جريدة الوسط: دخول «إس 400» حلبة الصراع

منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس 400»، (أرشيفية: الإنترنت)

بين لغة التهديد بالتصعيد العسكري، ولغة الانحياز إلى المسار السياسي للأزمة الليبية، تبدو طبول الحرب أحيانا‎ وكأنها بدأت تقرع، خصوصا بعدما أعلنت تركيا أنها ستنظم مناورات بحرية وجوية واسعة قبالة السواحل الليبية، دون أن تحدد موعدا لها. أعقب ذلك بدء الجيش المصري مناورات «حسم 2020»، التي بدأت كتدريبات برية، ثم توسعت لتشمل استخدام حاملة طائرات وغواصات.

وهو ما حدا بمحللين للتحذير من إمكانية وقوع مواجهة مباشرة، حيث حضر هذا الاحتمال في تصريحات وزير الخارجية التركي تشاووش أوغلو خلال مقابلة مع جريدة «فاينانشيال تايمز» البريطانية، يوم الإثنين، حين قال إن تصعيد التوتر قد يؤدي إلى نشوب صراع مباشر بين القوات الأجنبية الداعمة لمختلف الأطراف في لبيبا. وما يدعو للقلق رفض تشاووش أوغلو في المقابل الدعوات إلى وقف لإطلاق النار، معتبرا‎ أن حكومة الوفاق لن تستفيد في حال إعلان وقف إطلاق النار الآن على امتداد خطوط القتال الحالية، قائلا إنه لا بد لها من السيطرة على مدينة سرت وقاعدة الجفرة الجوية. وكان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، اعتبر أن الخط الممتد من سرت على الساحل شمالا، وصولا إلى الجفرة جنوبا، هو خط أحمر وأن القاهرة لن تسمح بتجاوز هذا الخط.

ياتي ذلك في وقت قال رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح في بيان من طبرق، «إن للقوات المسلحة المصرية أن تتدخل لحماية أمننا القومي المشترك، إذا رأت أن هناك خطرا وشيكا يطالنا، والعمل على تحقيق الاستقرار في بلادنا والمنطقة». التمسك التركي جاء ردا على «اليد الممدودة» لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي قال خلال لقاء عبر الفيديو مع وزراء خارجية الترويكا التابعة للاتحاد الأفريقي، إن الجيش الوطني الليبي بزعامة المشير خليفة حفتر، «مستعد لتوقيع وثيقة تقضي بوقف إطلاق النار، بينما تبقى حكومة الوفاق مطالبة بإبداء استعدادها على التوقيع هي الأخرى»، مطالبا أنقرة بانتزاع الموافقة على الهدنة من حليفتها.

اضغط هنا للاطلاع على العدد 243 من جريدة «الوسط»

في موازاة ذلك، أجرى رئيس الأركان الروسي فاليري غيراسيموف، محادثات هاتفية مع نظيره التركي يشار غولر. ونقل عن بيان لوزارة الدفاع الروسية أن الطرفين بحثا «الوضع الحالي في ليبيا، والمسائل المتعلقة بالتعاون بين المؤسسات العسكرية في البلدين».

وإزاء ذلك نشرت وسائل إعلام قريبة من الحكومة التركية، معلومات عن احتمال نشر منظومة صواريخ «إس 400» الروسية في ليبيا لتجنب عقوبات أميركية منتظرة، وللحفاظ في الوقت ذاته على علاقات جيدة مع روسيا، التي حصلت عليها أنقرة في يوليو ‎ 2019.

وأشارت جريدة «صباح» التركية أن أحد أكثر السيناريوهات ملاءمة، الذي يمكن أن يتفق عليه الأطراف الثلاثة، هو نشر منظومة «إس 400» في ليبيا، بموجب مذكرة التفاهم للتعاون العسكري والأمني، الموقعة بين أنقرة وحكومة الوفاق في نوفمبر ‎2019، بعد التشاور مع موسكو وواشنطن.

