زيارة قيس سعيد إلى ليبيا تذكي «ضجيج الرسائل المشفرة»

محمد المنفي يستقبل الرئيس التونسي قيس سعيد في طرابلس، 17 مارس 2021. (الرئاسة التونسية)

انقضت «الزيارة السياسية» والقصيرة للرئيس التونسي قيس سعيد إلى طرابلس، دون أن تخلو من «الضجيج» في بلاده، امتدادا للخلاف الداخلي بين الرئاسات الثلاث، إذ حملت رسائل رمزية، ومثيرة للجدل بسبب عدم اصطحاب رئيس حكومته وتساؤلا إن كان ملف «إعادة إعمار ليبيا» يعتبر قضية ثانوية لديه؟

وبدأ السجال منذ أخذ ما اعتبر «خطا بروتوكوليا» حيزا كبيرا من الاهتمام لدى مغادرة موكب قيس سعيد مطار تونس قرطاج الدولي متجها إلى ليبيا، بعدما أظهرت صور نشرتها الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية توديعه من والي تونس الشاذلي بوعلاق وشيخة مدينة تونس سعاد عبدالرحيم، بينما بقى رئيس الحكومة هشام المشيشي خلف سعيّد.

وفي هذا السياق نقل موقع إذاعة «موزاييك إف إم» المحلي عن مصادر مسؤولة برئاسة الحكومة قولها إن مكتب الإعلام لدى رئاسة الحكومة سيحتج لدى مكتب الإعلام برئاسة الجمهورية، بسبب هذه الصور، لكن لدى حلول سعيد بتونس عائدا من طرابلس، أطل وهو يتجاذب أطراف الحديث مع المشيشي، خلافا لما وقع في موكب المغادرة.

خلافات بين سعيد والمشيشي
ومعلوم أن المناخ السياسي في تونس تشوبه الكثير من الحساسيات منذ إعلان المشيشي في 16 يناير الماضي تعديلا حكوميا شمل 11 حقيبة وزارية من أصل 25، ليصدق عليها البرلمان الذي يرأسه راشد الغنوشي بعد عشرة أيام، لكن سعيّد رفض توجيه دعوة إلى الوزراء الجدد لأداء اليمين الدّستورية أمامه، بدعوى أن التعديل شابته خروقات.

وتعد هذه أول زيارة رسمية لرئيس تونسي إلى ليبيا منذ العام 2012، حيث أجرى مباحثات مع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة.

وبقدر ما تحمل الزيارة الرمزية في طياتها من رسائل سياسية نظرا لتوقيتها حول «المصير المشترك للبلدين»، والتشديد على دعم تونس لدولة ليبية مدنية ديمقراطية بعيدا عن الانقسامات وسياسة المحاور، يقول مراقبون أيضا إنها موجهة للداخل التونسي وترمي لتأكيد أولويات ملف السياسة الخارجية لدى الرئاسة أكثر من الحكومة، فيما يراها آخرون تحركا نحو انتزاع الملف الليبي من رئيس البرلمان الذي اتهم لسنوات بقيادة «دبلوماسية موازية» احتكرت العلاقات مع طرابلس.

انزعاج «النهضة» من الزيارة
وعكس منشور للقيادي في حركة «النهضة» الإسلامية رفيق عبدالسلام على موقع «فيسبوك» انزعاج الحزب من تلك الزيارة، حيث قال إنّ «الرئيس التونسي امتنع سابقا عن إدانة الهجوم على طرابلس، بينما يبحث اليوم، التعاون مع أطراف سياسية رفض مناصرتها في السابق»، على حد قوله.

وتابع عبدالسلام أن رئيس تركيا رجب طيب إردوغان طلب من قيس سعيّد خلال الزيارة التي قام بها في وقت سابق، إلى تونس، يوم 25 ديسمبر 2019، التعاون في حماية العاصمة الليبية طرابلس من «عدوان عسكري مدعوم من محور إقليمي شرس»، لكن قيس سعيّد «امتنع عن ذلك».

كما تأسف القيادي السابق في حزب الحراك زهير إسماعيل أن «يصرّح أكثر من مسؤول وجهة أكاديمية وإعلامية في ليبيا بأنّها تقف على نفس المسافة من مكونات المشهد السياسي التونسي، وذلك على هامش زيارة رئيس الجمهورية إلى ليبيا، وفي ذلك إشارة بليغة إلى مهزلة الانقسام السياسي في أعلى مؤسسات الدولة في تونس» وفق قوله.

في حين، دعا الباحث والناشط السياسي التونسي سامي براهم قيس سعيد أن يكون «رمزا لوحدة الدّولة والتّونسيين بعد زيارته لليبيا، ومشاهدته بنفسه كيف التقى الإخوة الأعداء من جديد بعد أن سالت بينهم الدّماء»، متمنيا أن يعود إلى البلاد بروح جديدة يجمع بها شمل التّونسيين ويوحّد مؤسّسات الدّولة التي انفصمت عراها وأصبحت جزرا متفرّقة.

