«إيريني» في ليبيا.. مهمة أوروبية جديدة رغم «جائحة كورونا»

سفينة بحرية تابعة للعملية صوفيا. (بوابة الوسط)

وسط انشغال أوروبي بجائحة «كورونا» التي وضعت العالم والقارة العجوز رهينة «مهمة إنقاذ كبرى»، قفزت ليبيا إلى مقدمة الأجندة الأوروبية على نحو مفاجئ، عبر إعلان إطلاق مهمة عسكرية بحرية بهدف مراقبة تنفيذ قرار الأمم المتحدة حظر توريد السلاح لليبيا أمس الثلاثاء، وذلك بعد أشهر من الجدل بين الدول الأعضاء في الاتحاد، وتحفظات روسية على تلك العملية التي أتت كبديل لسابقتها «صوفيا»، فيما استقبلتها أطراف النزاع في الداخل الليبي بتباين في المواقف، ما بين تحفظ واستياء من جانب حكومة الوفاق في مقابل ترحيب قوات الجيش التابعة للقيادة العامة.

المهمة الأوروبية الجديدة، التي تحمل اسم «إيريني»، وتعني «سلام» باليونانية، كانت من بين تعهدات مؤتمر برلين حول الأزمة الليبية في يناير الماضي، بإنشاء قوة بحرية لمراقبة حظر توريد السلاح لليبيا، لكن الخلافات بين الدول الأعضاء للاتحاد عرقلت التوصل إلى اتفاق لإنشاء البعثة بديلًا لعملية «صوفيا»، التي كان أنيط بها، من بين مهام أخرى، مراقبة تنفيذ القرار الأممي. لكنها توقفت قبل عام وسط انقسامات عميقة بين الدول الأعضاء بشأن عمليات إنقاذ المهاجرين.

انفراجة في المفاوضات

في السادس والعشرين من مارس، سجلت المفاوضات الأوروبية انفراجة على هذا الصعيد، مع توصل سفراء دول الاتحاد الأوروبي إلى حل وسط لإطلاق عملية جديدة تتألف من عناصر جوية بحرية، للسيطرة على حظر الأسلحة، وعلى غرار سابقتها «صوفيا» سوف يكون مقر قيادة المهمة الجديدة في روما، وسيتولى قيادتها الأدميرال فابيو أجوستيني، وتمتد فترة التفويض الأولية للمهمة لسنة واحدة ، ولا يزال العمل جاريًا لتحديد مساهمات الدول وقواعد الاشتباك والنظام التشغيلي للعملية.

ومن المنتظر، وحسب بيان الاتحاد الأوروبي، أن تستعين العملية «إيريني» بالوسائل الجوية والأقمار الصناعية، إضافة إلى تفتيش السفن في أعالي البحار قبالة السواحل الليبية، وستتولى العملية الأوروبية مهاما إضافية مثل رصد وجمع المعلومات حول الصادرات غير الشرعية للنفط ومنتجاته المكررة من ليبيا، إضافة إلى تدريب خفر السواحل وحرس الحدود في ليبيا، وكذلك محاربة تهريب البشر.لكنها لا تضطلع بأي مهمة بحث أو إنقاذ مهاجرين غير شرعيين في المتوسط، وفي حال إنزال أي شخص يجري إنزاله في الموانئ اليونانية، ومن هناك سيتم إرساله إلى دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، وفقًا لدبلوماسيي التكتل. وإذا أدت العملية في نهاية المطاف إلى تشجيع عبور المهاجرين، يمكن اتخاذ القرار بتعليق دورياتها البحرية.

سقف آمال محدود
ولم يرفع رئيس الدبلوماسية الأوروبية جوزيف بوريل سقف الآمال بشأن مساهمة «إيريني» في حل الأزمة الليبية، رغم تأكيده أنها تمتلك إمكانية بحرية وجوية، كما تتمتع بقدرات على استخدام معطيات الأقمار الصناعية لمراقبة حركة التهريب على طول الساحل الليبي، إذ يقول بوريل، إن المهمة الأوروبية الجديدة «ليست حلًا سحريًّا للأزمة الليبية»، وعلى سبيل المثال فقد أشار إلى أن «العملية لا تمتلك قدرات برية لمراقبة الوضع على الحدود المصرية - الليبية»، على حد وصفه، بيد أنه أعرب عن أمله في أن «تسهم العملية لفتح المجال أمام خطوات أخرى»، لكنه لم يفصح عن طبيعة تلك الخطوات الأخرى التي يلقي عليها الاتحاد الأوروبي آمالًا.

