«لعنة النفط الليبي» تطارد «مهربيه» بعد عامين من مقتل الصحفية المالطية غاليتزيا

رئيس وزراء مالطا جوزيف موسكات، والصحفية دافني غاليتزيا. (أرشيفية: الإنترنت)

بعد أكثر من عامين على مقتل الصحفية المالطية دافني كروانا غاليتزيا، في أكتوبر 2017 بتفجير سيارتها، اجتمع نواب حزب العمال الحاكم في مالطا، مطلع الأسبوع الجاري، لاتخاذ قرار بخصوص مستقبل رئيس الوزراء، جوزيف موسكات، في ظل أزمة أثارها التحقيق في مقتل الصحفية التي تناولت خفايا تهريب النفط الليبي، وما يدره من أرباح هائلة على المتورطين في الجريمة.

وكانت صحف إيطالية قد ربطت بين مقتل الصحفية المالطية وبين مافيا تهريب النفط الليبي في مالطا وإيطاليا. وفجر مقتل الصحفية المالطية، مجموعة من القضايا الشائكة في مالطا تطال مسؤولين وسياسيين بحكومة جوزيف موسكات، وأثارت بالأخص كثيراً من التكهنات حول علاقة المافيا المالطية بالمافيا الإيطالية وشبكات تهريب الوقود الليبي خصوصًا الديزل.

غاليتزيا .. صحفية هزت عرش مافيا النفط وراحت ضحية الفساد

وقُتلت غاليتزيا أو «المرأة الويكيليكس»، الاثنين 16 أكتوبر2017، لدى تفجير سيارتها، في حادث غامض، حمل أبعاداً غير مسبوقة واحتمالات تورط عدة جهات في الجريمة، بما فيها شبكات تهريب الوقود من ليبيا إلى إيطاليا.

ومن أبرز القضايا التي ركزت عليها غاليتزيا قضية تهريب الوقود من ليبيا، إذ دأبت على كشف نماذج عمل المافيا المالطية والروابط بينها وبين المافيا الإيطالية العاملة في تهريب المحروقات من ليبيا إلى أوروبا عبر مالطا، إذ أشارت إلى أن عدداً من المالطيين والسياسيين والمحققين الدوليين وجدوا الطريق لكسب المال على حساب الحرب الأهلية في ليبيا.

تمويل الميليشيات
وكشفت الصحفية المالطية آليات تمويل «الميليشيات الليبية»، وفق جريدة «كوريري ديلا سيرا»، وكذلك تمكين بعض الأشخاص، وبعضهم من المجرمين الحقيقيين، من تسهيلات ومزايا كبيرة. وكشفت أن عناصر «الميليشيات» يقضون أشهراً من الراحة في كرواتيا أو إيطاليا، لكن أيضاً في تركيا ولبنان وتونس، ويقدمون حسابات طائلة عن علاج لم يتلقوه وتسددها الحكومة الليبية.

للاطلاع على العدد 211 من جريدة الوسط.. اضغط هنا

وأكدت صحف إيطالية وجود علاقة ثابتة ورسمية بين المافيا الإيطالية والمالطية وقادة «ميليشيات ليبية» في عمليات تهريب المحروقات، كما أكدت أن الشرطة الإيطالية اعتقلت أشخاصاً في هذه القضية، هم الرئيس التنفيذي لشركة «ماكسكوم بانكر»، الإيطالي ماركو بورتا، والليبي فهمي موسى سليم بن خليفة، تاجر المخدرات، والمالطيان دارين ديبونو وغوردون ديبونو، اللذان يقومان بعمليات النقل، والليبي طارق دردار الذي يدفع ويتسلم الأموال بالعملات الأجنبية.

وقالت الصحف إن هؤلاء تمكنوا من كسب 80 مليون يورو خلال ثلاثين رحلة في سنة واحدة، وإن النفط الليبي الذي يتم تهربيه يصل على أنه نفط سعودي، ويتم تغيير المستندات في مالطا.

رسميا.. اتهام رجل أعمال مالطي بالتواطؤ في قتل صحفية تحقيقات «تهريب النفط الليبي»

وباستعراض المدونة الخاصة للصحفية المالطية غاليتزيا، نجد في منشور بتاريخ 15 فبراير 2016، أنها تحدثت عن اعتراض ألفي طن من وقود الديزل المهرب من ليبيا كان في طريقه إلى مالطا خلال العام 2015، وتساءلت غاليتزيا: «كيف يمكن تهريب هذه الكمية الكبرى من الديزل دون وجود أجهزة تحميها، أجهزة تضم شخصيات رئيسية بالدولة؟».