جدل حول الوفد التونسي
ورافق قيس سعيد وزير الخارجية عثمان الجرندي وبعض المستشارين، فيما طالبت الأوساط الاقتصادية التونسية منذ فترة طويلة بإحياء التجارة المتأثرة بالمناكفات السياسية والأزمة الليبية.

وأثار «تشكيل الوفد» المرافق لسعيد جدلا هو الآخر نظرا لارتباط أي اتفاقات بقرارات ناتجة عن رئاسة الحكومة، لما لرئيس الوزراء من صلاحيات كبيرة كون طبيعة النظام التونسي برلمانية.

ورغم عدم تقليل الناشط والمحلل السياسي التونسي فيصل المباركي من أهمية الزيارة، فإنه كان يتطلع إلى أن «تكون بتنسيق محكم خاصة مع الحكومة، وحيث يكون الرئيس مصحوبا بوفد رسمي عالي التمثيل، وبمشاركة وزراء المالية والاقتصاد والتجارة والتعاون الدولي».

حديث قيس سعيد خلال الزيارة
وقال قيس سعيد حول زيارته إلى ليبيا، خلال مؤتمر صحفي مع المنفي، إنها أعدت منذ مدة طويلة، مكملا: «بقينا نترقب إلى أن يتم انتخاب الحكومة الجديدة، إن شاء الله تكون حكومة مباركة لا على الشعب الليبي فقط بل على المنطقة كلها».

ولفت إلى أن الطرفين ناقشا جملة من القضايا التي تهم البلدين، والتي تتعلق بالاقتصاد والتعليم والصحة، وتسهيل حركة مرور السلع عبر المعابر.

وأعلن سعيد أن لجنة تحضيرية ستجتمع خلال الأسابيع المقبلة للإعداد لعقد اللجنة العليا المشتركة التونسية الليبية للنظر في جملة من النقاط الفنية، مضيفا أن العلاقات الثنائية بين البلدين عرفت في بعض الأحيان جفاء، وحان الوقت لتجاوز كل أسبابه.

وكانت الأوساط الاقتصادية التونسية من رجال أعمال ورؤساء شركات ومجلس الأعمال التونسي الأفريقي تتطلع إلى أن تكون ضمن الوفد المرافق خاصة عندما تكون الزيارة في بلد يحضر نفسه لإعادة إعمار سياسي واقتصادي.

وتلقى المجلس دعوات بشكل متأخر وهو ما حرمهم من المشاركة في اللقاءات مع الجانب الليبي وفوزهم بالتوقيع على مشاريع أو حتى مذكرات تفاهم لمشاريع اقتصادية وتجارية مشتركة أو للتسريع في تفعيل العقود المعلقة منذ العام 2010.

إشادة بـ«رمزية» الزيارة
ومع ذلك أشاد رئيس مجلس الأعمال التونسي الليبي أنيس الجزيري برمزية الزيارة السياسية، معربا عن فخره بتسلم رئاسة الجمهورية مخرجات الدورة الثالثة للمنتدى الاقتصادي التونسي الليبي المنعقد الأسبوع الماضي، وتضمينها في عدد من النقاط التي وقع طرحها بطرابلس.

وحسب بيان مشترك صادر عن الرئاسة التونسية والمجلس الرئاسي الليبي، فقد مثلت الاستحقاقات المقبلة لكلا البلدين خصوصا على المستوى التنموي والاقتصادي أبرز محاور المباحثات، حيث «اتفق على أهمية التسريع بعقد اجتماعات اللجنة العليا المشتركة لتعزيز آليات وأطر التعاون الثنائي في مختلف المجالات، إذ من المزمع عقد الاجتماع القادم للجنة في العاصمة الليبية طرابلس».

وأكد الجانبان «ضرورة العمل على تسهيل إجراءات العبور والتنقل للمواطنين وانسياب السلع والبضائع وتشجيع الاستثمار وتكثيف نسق التبادل التجاري بين البلدين والعمل على تذليل الصعوبات في هذا الشأن»، بالإضافة إلى أهمية استئناف شركات الطيران التونسية لرحلاتها في اتجاه ليبيا.

ويعتبر تشكيل حكومة ليبية جديدة ضمانا للاستقرار لتونس التي لها 500 كيلومتر من الحدود مع جارتها، حيث لدى البلدين عدة مواضيع للمناقشة، فإلي جانب مصير المسلحين التونسيين الذين ما زالوا على الأراضي الليبية، يعد استئناف التجارة موضوعا محوريا فقد أدى الإغلاق المتكرر للحدود بسبب الصراع وأخيرًا ضمن إجراءات الوقاية من جائحة فيروس «كورونا المستجد»، إلى تقويض نشاط الاقتصاد غير الرسمي الذي يغذي النسيج الاقتصادي التونسي.

ووفقًا لجنة «إسكوا» الأممية فقد كلفت الأزمة الليبية تونس 24% من نموها الاقتصادي بين العامين 2011 و2015.

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط