جريدة «الوسط»: تصعيد عسكري يستبق مؤتمر برلين

ترافقت التحركات الدولية المتسارعة لعقد مؤتمر برلين حول ليبيا مع تصعيد عسكري ملحوظ على تخوم العاصمة طرابلس في حرب تدخل شهرها السابع (الجمعة)، مما وضع المحللين أمام تساؤلات حائرة حول مبررات وتوقيت هذا التصعيد، وما إذا كان محاولة لجني مكاسب وتحسين تموضعات عسكرية، تفرض نفسها على طاولة المجتمعين في برلين، أم أنه جولة جديدة من الإجهاض الاستباقي لهذا المؤتمر على شاكلة ما حدث قبل ملتقى غدامس الذي كان من المقرر عقده قبل أن تطلق حرب العاصمة رصاصتها الأولى.

في موازاة التطور الميداني، كشفت الجهود الدولية لعقد المؤتمر عن اتساع رقعة الاستقطاب السياسي الداخلي الحاد، فحكومة الوفاق تبدي تمسكا بروح اتفاق الصخيرات رغم التطورات على الأرض لأربع سنوات، في المقابل يفضل الطرف الآخر حوارا جادا يفرز ترتيبات مغايرة مما يعني إلغاء كل الأجسام التي أفرزها هذا الأخير. وتتسع رقعة الخلاف مع تباين واضح في الآراء حيال هذه المبادرة الدولية من أعضاء مجلس الدولة وأعضاء مجلس النواب وشخصيات سياسية ومهتمين بالشأن الليبي.

ويقول متابعو الشأن الليبي إن هذا التصعيد العسكري والاستقطاب السياسي قبل مؤتمر برلين هما بداية ما يعرف بـ«توازن الضعف» الذي يصل فيه الجميع إلى نقطة الإنهاك مع غياب الحلول، ويشير المتابعون إلى أن «خيوط الأزمة فلتت مبكرا من أيدي الليبيين، وأن مقولة الحل بيد الليبيين أصبحت من باب الأماني، إلى أن يجلس الجميع على طاولة المفاوضات».

للاطلاع على العدد (202) من جريدة «الوسط» اضغط هنا

على سبيل المثال، فقد عكست تفاعلات المواقف الداخلية أجواءً غير إيجابية، مع استدعاء الحديث بقوة عن الاتفاق السياسي في الصخيرات المغربية بين الأطراف الليبية في ديسمبر 2015، إذ تريد ألمانيا أن يكون المؤتمر شبيها بمؤتمر الصخيرات، خاصة أنه انبثق منه المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق المعترف بها دوليا.

رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج أبدى تمسكه بمخرجات اتفاق الصخيرات والأجسام المنبثقة عنه كمرجعية أساسية لأي حوار أو اتفاق مع «ضرورة الوقف الفوري للتعامل مع كافة المؤسسات الموازية لحكومة الوفاق». في المقابل، تقول أوساط مقربة من القائد العام للجيش المشير خليفة حفتر إن المادة الأولى من اتفاق الصخيرات منحت المجلس الرئاسي عاما قابلا للتجديد عاما آخر فقط، مشيرة إلى أن «مجموع الأجلين انتهى في ديسمبر 2017»، وتساءلت «من الذي عليه أن يلتزم بالاتفاق؟!»، وأعادت المصادر القول بأن حكومة الوفاق لم تنل ثقة مجلس النواب حسب الاتفاق السياسي نفسه.
ويظهر تباين في الآراء حيال المؤتمر من قبل أعضاء مجلس الدولة وأعضاء مجلس النواب وشخصيات سياسية ومهتمين بالشأن الليبي، ففي وقت رأى فوزي العقاب، نائب رئيس مجلس الدولة، أن المبادرة تمثل فرصة كبيرة للوصول إلى حل للوضع المتأزم في ليبيا في حال الوصول إلى اتفاق بين الأطراف الدولية والإقليمية، حذّر فوزي النويري، نائب رئيس مجلس النواب من غياب الليبيين عن أي مؤتمر دولي يخص بلدهم.

ويقول محللون إن شرط نجاح أي مبادرة سياسية هو «وجود حد أدنى من الثقة بين الطرفين، وقدرتهما على تنفيذ الاتفاق»، ومن ثم يتساءل المحللون «كيف يتوقع أن ينجح اتفاق بين طرفين لا يمتلكان أدنى درجات الثقة المتبادلة، والقدرة على تنفيذ ما قد يتفقان عليه؟».

دوليا، يعد هذا التناقض أكبر تحد للمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في 11 سبتمبر الماضي، التي أطلقت من البرلمان الألماني تحذيرا قويا من مزيد تدهور الوضع في ليبيا، ونبهت إلى أن استمرار الأزمة سيهزُ الاستقرار في شمال أفريقيا والأمن في القارة الأفريقية.

للاطلاع على العدد (202) من جريدة «الوسط» اضغط هنا

في هذه الأثناء، تحاول إيطاليا استدعاء دور أميركي لحل الأزمة، وهو ما جاء خلال زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى إيطاليا، حيث قال وزير الخارجية الإيطالي، لويجي دي مايو، إن «دور الولايات المتحدة مهم في العمل، الذي يمكننا القيام به معا، لتحفيز جميع أطراف النزاع في هذه القضية على المضي قدما نحو وقف لإطلاق النار، دون تأجيج هذه التوترات بل خفضها».

ورأى رئيس الدبلوماسية الأوروبية أن مؤتمر برلين حول ليبيا «إذا جرى الترتيب له جيدا، بمحاولة ضم أكبر عدد ممكن من الأطراف الفاعلة في هذا الصراع، أعتقد أنه يمكن أن يؤدي إلى خطوة أخرى نحو وقف إطلاق النار وعملية سياسية تقود إلى استقرار ليبيا».

وعلى الجانب الآخر، أعادت فرنسا الحديث عن «المعايير التي وافق عليها الليبيون في مؤتمري باريس وباليرمو وفي اجتماع أبو ظبي، لتمهيد الطريق للانتخابات»، وذلك في معرض حديث الناطق باسم وزارة الخارجية عن الموقف الفرنسي بشأن موعد المؤتمر، وأضاف الناطق أن العودة إلى العملية السياسية في ليبيا تشمل «إعادة توحيد المؤسسات، والإصلاحات الاقتصادية والأمنية، التي تعتبر حاسمة لتحقيق الاستقرار في البلاد».

وتشهد ضواحي العاصمة طرابلس اشتباكات دامية منذ أكثر من 170 يوما، بين القوات التابعة للقيادة العامة للجيش، التي يقودها المشير خليفة حفتر، والقوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني، على إثر قرار المشير حفتر الدخول إلى العاصمة، تحت عنوان «تحرير مدينة طرابلس من الميليشيات المسلحة».

وفي السياق، قالت كبيرة المحللين في الشأن الليبي لدى مجموعة الأزمات الدولية، كلوديا غازيني، إن هناك اعتقادا لدى الأطراف المتقاتلة بأن «الحل العسكري هو ما يمنح الغلبة للأقوى عسكريا ويحسم موازين القوى لمصلحته سياسيا»، واستبعدت حصول اتفاق بين الأطراف الخارجية الداعمة الأطراف الليبية المتقاتلة، مشيرة إلى أن «حل الأزمة الليبية ما زال بعيدا».

وما بين الاستقطاب السياسي الحاد والتصعيد العسكري المتزايد، يبقى التساؤل عن غياب الليبيين عن طاولة المفاوضات فيما تتسابق طاولات الخارج على المشهد الليبي منذ أبوظبي وباريس وباليرمو وحتى برلين، وربما ما يستجد من عواصم أخرى.