لكن هل ستقبل روسيا وأميركا بهذا الأمر، حيث يجيب الباحث في الشؤون الروسية - التركية، باسل الحاج جاسم، معلقا في تصريحات لـ«الوسط» بأن الإجابة تكمن لدى كل من الأطراف الأربعة «ليبيا و‎روسيا وأميركا وتركيا«» تجاه ليبيا، معتبراً أن «سيناريو نشر إس 400 قد يكون مناسبا لأنقرة و‎واشنطن معا،‎ من أجل التخلص من الصداع الذي سببه في علاقات البلدين، أما بالنسبة لروسيا فإن نشر «إس 400» في ليبيا سيعني عدم خسارتها سوقا‎ أخرى لسلاحها في شمال أفريقيا، بعد ما تعرضت له من ضربة أو ما تعتبره خداعا‎ من الغرب خلال إطاحة نظام معمر القذافي، وسيكون هذا في إطار تعزيز الاتفاقات الأمنية و‎العسكرية بين أنقرة و‎طرابلس. هذا السيناريو أثار حفيظة الناطق باسم الجيش الوطني الليبي اللواء أحمد المسماري، الذي علق على تلميحات نشر منظومة صواريخ «إس 400» قائلا إن تركيا «لا تستطيع نقل هذه الصواريخ إلى ليبيا، باعتبارها مرتبطة بروسيا من الناحية الفنية، ولديها سلطة القرار على استخدامها خارج أراضيها».

اضغط هنا للاطلاع على العدد 243 من جريدة «الوسط»

وترغب واشنطن في شراء المنظومة من أنقرة، لكن موسكو ردت بأنه لا يمكن لتركيا إعادة تصدير المنظومة دون إذنها، بعدما اشترتها لمواجهة معضلة عدم امتلاكها منظومة دفاعية متقدمة، حيث رفض الناتو مرارا‎ بيع أنقرة منظومة «باتريوت» الدفاعية المتطورة.

وحذر المسماري في مداخلة تلفزيونية من أنه «إذا كان لدى تركيا نوايا لنقل تلك الصواريخ المتطورة جدا إلى ليبيا، فمعنى ذلك أنها تود استخدامها كنقطة ارتكاز أو انتقال في أعمال عسكرية ضد دول أخرى أو لفرض السيطرة على البحر المتوسط وشمال أفريقيا بالكامل».

وأضاف: «هذا أمر خطير جداً، والمجتمع الدولي الآن أمام جريمة أخرى، لذا يجب منع مجرد التفكير بوصول إس 400 إلى ليبيا».

وتسعى تركيا لتأمين مزيد المنظومات الدفاعية من أوكرانيا لتعزيز انتشارها في ليبيا، خصوصا‎ تأمين المناطق التي أعادت قوات حكومة الوفاق السيطرة عليها وحماية أماكن الوجود التركي، وفي سياق الاستعدادات لمعركة سرت الجفرة حيث حل وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، هذا الأسبوع في زيارة رسمية إلى أوكرانيا لم يعلن عنها مسبقا، لكنها تأتي بالتزامن مع التطورات العسكرية المتسارعة في ليبيا والتقديرات عن حصول تركيا على منظومات دفاعية من أوكرانيا.

وبدا الاتحاد الأوروبي أكثر حزما‎ في اجتماع له مع وزراء خارجية دول الاتحاد حيال تركيا، حين أعلن تجهيز سلسلة تدابير عقابية جديدة للرد على تجاوزات تركيا في شرق المتوسط وليبيا، في حال لم تبدِ ردود فعل إيجابية مطمئنة للدول الأوروبية.

وذكر الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، جوزيف بوريل، أن وزراء الخارجية اتفقوا على أن العلاقات مع تركيا مرت بفترة صعبة، وأن مصالح الاتحاد تعارضت مع تركيا في شرق «المتوسط» والتطورات في ليبيا، لافتا‎ إلى أن الجميع اتفق على ضرورة البحث عن سبل لتخفيف التوتر من خلال المفاوضات والحوار.

وأكد وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، من جهته في بيان أن «وجهات النظر متطابقة بشكل كبير بشأن تلقي إيضاحات من أنقرة، متعلقة باحترام سيادة الدول الأوروبية، والالتزامات المتخذة في مؤتمر برلين حول ليبيا، لا سيما في ما يتعلق بحظر الأسلحة».

واتهمت وزارة الخارجية التركية الاتحاد الأوروبي بـ«ازدواجية المعايير» تجاه ليبيا، وذلك ردا‎ على تصريحات بوريل، وقال الناطق باسم الوزارة حامي أكسوي، في بيان: «إذا كان الاتحاد الأوروبي يرغب في المساهمة في التسوية السلمية للأزمة الليبية، فعليه أن يتخلى عن ازدواجية المعايير المتعلقة بعملية (إيريني)».

في هذه الأجواء تتأرجح توقعات الليبيين ومتابعي الشأن الليبي، بين الأمل بتغليب الحل السياسي المجمع عليه في كل تصريحات ممثلي المجتمع الدولي، والتخوف من انسداد مسار الحل السياسي، ليجد الجميع أنفسهم أمام بوادر حرب قد يعرفون من أين تبدأ، لكن لا أحد يعرف كيف وأين ستنتهي.

المزيد من بوابة الوسط