فك الارتباط الفرنسي بدول الساحل يزيد الأعباء الأمنية على ليبيا

جندي فرنسي في القوات الفرنسية في مالي. (أرشيفية: الإنترنت)

أعباء أمنية إضافية وثقيلة ستُلقى على عاتق ليبيا مع الانسحاب الفرنسي الوشيك من منطقة الساحل الأفريقي، وهي التي تمثل الشريط الصحراوي الطويل مع ليبيا. ومع رفض دول الساحل سياسة طرد المرتزقة الأجانب في ليبيا؛ فإن الأمر يبدو أصعب على السلطة الانتقالية بما فيها المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية الموقتة.

ويتعين على السلطة الانتقالية فرض السيطرة على الحدود الجنوبية التي ستبقى مكشوفة أمام التنظيمات الإرهابية، حسب مراقبين توقعوا أن تحاول موسكو استغلال الوضع لتعزيز نفوذها، مستفيدة من استمرار انقسام المؤسسة العسكرية.

فرنسا تنسحب من «الساحل»
ويسود اعتقاد لدى دول الجوار الليبي أن إعلان الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إغلاق القواعد العسكرية الفرنسية في أكثر البؤر سخونة أمنيًا في مالي وإنهاء مهمة «برخان» في كامل منطقة الساحل سوف يضعها في ورطة هي في منأى عنها مع تجدد نشاط التنظيمات الإرهابية التي لها امتداد مع جماعة «بوكوحرام» و«داعش» في الصحراء الكبرى وفلول تنظيم «القاعدة».

ومع عدم الاهتمام الكافي من السلطة الانتقالية بما يجري في منطقة الساحل؛ سواء بالتعليق أو التقرير أو ما يتعلق بأمن الحدود، فإن قوات القيادة العامة أعلنت عدة مناطق عمليات عسكرية يحظر فيها تحرك المركبات والأفراد، وذلك ضمن عملياتها للتصدي للجماعات الإرهابية بعد أن أطلقت عملية أمنية داخل نطاق الجنوب الغربي من ليبيا، مستهدفة بسط سيطرتها على نقاط إستراتيجية، في مقدمتها معبر إيسين الحدودي مع الجزائر.

الخوف من تمدد الصين وروسيا
في المقابل، يسود القلق الغربي من منح فرنسا الضوء الأخضر لروسيا والصين للتمدد عسكريًا في منطقة قد تعود مرغمة إلى أحضانهما بحثًا عن تجهيز جيوشها بالأسلحة والمعدات في حرب تلك المنطقة ضد الإرهاب.

ومع استحالة بسط السيطرة على منطقة الساحل ما لم يتم حل الأزمة الليبية وتوحيد جهود مؤسساتها الأمنية لفرض السيطرة على حدودها الجنوبية، دعا قائد الجيش الفرنسي السابق، الجنرال فرانسوا ليكونتير، إلى أن يكون الانسحاب «ذكيًا حتى لا يأتي الروس والصينيون ويحتلوا الفراغ الذي سنتركه». وتدرك دوائر صنع القرار الأجنبية أن خطط الانسحاب تزيد من خطورة تحول الجنوب الليبي، وتحديدًا فزان الغني بالنفط والغاز والذهب واليورانيوم والمياه الجوفية، إلى منطقة ذات نفوذ روسي وتوسيع دائرة نفوذها مع وجود قوات «فاغنر» ووقوفها إلى جانب المتمردين التشاديين في ليبيا، وهو أمر يعكس الإلحاح الأميركي بضرورة إخراج جميع القوات الأجنبية من ليبيا دون تأخير، خاصة أن الشركة الأمنية الروسية لا تجند فقط مقاتلين روسًا ومن أوروبا الشرقية؛ بل من سورية وتشاد والسودان.

ضرورة طرد المرتزقة
القائم بأعمال مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، جوي هود، شدد من جانبه في تصريحات تلفزيونية خلال الأسبوع الجاري، على أن إخراج المرتزقة أصبح أكثر إلحاحًا «فقد رأينا ما حدث مع رئيس تشاد من المتمردين الذين كانوا في جنوب ليبيا؛ لقد صدم هذا الحادث العالم وصدم الليبيين أنفسهم». وفي أبريل الماضي اعترف زعيم المتمردين التشاديين محمد مهدي، الذي قاد هجومًا على شمال تشاد انطلاقًا من الجنوب الليبي لجريدة «ميديا بارت» الفرنسية، أن ميليشياته تلقت تدريبات على يد «مرتزقة فاغنر» في قاعدتي براك الشاطئ وتمنهنت ومناطق أخرى في الجنوب.