وفي مقابل تهدئة مخاوف بعض الدول الأوروبية التي عبرت عنها النمسا والمجر بشكل خاص، التي أدت إلى التوصل لهذا الاتفاق، إلا أن أطرافًا دولية تبدي مخاوف من هذه العملية وعلى رأسها روسيا، التي استبقت الإعلان الأوروبي عن إطلاق «إيريني» بالمطالبة بتفويض جديد من الأمم المتحدة لتلك المهمة البحرية، إذ قال سفير روسيا لدى الاتحاد الأوروبي، فلاديمير تشيزهوف، لمحطة «فيليت» الألمانية: «يجب أن تشارك جميع الأطراف في ذلك الحل، ولا يمكن أن يكون هناك حل بالقول إن ما يسمى بالحكومة المعترف بها دوليًّا جيدة والمعارضة سيئة. وليس حظر الأسلحة، فقط المفاوضات يمكن أن تحل الأزمة في ليبيا». في الوقت نفسه، لن يتعاون حلف شمال الأطلسي «ناتو» في هذه المهمة كما كان الحال مع عملية «صوفيا» التي أُطلقت العام 2015 بمهام مختلفة.

شكوك حول شمولية التنفيذ

في الوقت نفسه، فإن شمولية تنفيذ هذه العملية على جميع الداعمين الدوليين والإقليميين للتسلح في ليبيا يبقى موضع شك - وفق رؤية باحثين - وفي هذا السياق بدا الممثل الأعلى للأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيف بوريل شديد التحفظ والحذر تجاه اتهام تركيا بالمسؤولية عن انتهاك القرار الأممي بحظر توريد السلاح لليبيا، مؤكدًا أن «عديد الأطراف تفعل ذلك، ولا يمكن اتهام طرف بعينه».

ويتوقع الباحث في معهد الولايات المتحدة للسلام، التابع للكونغرس الأميركي، نايت ويلسون «عدم تنفيذ التدابير بشكل شامل أو بطريقة محايدة بسبب تضارب المصالح بين مختلف الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي»، وأضاف، خلال جلسة نقاشية «من أجل وقف الأسلحة سيكون على الدول الأوروبية مواجهة الحلفاء، أو سيتعين عليهم المخاطرة بإغضاب تركيا، التي لها نفوذ على الأوروبيين بقدرتها على إدارة تدفقات المهاجرين شمالًا إلى الاتحاد الأوروبي».وانتقد الباحث الأميركي «اقتصار مهمة المراقبة النشطة للاتحاد الأوروبي، بفرض حظر الأسلحة قبالة السواحل، حيث شحنات الأسلحة استمرت عن طريق الجو والبحر في التدفق».

ترحيب وتحفظ واستياء

وفي خضم هذا الحذر والمخاوف من «إيريني»، كان منطقيًّا أن تتباين مواقف أطراف حرب العاصمة طرابلس، التي تدخل عامها الثاني يوم السبت المقبل، فكان «التحفظ» و«الاستياء» هو رد فعل حكومة الوفاق، التي أجرى وزير خارجيتها محمد الطاهر سيالة، اتصالا هاتفيا مع سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا، وقال على نحو واضح إن تطبيق القرار بهذا الشكل يضعه «موضع اتهام بأن المستهدف بالرقابة هي حكومة الوفاق في إغفال وتجاهل تام لأي رقابة على عملية تسليح» قوات القيادة العامة.

في المقابل، كان الترحيب هو رد فعل قوات الجيش التابعة للقيادة العامة على لسان مدير إدارة التوجيه المعنوي، الذي اعتبرها مهمة للأمن القومي الليبي والدولي. وقال المحجوب في حديث لوكالة «سبوتنيك»: «الحظر يعتبر مسألة مهمة، لأنه يمس الأمن القومي ليس الليبي فقط، بل الدولي».

وفي قلب جدل داخلي إقليمي ودولي بشأن فرص نجاح مهمة «إيريني» في إنفاذ قرار مجلس الأمن حظر تصدير السلاح إلى ليبيا، يبقى التساؤل قائما عن سر تمرير الأوروبيين هكذا قرار، رغم انشغال القارة العجوز بمأساة جائحة «كورونا»، وتصدر تداعيات الأزمة لأجندة النقاشات الأوروبية بما عطل البت في الكثير من الملفات الدولية في مناطق الصراعات، خصوصًا أن الشروع العملي في تنفيذ هذه المهمة يحتاج إلى خروج الجميع من حظر التجول الذي فرضه «كورونا».. فلماذا ليبيا الآن؟

المزيد من بوابة الوسط