جريدة «الوسط»: السلطة الجديدة في مهب تقرير «الرشى»

المشاركون في ملتقى الحوار الليبي بتونس، 12 نوفمبر 2020، (البعثة الأممية)

فيما كان الجدال يدور بين البرلمانيين حول موعد ومكان انعقاد جلسة «منح الثقة» لحكومة الوحدة الوطنية، فاجأ تسريب لتقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة حول مزاعم رشى تتهم شخصيات بملتقى الحوار السياسي الجميع، حين أوحى السياق الذي بثته وكالة الصحافة الفرنسية بورود أسماء شخصيات بعينها في السلطة التنفيذية الجديدة ضمن التقرير الأممي، ما أربك المشهد السياسي الليبي، حيث قفز كثيرون إلى التشكيك في شرعية السلطة الجديدة وتأجيل جلسة منح الثقة إلى ما بعد صدور التقرير رسمياً، فيما يلح الرعاة الدوليون على المضي قدماً في العملية السياسية القائمة، والإسراع بتشكيل الحكومة الجديدة.

وأضافت قضية الرشى عاملاً آخر يهدد بتأخير اعتماد الحكومة الموقتة وتعطيل إجراءات منحها الثقة من قبل مجلس النواب، ما يذكر بالمناخ الذي ولدت فيه حكومة الوفاق الوطني عقب اتفاق الصخيرات، لكن البعثة الأممية في ليبيا دعت إلى انعقاد جلسة منح الثقة في موعدها يوم 8 مارس مرحبة بالاستعدادات اللوجستية والأمنية لعقد الجلسة في مدينة سرت.

ردود فعل الطبقة السياسية على مزاعم الرشى
جاء تجاوب الطبقة السياسية مع المسرب من تقرير الخبراء ليظهر مقدار حساسية العملية السياسية، حيث رجح رئيس مجلس النواب عقيلة صالح في حديث صحفي مع جريدة «تايمز» البريطانية يوم الثلاثاء، إمكانية تأجيل الجلسة المقررة يوم الثامن من الشهر الجاري لمنح الثقة للحكومة «إلى حين نشر التقرير»، مضيفا: «إذا ثبت تلقي رشى، فيجب استبعاد من ارتكب هذه الجريمة»، وانضم إلى هذا الرأي 29 نائباً طالبوا الأمم المتحدة بنسخة من التقرير قبل عقد الجلسة.

اضغط هنا للاطلاع على العدد 276 من جريدة «الوسط»

وفي وقت وصف فيه مكتب رئيس حكومة الوحدة الوطنية الأمر بمحاولات تقويض عملية تشكيل الجهاز التنفيذي، طالب مع المجلس الرئاسي الجديد لجنة خبراء الأمم المتحدة بسرعة الكشف عن نتائج التحقيق، أما البعثة الأممية فردت بأن عملها منفصل عن لجنة الخبراء التي تتبع لجنة العقوبات بمجلس الأمن، ولا يمكنها التعليق، مشددة على توجيه أية استفسارات في هذا الصدد إلى لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن. وشددت على ضرورة المضي نحو عقد جلسة مجلس النواب كما هو مقرر لمناقشة التصويت على منح الثقة.

ويرغب قطاع كبير من الليبيين عبر مواقع التواصل الاجتماعي بالتعجيل في نشر التقرير كاملاً لتوضيح الحقيقة، كي لا تستغل التسريبات للابتزاز بهدف الحصول على حقائب وزارية أو فرض أسماء معينة، خصوصاً أن الغموض يكتنف أسباب تعثر إعلان الدبيبة عن أسماء حكومته.

مخاوف من خلق مزاعم الرشى مزيد المخاطر
ويحذر المبعوث الأميركي السابق إلى ليبيا (2013 و2016) جوناثان وينر، في تحليل له، من خلق مزاعم الرشوة المتداولة المزيد من المخاطر على المرحلة الانتقالية في ليبيا، حتى مع فشل دبيبة في الوفاء بالموعد النهائي المحدد لتقديم حكومته إلى البرلمان للموافقة عليها.

ولا يستبعد وينر أن تتسبب مزاعم الرشوة والطموحات غير المحققة والمستمرة لعدد من الفاعلين السياسيين والعسكريين الرئيسيين في انتقال عسير خلال الأسابيع القليلة المقبلة. ومع ذلك، يظل الحفاظ على الزخم للانتخابات الوطنية في 24 ديسمبر 2021 ضرورياً لتأمين الشرعية لما بعد المدى القصير لأي حكومة ليبية.