وقالت غاليتزيا في منشور آخر بتاريخ 31 أكتوبر 2016، إن «تهريب الديزل من ليبيا إلى مالطا وإيطاليا، تجارة تدر دخلاً كبيراً ومربحة للغاية تنظمها شبكات إجرامية في الدول الثلاث».

تزايد الضغوط
وتزايد الضغط على موسكات من داخل وخارج الحزب ليقدم استقالته بعد أن أدى التحقيق في مقتل غاليتزيا، المختصة بقضايا مكافحة الفساد، إلى توجيه اتهامات، السبت، إلى رجل أعمال تفيد مزاعم بأنه على صلة بوزراء ومسؤولين كبار. ونقل رجل الأعمال، ويدعى يورجن فينيش (38 عاما)، إلى محكمة بالعاصمة فاليتا، مطلع الأسبوع الجاري، واتهم بالتواطؤ في قتل الصحفية. لكنه دفع ببراءته من جميع الاتهامات.

وكانت الحكومة قد رفضت في وقت سابق، طلب فينيش منحه الحصانة من المحاكمة مقابل كشف معلومات عن مخطط القتل وعن مزاعم الفساد المتعلقة بكيث شمبري كبير موظفي مكتب موسكات سابقا ووزير السياحة السابق كونراد ميزي وآخرين. واجتمع نواب حزب العمال في المنتجع الريفي الرسمي لرئيس الوزراء لاتخاذ قرار فيما يتعلق بمستقبل موسكات.

للاطلاع على العدد 211 من جريدة الوسط.. اضغط هنا

وأشارت وسائل إعلام محلية ومسؤولون في الحكومة مقربون من موسكات إلى أن رئيس الوزراء يستعد لإعلان استقالته لكنه يسعى للبقاء في المنصب لحين اختيار خليفة له. ودعت أسرة كاروانا غاليتزيا رئيس الوزراء إلى الاستقالة، السبت.

وكانت الصحفية القتيلة كتبت تقول إن شمبري وميزي أسسا شركات سرية في بنما. وأضافت أن شركة أخرى، تدعى 17 بلاك، كانت ستصبح وسيلة لإيداع الأموال لهاتين الشركتين، وبعد مقتل كاروانا غاليتزيا، أظهر تحقيق أجرته رويترز وصحيفة «تايمز أوف مالطا» أن فينيش هو مالك شركة 17 بلاك.

ووفق «فرانس برس» يستعد رئيس وزراء مالطا جوزيف موسكات الذي يشتبه بتدخله في التحقيق باغتيال غاليتزيا، لمغادرة منصبه في 18 يناير المقبل بعد أن يختار حزب العمّال خلفاً له، بحسب تصريحات لمصادر داخل الحزب.

وكشفت الصحفية غاليتزيا قبل اغتيالها معلومات سرية عن تهريب النفط الليبي، وتورط جهات إيطالية ومالطية مع قادة «ميليشيات» ليبية في تهريبه من غرب البلاد إلى إيطاليا عبر مالطا، في عمليات تدر عشرات ملايين الدولارات.

وقالت المصادر إنّه يتوجب على موسكات الإعلان، في موعد لم يحدد بعد، أنّ انتخابات لرئاسة الحزب ستجرى في 18 يناير، موضحة: «لا أحد سيتولى المنصب بالإنابة، لأنّه سيستقيل رسمياً فور اختيار الرئيس الجديد».

اقرأ أيضا تحقيقات اغتيال صحفية «تهريب النفط الليبي» تعجل باستقالة رئيس وزراء مالطا

ورئيس الوزراء في النظام البرلماني المالطي هو نفسه رئيس الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية. ولم توضح المصادر توقيت إعلان موسكات نواياه، ولا الطريقة التي ستتم بها الاستقالة، فيما يرجّح أن يتم ذلك عبر كلمة متلفزة، لكنّها نوهت بأنّه لن يبقى في منصبه بعد 18 يناير. وازدادت الضغوط في الأيام الأخيرة على رئيس الوزراء، مطالبة بأن يستقيل فوراً من مهامه.

مرفوض شعبيا
واتهمته عائلة الصحفية المالطية وحزب «الوطنيين» المعارض وحركات مدنية بالتدخل في التحقيق عبر حماية مساعده كايث شمبري، فيما تظاهر الآلاف الجمعة الماضية للمطالبة باستقالة موسكات.

وقالت مصادر حزب العمّال «لقد قال دوما إنّه سيغادر قريبا، والآن يشعر بأن الوقت قد حان. ولكنّه يريد بداية أن ينتهي (التحقيق) حول مقتل الصحفية دافني كاروانا غاليزيا تحت إشرافه كما وعد».

