أخذتُ، في مرحلة من حياتي، بصيد السمك، فاتجهت إلى القراءة عنه، من حيث سلوكه، وبيئته، وطرق صيده، وصولاً إلى طهوه، فأنفقت سنوات في زفرته، وأيضاً في روائح بهاراته! فنتج عن ذلك خمسة إصدارات من الكتب المتخصصة! وما زالت بعض طبعاتها متوالية، بل إن أحد هذه الكتب الخمسة أكد لأسرتي وجيراننا، وآخرين، أن السمك ليس مقليّاً فقط، ويمكن إعداد الكثير من الأطباق منه غير «الحرايمي» و«طبيخة البصل»!
أعظم رسامي الطيور
منذ أيام قرأت عن مهندس قرر أن يسمي ابنه «لويس أغاسيز فورتيز» تيمناً بعالم طبيعة سويسري المولد يحمل الاسم نفسه! فشب هذا الطفل مهتماً، بل مأخوذاً بالطبيعة منذ طفولته، حتى إنه أصبح عالماً متميزاً فيها، وفوق ذلك من أعظم رسامي الطيور بعد رسام الطيور «جون جيمس» (1785-1851). ولقد وصل الحال حتى إنه كتب عنه: «ما من فنان أميركي تخصص في رسم الطيور إلا وتأثر برسوم «فورتيز»!». وقد أنجز ثلاثة كتب مصورة عن الطيور رسمها بنفسه، وفوق ذلك تصدرت رسومات طيوره أكثر من 60 كتاباً، منها كتابه الشهير «لويس أغاسيز فورتيز والجمال الفريد للطيور».
قدم الطيور كمخلوقات نابضة بالحياة
وقد قيل عنه: «إنه نجح في تقديم الطيور كمخلوقات نابضة بالحياة، مركزاً على حيويتها وليس شكلها وحده، وما كان ليتحقق له ذلك لولا تركيزه على تفاصيل الحركة وتصويرها!». ومن عجائب اهتمامه بهذه المخلوقات الجميلة أنه كان يتمتع بأذن حساسة وموهبة في العزف والغناء، مما جعله يمتلك قدرة عجيبة على تقليد أصوات الطيور، حتى استخدمها لمناداتها فتأتي إليه! ومن نوادر هذه القدرة أنه سمع في «كولومبيا البريطانية» تغريدة طائر أُخذ بها هو ورفاقه، وقال إنها كنغمة ناي! فقلدها، وما إن فعل ذلك حتى سمع جواب الطائر، الذي كان قد وصل إلى شجرة يقف أسفلها. لقد توفي في حادث شنيع، بعدما ترك عدداً من أرهف الرسومات التي عرفها عالمنا للطيور، خلدته فناناً يعد من أعظم من رسمها.
طيور «الخليش» يصعب رسمها !
ولا أدري كيف تذكرت تفنن جيلنا نحن، جيل الخمسينيات وستينيات القرن الماضي، في تصنيع واستخدام فخاخ الطيور، وطرق شوائها، بعيداً عن أعين كبارنا الفضوليين! وكانت طيور «الخليش» من أسهل ما يمكن اصطياده من طيور بنغازي، ولكننا لم نعرف في طفولتنا كيف نأكله، ولعل عدم المعرفة هذا هو ما فسر لنا أغنية شهيرة عرفناها بعدما كبرنا، وهي التي تقول: «خليش ما ملالي عين... يتناطر كيف برغوث الجذب!». ولا أعتقد أنه بمقدور الفنان «فورتيز» أن يرسم لنا طائر «الخليش» هذا مهما كانت براعته!
تعليقات