وفي الأثناء يحتدم النقاش حول الالتزام بفرص إجراء الانتخابات بحلول نهاية السنة وسط توقعات بتأخيرها لأشهر أخرى بناء على تصريحات رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات عماد السايح، الذي قال إنه في حال تمرير الدستور ستكون الانتخابات نهاية 2022 وليس 2021 لأسباب تقنية، موازاة مع اقتراح وفد الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور على المبعوث الأممي الجديد يان كوبيش عقد الاستفتاء على مشروع الدستور يوم 24 ديسمبر وإجراء الانتخابات بعدها.

اضغط هنا للاطلاع على العدد 276 من جريدة «الوسط»

ولم يتوقف الإعلان عن الدعم الدولي للسلطة التنفيذية الجديدة ولمخرجات حوار جنيف بهدف الوصول إلى الاستحقاقات القادمة، وكان آخره تلقي رئيس المجلس الرئاسي المنتخب محمد المنفي يوم الثلاثاء اتصالاً هاتفياً من السفير البريطاني لدى ليبيا نيكولاس هوبتون، أكد فيه التزام بلاده بتقديم الدعم الكامل من أجل الوصول للانتخابات، جاء ذلك بعد اتصال هاتفي آخر جرى بين مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان، والمستشار الدبلوماسي لرئيس الوزراء الإيطالي لويغي ماتيولو، اتفقا فيه على التعاون في مجموعة من القضايا بما في ذلك ليبيا وشرق البحر الأبيض المتوسط.

كوبيش يحشد الدعم الإقليمي والدولي لمخرجات الحوار الليبي
في الأثناء يواصل المبعوث الأممي الجديد، كوبيش، مساعيه لحشد الدعم الإقليمي والدولي لمخرجات الحوار الليبي ضمن مساراته الثلاثة السياسية والأمنية والعسكرية، بغية الإسراع في وتيرة تنفيذ خارطة الطريق التي أقرها ملتقى الحوار السياسي الليبي في تونس، واتفاق وقف إطلاق النار، وزار كوبيش إيطاليا وتركيا، فيما أجرى مشاورات مع عدد من الشركاء الإقليميين والدوليين، من بينهم دبلوماسيون من دول اليونان والمغرب ومصر وروسيا وفرنسا والإمارات وحلف الأطلسي.

وفي توجه نحو حلحلة المسائل الخلافية على المستوى الدولي ذات العلاقة بالملف الليبي، تحادث الرئيسان الفرنسي والتركي إيمانويل ماكرون ورجب إردوغان عبر الفيديو في أول محادثات من نوعها منذ سبتمبر الماضي، وأكد مصدر في الإليزيه لوسائل إعلام فرنسية أن «النقاش كان صريحاً إلى حد ما مع الخلافات حول بعض النقاط والتقدم في الموضوع الأمني، خصوصاً في مكافحة الإرهاب». وطالب ماكرون مرة أخرى بـ«توضيح» دور أنقرة في ليبيا وشرق المتوسط.

تبقى الإشارة إلى أن تسريبات تقرير خبراء الأمم المتحدة وما رافقه من جدل التباسات ومحاولات توظيفها من قبل بعض الأطراف كل لمصلحة أجندته، أثارت عديد الأسئلة المهمة حول مستقبل العملية السياسية بما فيها مخرجات جنيف، وعلى رأس الأسئلة، ماذا لو أظهر تقرير خبراء الأمم المتحدة تورطاً لأسماء موجودة ضمن السلطة التنفيذية الجديدة في قضية الرشى؟ وهل سيؤدي ذلك إلى نسف ما أنجز ومن ثم العودة إلى المربع الأول؟ وهل يمكن للهيئة الأممية أن تضحي بكل الجهود التي أوصلت إلى المخرجات الحالية، بسبب تقرير خبرائها، أم ستتوافر قريباً مخارج سياسية لهذا الجدل؟ كل هذا جدد مخاوف الليبيين من أن يتسبب ذلك في موجة إحباط في الشارع الليبي، الذي عاش أجواء من الأمل بانفراج الأزمة بعد التوصل إلى اختيار السلطة التنفيذية الجديدة، وكان يأمل أن يكون ذلك مؤشراً على قرب نهاية معاناته وأزماته المعيشية، من مشاكل نقص السيولة النقدية وانقطاع التيار الكهربائي، في حين يعاني الموظفون الآن من تأخر حكومة الوفاق في صرف رواتب 1.85 مليون موظف حكومي للشهرين السابقين، حيث أرجعت مالية «الوفاق» سبب التأخير لرفض مصرف ليبيا المركزي تمويل حسابات الخزانة بالاقتراض إلى حين اعتماد موازنة 2021، بعد منح الثقة للحكومة الجديدة.