ووصل موسكات (45 عاماً) إلى السلطة عام 2013، وهو حالياً في ولايته الثانية بعد إعادة انتخابه في يونيو 2017 في انتخابات مبكرة. وجرت تلك الانتخابات بعدما طاولت اتهامات بالفساد محيط موسكات، عقب نشر «أوراق بنما» التي كشفت فتح حسابات مالية غير قانونية في مالطا لشخصيات وشركات من كل أنحاء العالم.

وفي العشرين من نوفمبر الماضي، ألقت السلطات في مالطا القبض على رجل الأعمال، يورغين فينيتش، في إطار التحقيق بقضية مقتل غاليتزيا. واعتقل فينيتش بعد أن اعترض ضباط يخته وقاموا بتفتيشه.
وقال رئيس الوزراء جوزيف مسكات إن حكومته وضعت تحت تصرف السلطات المعنية كل الإمكانيات اللازمة لمنع مغادرة المشتبه بهم البلاد، مضيفا "هذا يظهر أننا مصرون على الوصول للمتهمين مهما كلف الأمر".

للاطلاع على العدد 211 من جريدة الوسط.. اضغط هنا

ونسبت صحيفة "تايمز أوف مالطا" إلى شهود عيان القول إن دورية مسلحة اعترضت يخت فينيتش الفاخر بينما كان يغادر ميناء بورتوماسو في ساعة مبكرة من صباح الأربعاء. ويترأس فينيتش «توماس غروب»، وهو مدير شركة لإنتاج الطاقة، وقد توصلت وحدة «التحليل الاستخباراتي الاقتصادي» إلى أنه يملك شركة تُدعى «17 بلاك»، ومسجلة في دبي. وألقت قوات الأمن القبض على ثلاثة أشخاص يشتبه بهم، ووجهت لهم تهمة تفجير سيارة بالقرب من منزل الصحفية في شهر أكتوبر عام 2017. وألقي القبض على الثلاثة في شهر ديسمبرعام 2017.

عملت غاليتزيا صحفية استقصائية في صحيفة صنداي تايمز المحلية، وكذلك صحيفة إندبندنت مالطا. وحين قتلت كانت معروفة بمدونتها التي تناولت مواضيع الفساد منذ عام 2008. دوبعد نشر مقال عن "أوراق بنما"، التي سربت معلومات عن حسابات بنكية مشبوهة، وصفها موقع "بوليتيكو" بأنها "امرأة تحارب وحدها غياب الشفافية والفساد في مالطا".

حقوقيون بالأمم المتحدة يدعون مالطا إلى بذل مزيد من الجهد في قضية «غاليتزيا»

وقد تعرضت للتهديد أكثر من مرة، وشوهت سمعتها وكانت تفكر في مغادرة مالطا خوفا على حياتها، لكنها رفضت حماية دائمة من الشرطة، وقالت إن ذلك سوف يمنعها من أداء عملها. وقد نشرت آخر جزء من مدونتها قبل مقتلها بنصف ساعة، وكتبت فيها "هناك محتالون أينما وليت وجهك، الوضع يدعو لليأس".

وفي منشور مطول على حسابه على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، اتهم ماثيو كروانا غاليتزيا ابن المالطية بالعجز ووصف الحكومة المالطية بأنها "فوق القانون". وقال «اغتيلت أمي لأنها كانت تقف إلى جانب سيادة القانون في مواجهة أولئك الساعين لانتهاكه».

«عمل بربري»
وأدان جوزيف موسكات رئيس الوزراء المالطي، الذي اتهمته غاليتزيا في وقت سابق بارتكاب ممارسات خاطئة، قتل غاليتزيا قائلا في بيان أذاعه التليفزيون: «أدين بلا تحفظ هذا العمل البربري على شخص وعلى حرية التعبير في بلادنا».

وأضاف قائلا: «الجميع يعلم أنها كانت منتقدة شرسة لي على المستوى السياسي أو الشخصي كما فعلت مع آخرين أيضا، ولكن ذلك لا يبرر أبدا مثل هذا العمل، ولن أرتاح حتى يتم تطبيق العدالة».
وجاء مصرع المدونة البارزة بعد 4 أشهر من فوز حزب العمل بقيادة موسكات في الانتخابات المبكرة التي دعا إليها بعد مزاعم المدونة عن علاقته وزوجته بفضيحة وثائق بنما. ونفى الزوجان المزاعم القائلة باستخدامهما حسابات بنكية سرية لإخفاء مبالغ مالية دفعتها لهما الأسرة الحاكمة في أذربيجان. كما استهدفت غاليتزيا أيضا في مدونتها سياسيين معارضين، ووصفت الوضع السياسي في بلدها في آخر مدونة كتبتها بأنه «يثير اليأس».