جريدة «الوسط»: حديث «الرشاوى» يطغى على وثائق ملتقى تونس

المشاركون في ملتقى الحوار الليبي بتونس، 12 نوفمبر 2020، (البعثة الأممية)

كما كان متوقعاً عندما يقترب الجميع من منطقة الترشيحات لمناصب الجهاز التنفيذي الجديد، كثر الجدل داخل القاعة، واشتعلت «الكواليس» خارجها وبدأ الترويج كل لمرشحه، واستخدمت خلاله كل الطرق المعروفة في هذا السياق، حتى وصل الأمر إلى الحديث عن رشاوى بلغت أرقاماً غير متوقعة، وفق ما تسرب حتى الآن، وقد طغى هذا الحديث على صدى إنجاز الوثائق المهمة التي توصل إليها الملتقى، وأصبح ملف الترشيحات هو الوحيد الذي أُفشل وجرى تأجيله، من أصل أربعة ملفات توافق عليها المشاركون في ملتقى تونس، وكان ذلك سبباً في تحديد جولة ثانية من الحوار السياسي، ولكن هذه المرة عن بعد، عبر «الإنترنت».

ويبدو أن راعية الملتقى، ستيفاني وليامز حاولت تعويض هذا التعثر، عن طريق تفعيل المسار الاقتصادي بالاستفادة من نجاحات الاتفاق العسكري المتمثل في تشكيل وحدة حماية مشتركة للمنشآت النفطية، موازاة مع توجه نحو حسم مسألة تعيين مبعوث أممي جديد إلى ليبيا بعد تنازلات من الأفارقة.

ويظهر أن البعثة الأممية خلال الجولة الثانية من ملتقى الحوار السياسي الشامل، الأسبوع المقبل، سوف تتخلى عن استبعاد الوجوه القديمة لـ12 شهراً إلى غاية تنظيم الانتخابات، على خلفية تشبث المسؤولين السابقين بالترشح لمناصب السلطة التنفيذية، رغم تلويح المبعوثة بالإنابة ستيفاني وليامز إلى تسليط عقوبات على المعرقلين للمسار، وخاطبتهم بضرورة «التفاعل مع التغيير وإلا سيختفون كما انقرضت الديناصورات». ومع ذلك فإن التوصل إلى الاتفاق على تحديد موعد الانتخابات في 24 ديسمبر 2021، وإلى وثيقة الاختصاصات ومعايير الترشح، أعتبر اختراقاً مهماً في المسار السياسي لتسوية الأزمة . وساد للمرة الأولى في مسارات الحوار حديث قوي عن وجود رشاوى مالية وتهديدات أمنية تعرَّض لها بعض الأعضاء المشاركين في الحوار لدى التصويت على اختيار شاغلي المناصب، لفتت خلاله وليامز إلى إجرائها تحقيقاً دقيقاً في ذلك بالخصوص.

اضغط هنا للاطلاع على العدد 261 من جريدة «الوسط»

ويرى متابعون للشأن الليبي أن المعايير الخاصة باختيار رئيس المجلس الرئاسي كانت أبرز أسباب تعثر التوصل إلى نتائج حول شخصية ليبية يقتضي منها أن يشكل حولها قدر من الاجماع في الشرق والغرب لقيادة المرحلة المقبلة، وأن تكون قادرة على التصدي للنفوذ الأجنبي، لا سيما أن من بين مهام من يتقلد المنصب رئاسة القوات المسلحة وتولي السياسة الخارجية، في حين اختيار اسم رئيس الحكومة قد يكون أسهل لأنها ستكون حكومة تكنوقراط تقدم خدمات، وتعد للانتخابات المرتقبة.

وبينما توالت بيانات الترحيب الأميركي والألماني والإيطالي بنتائج الحوار أكدت حكومة الوفاق الوطني أن رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج سيستقيل بعد تشكيل سلطة تنفيذية جديدة، في وقت بدأ التمهيد للانتخابات المرتقبة أواخر العام المقبل.