ويعارض قادة مجموعة دول الساحل الخمس خطة الأمم المتحدة لطرد القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا، مقدرين عددهم بنحو 30 ألف مقاتل، لكنهم يعتبرون أن الخطة غير واضحة. ودعا بيان للقادة خلال الأسبوع الجاري جميع أطراف النزاع في ليبيا إلى ضمان التنفيذ الكامل لوقف إطلاق النار في 23 أكتوبر 2020، وحث جميع الدول الأعضاء على احترام ودعم هذه العملية، لا سيما من خلال الانسحاب دون تأخير لجميع القوات الأجنبية والمرتزقة من الأراضي الليبية.
وأشاروا إلى اجتماع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن مخاطر انتشار المرتزقة الموجودين في ليبيا على دول المنطقة، وهو الاجتماع الذي عقُد في 27 أبريل 2021، بدعوة من الأعضاء الأفارقة في مجلس الأمن (كينيا والنيجر وتونس).

باريس لا تريد خروجًا كليًا
وفي أعقاب خسارة فرنسا العلاقات الإيجابية مع جمهورية أفريقيا الوسطى التي أصبحت «فاغنر» لها حضور قوي بها عقب إنهاء عمليتها العسكرية (سانغاريس) في 2016، فإن باريس لا تحبذ الخروج نهائيًا تاركة فراغًا وراءها؛ بل تحشد حلفاءها الأوروبيين والأميركيين أكثر لتحمل عبء أكبر معها مع إبقاء لقواعد عسكرية فرنسية في كل من تشاد والنيجر ومالي وبوركينافاسو.فيما يبقى دور الولايات المتحدة التي تمتلك القوة الأجنبية الثانية في المنطقة بنحو 1100 عنصر مقتصر على التدريب وتقديم الدعم اللوجسيتي والاستخباري. 

وفي تصريح أدلى به الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون عقب استقباله رئيس جمهورية النيجر، محمد بازوم، فقد أعلن تبون توافقهما على التعاون الأمني، مشيرا إلى الموافقة على كل المقترحات التي تقدم بها الطرف النيجري، دون أن يعطي مزيد التفاصيل. واعتبر في تصريحات سابقة له أن «قوة مجموعة دول الساحل الخمس (جي5) وقوة (برخان)–الفرنسية هي حلول جزئية». كما رحبت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل برئيس النيجر، قائلة: «نحن نعلم أن التحديات تتزايد يومًا بعد يوم. لذلك يمكنني القول إنه عندما يتعلق الأمر بالأمن الإقليمي، فنريد بطبيعة الحال أن نبقى إلى جانب النيجر إما على المستوى الثنائي، أو فيما يتعلق بقوات الساحل الخمس (النيجر ومالي وموريتانيا وتشاد وبوركينا فاسو)». واللافت أن بازوم حاول استطلاع موقف الجزائر من التدخل العسكري خارج حدودها على خلفية مادة تم تعديلها في الدستور تتيح لها ذلك.

3 دول تتصارع على مالي
أما مالي المجاورة أيضًا فقد تكون لقمة سائغة لروسيا أو الصين وحتى تركيا؛ حيث أطاح انقلاب قاده العقيد عاصيمي كويتا، المحسوب على روسيا، حكم الرئيس الموقت باه نداو، في مايو الماضي. وحذر الرئيس الفرنسي زعماء المنطقة، بأنه «لن يبقى إلى جانب بلد لم تعد فيه شرعية ديمقراطية ولا عملية انتقال سياسي»، في إشارة إلى باماكو، خاصة أن الأعلام الروسية حاضرة في أغلب الأحيان في المظاهرات التي تخرج في شوارع العاصمة المالية مطالبة برحيل القوات الفرنسية.

وعلى الرغم من عدم وجود حدود مباشرة لليبيا مع مالي ودولتي بوركينافاسو وجمهورية أفريقيا الوسطى؛ فإن خطر التهديدات الأمنية العابرة للحدود يبقى قائمًا، فقد أشارت أحدث تقديرات جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني (بي إن دي) إلى الخطر الذي يمثله تنظيما «القاعدة» و«داعش». ولفت إلى الوضع في دول في الشرق الأوسط والأدنى ودول الساحل الأفريقي، والشطر الجنوبي من أفريقيا، وجزء من وسط آسيا. وقال رئيس الجهاز برونو كال في تصريحات إلى جريدة «زود دويتشه تسايتونغ» الألمانية نشرت يوم الإثنين الماضي، إنه يبدو حتى بعد الهجوم الأخير على الجيش الألماني في مالي أن الغرب لا يمكنه الاختفاء من هناك، وطالب بأن تبذل أوروبا ما بوسعها من أجل دعم دول الساحل الأفريقي، وبأن تدرك أن «المسألة تتعلق بإقليم مجاور سيكون للمخاطر الأمنية فيه تأثيرات مباشرة على أوروبا».

وفي سياق تركيزه على تداعيات مقتل زعيم «بوكوحرام»، أبو بكر شيكاو، على تعزيز نفوذ «داعش» في المنطقة وفي غرب أفريقيا تحديدًا، كشف معهد الدراسات الأمنية الجنوب أفريقي في تقرير له، يوم الثلاثاء الماضي، أن مقاتلي «بوكو حرام» السابقين «الذين غادروا إلى ليبيا لأسباب مختلفة عادوا إلى حوض بحيرة تشاد إلى جانب وصول نحو 80 مقاتلًا على دفعتين إلى نيجيريا من ليبيا في أبريل الماضي».

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط