسيرته نتاج صدمة حضارية نتجت عن الالتقاء بالآخر الأوروبي، لتظل هذه العلاقة الصدمة المحور الأهم في مسيرة التشكيل الليبي الحديث، كما هي في كل الفنون العربية، ليأخذ هذا الالتقاء شكل الرفض، والانزواء إلى الداخل، أو إعادة إنتاج لفن آخر، أو يأخذ شكل التوفيق بين الذات والآخر، دون أن تأخذ هذه التوجهات أو هذه الممارسات التشكيلية شكل المدارس أو التيارات أو المذاهب، بل ظلت فعل فنانين أفراد، لا يرتبط أحدهم بالآخر إلا في أشياء بسيطة، لا ترتقي إلى مستوى الارتباط المدرسي أو المذهبي الفني.
- للاطلاع على العدد «557» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
يواصل بوشناف: «الفن التشكيلي الليبي فن أفراد وليس فن مدارس»، معللا ذلك في مقاله بالقول: «أعتقد، وقد أكون مخطئا، أن سبب ذلك القوانين والممارسات الثقافية في ليبيا»، وموضحا أن التشكيل الليبي، وهو يخوض مغامراته الحديثة، يعتمد على أفراد لا ترعاهم مؤسسات، ولا يجدون سوقا لإنتاجهم، ما جعل إنتاجهم ممارسة للحاجة الجمالية. وعلى الرغم من سلبية هذا الواقع، أعطى الرسام الليبي استقلالية، وجعل الرسم والنحت والتشكيل بصفة عامة مشروعا خاصا للتعبير عن الذات، وعن رؤية هذا الذات للفن والحياة.
رؤية في الفن والحياة
في إحدى لوحات المعرض، تبدو اللوحة في شكلها الهندسي وتداخلات الألوان نسيجا بين الفن التكعيبي والتعبيري، حيث تكون من تعانق الخطوط والزوايا ملمحا لمزهرية وفاكهة الرمان يحتضنهما حوض ونافذة. شكل جمالي من التقاطعات ولفائف من الألوان تحيط جسد اللوحة، تعكس في نفاذها الشفاف حالة من حالات الاحتفاء بالطبيعة وروحانية المكان.
نسخة أخرى تجريدية، تندلق فيها الألوان غير مكترثة بالترتيب، ولا تأنس كثيرا للتنسيق أو الاقتراب من مفازات الإيحاء المباشر.. غموض يمارس سطوته بعنف، خارجا من تشوهات الذات كجنين مسخ، صارخا بقوة في وجه صلافة الواقع الذي تصير إلى مقصلة للمنطق.
يتصل هذا اللامنطق بألم مجاور تعبر عنه لوحة «طابور الغاز»، حيث يلتحم الجسد بالحديد، وتصبح الأحلام الكبيرة أصغر من حبة قمح، على رأي نزار قباني. جزء من سريالية الدوائر المفرغة التي يعيشها الليبيون كل يوم، متاهة الجسد المطحون في أزمات الكهرباء والسيولة والبنزين.. إلخ. تتوزع الشحنات النفسية في اللوحة على روافع زمنية متعددة، بين الشيخ الشاخص في أحوال الطابور والشاب السرحان في الفراغ والرجل وهو يحتضن أسطوانة الغاز متوجا رحلته بابتسامة شاحبة مخضبة بالسخرية.
ربما نرى إحالات لونية لهذا الزووم النفسي في لوحة تتماوج فيها الأجساد بلا ملامح، تُرفع فيها الأيدي دون معرفة الحاجة لذلك، أجساد تغمرها الزرقة والإحمرار، وأصابع معروقة تغرق في مشهد شبحي يتنفس الغموض، شكل من أشكال الاحتجاج، أو ربما الابتهاج، بلا مبرر مقنع، فالخلفية لا تساعدنا على اكتشاف أثر للدوافع، بينما تدفعنا للغرق أكثر فأكثر في وحل الكآبة.
- للاطلاع على العدد «557» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
تقذفنا الأعمال في دائرة التنوع بين بورتريه الوجوه، والأماكن، وجهة للجنوب وأخرى للشمال، حيث تنغمس المرأة الجنوبية في نظم عقد ما، تعرفنا اللوحة بملمحها الهادئ الغارق في التركيز، الوشاح وجدائل الشعر الفاحم وبشرة بين السمرة والبياض، كلها تشكل رمزا إنسانيا للوجود، وبطاقة شخصية للمرأة الجنوبية كأنثى تمارس فعل الحضور لملمحها الثقافي الخاص ضمن نسيجها الليبي بشكل عام.
في المقابل، نتعرف عبر زاوية جانبية على وجه نسائي بشعر معقوف، ونظرة تختزل مشاعر مختلطة بين الإحساس بالخذلان أو الاستعداد لمواجهة المجهول، أو محاولة التأقلم على حياة تغاير حياتها القديمة، وهي في النهاية محاولة للإمساك بخيط نجاة ينقلها من ضفة الجمود إلى ضفة الحركة.
تعليقات