وفي ظل إدراك الأمم المتحدة أن الوضع في ليبيا معقد، وأن «عشر سنوات من الصراع لا يمكن حلها في أسبوع واحد» وفق تعبير وليامز، حاولت تدارك إخفاقها النسبي في المسار السياسي بالسفر على وجه السرعة للقاء مسؤولي النفط وحرس المنشآت النفطية في البريقة استثماراً لنجاحات الاتفاق العسكري لتفعيل المسار الاقتصادي بعدما كلل اجتماعها باتفاق على تشكيل وحدة حماية مشتركة للمنشآت النفطية، وهي خطوة يمكن أن تساعد في الحفاظ على زيادة معدل إنتاج النفط في البلاد.

ويرتبط المسار الاقتصادي بملف الطاقة وهو يتصل أيضاً بالمسار العسكري الذي حدد لجاناً فرعية تشرف على سحب المرتزقة المتواجدين في نطاق مناطق النفط وفتح الطريق الساحلي، فيما تعقد اجتماعات أخرى خلال أسبوعين للتشاور حول هذا الملف.

وبالنسبة لقوات حكومة الوفاق الوطني فإن فتح الطريق الرابط بين مدينتي سرت ومصراتة يتوقف على سحب المرتزقة، ونزع الألغام من سرت وفق تصريح آمر غرفة عمليات تحرير سرت الجفرة–إبراهيم بيت المال- الذي قال إن قواته لن تفتح الطريق ما لم يتم سحب المرتزقة التابعين لشركة «فاغنر» الروسية، ومرتزقة الجنجويد السودانيين، وإزالة الألغام.

اضغط هنا للاطلاع على العدد 261 من جريدة «الوسط»

وقبل أيام، توصلت اللجنة العسكرية المشتركة بين حكومة الوفاق وقوات القيادة العامة خلال اجتماع في سرت إلى اتفاق يقضي بفتح الطرق والممرات بين شرق ليبيا وغربها.

وطلب رئيس المؤسسة الروسية لحماية القيم الوطنية، ألكسندر مالكيفيتش، من ستيفاني وليامز المساعدة في إطلاق سراح مواطنين روسيين، وأرسل رسالة مفتوحة إلى فائز السراج وفتحي باشاغا.

كما يذكر الروس في الرسالة التي نشرها موقع «يورو بورتر» الأوروبي، الأربعاء، فإن وزارة الخارجية الروسية «لها الحق في استخدام نفوذها، بما في ذلك حق النقض ضد قرارات مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا، لإنقاذ المواطنين الروس». كما ترى وزارة الخارجية الروسية أن الإفراج عنهم هو الشرط الأساسي لاستعادة التعاون مع حكومة الوفاق الوطني، ما يشكل تسوية هذا الملف عنصراً مهماً في مسألة التعامل مع مطلب سحب المرتزقة، المعني هنا هو «فاغنر».

اضغط هنا للاطلاع على العدد 261 من جريدة «الوسط»

وبالموازاة عاد الحديث مجدداً على تعيين المبعوث الأممي الحالي للشرق الأوسط، البلغاري نيكولاي ملادينوف، المدعوم من أميركا كوسيط جديد للأمم المتحدة في ليبيا بعد تخلي أفريقيا عن المنصب وبعد أكثر من ثمانية أشهر من الانقسامات في مجلس الأمن.
وقال دبلوماسي لوكالة «فرانس برس»، الأربعاء، طلب عدم كشف هويته: «إن أفريقيا لم تعد تعطل هذا التعيين». في حين توقع دبلوماسي آخر أن يعين ملادينوف رسمياً في المنصب كجزء من «حزمة» تعيينات بعضها يتولاها أفارقة.

مشوار الحوار والتفاوض وإن أنجز ما أنجزه في تونس، مازال طويلاً، وفق المعطيات القائمة على الأرض وهي نتاج 10 سنوات من الخلاف والتصادم الذي بلغ حد الحرب أكثر من مرة، ويبرز السؤال هنا: هل تستطيع ستيفاني وليامز قيادة الحوار، لتحقق عن بعد، ما تعذر تحقيقه عن قرب.

المزيد من بوابة الوسط