«ساينس مونيتور»: المدخلية تستغل الفوضى في ليبيا لفرض حكمها الديني

في حين كان سعيُّ تنظيم «داعش» لاستعادة موطئ قدم له في ليبيا يحوز على اهتمام دولي خاصة من وسائل الإعلام، كان التيار المدخلي المتشدّد يوسع في هدوءٍ نطاق نفوذه عبر أنحاء البلد.

وقالت جريدة «كريسشان ساينس مونيتور» الأميركية، في تقرير الأربعاء الماضي، إنّ المدخلية كانت ولا تزال تستغل الفوضى المنتشرة في ليبيا منذ ثورة فبراير 2011 لفرض رؤيتها المتشددة للإسلام بالقوة والإكراه، بنشر دوريات تابعة لها في الشوارع وباستغلال سيطرتها على المساجد لتغيير فكر المجتمع الليبي بشكل كبير.

وأضافت أنه سعيًا للوصول لتلك النتيجة، تحالفت المدخلية مع كل الحكومات وقادة الحرب الذين ظهروا في ليبيا خلال السنوات الثلاث الماضية، مخمدة بذلك أصوات منتقدي نهجها من الليبراليين والإسلاميين.

وعارضت المدخلية بانتظام تنظيم «داعش» الذي سعى إلى إنشاء قاعدة عمليات جديدة له في ليبيا بعدما طُرد بصورة شبه تامة من العراق وسورية. إلا أن خبراء ومراقبين حذروا من أنه ما لم يجر التوصل إلى حل سلمي، وبدأت مؤسسات الدولة تقديم الخدمات في ليبيا قريبًا فإن السلفية المدخلية قد تَفتك بالمجتمع المدني وتَفرض حكمًا دينيًا غير معلن.

من هم المدخليون؟
يتبع التيار المدخلي في ليبيا رجل الدين السعودي ربيع بن هادي المدخلي البالغ من العمر 85 عامًا، والذي يقيم حاليًا في المدينة المنورة بالسعودية.

وتأسست السلفية المدخلية، وهي جماعة غير سياسية، لتكون بمثابة نظير ديني لجماعة الإخوان المسلمين السياسية النشطة، واكتسبت المدخلية شعبية في السعودية ومصر وكذلك بين أنظمة عربية أخرى في منطقة الخليج في تسعينات القرن الماضي. وقالت «كريسشان ساينس مونيتور» إن الدول سعت إلى استغلال التيار السلفي الجديد لتحقيق التوازن أمام الجماعات الإسلامية المعارضة ولترسيخ شرعيتها الدينية.

«دعم المدخلية المطلق للديكتاتوريين ونفورها من السياسة ومعاداتها للديمقراطية ولجماعة الإخوان جعلت كل تلك الصفات من الجماعة شريكاً مثاليًا لنظام القذافي»

وأضافت الجريدة أن «دعم المدخلية المطلق للديكتاتوريين ونفورها من السياسة ومعاداتها للديمقراطية ولجماعة الإخوان المسلمين جعلت كل تلك الصفات من الجماعة شريكاً مثاليًا لنظام معمر القذافي الذي فتح الباب أمامها لدخول ليبيا في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين».

وتابعت أن لهذه الأسباب كانت المدخلية آخر جماعة تتخلى عن القذافي رغم العنف الذي مارسه نظامه ضد المواطنين، إذ حثّت الجماعة الليبيين على إطاعة حاكمهم إبان ثورة 2011.

وقالت: «في الوقت الراهن مع تحرر المدخلية من قيود الحُكام للمرة الأولى منذ دخولها ليبيا فإن الجماعة -التي كانت فيما سبق تيارًا لا موقف سياسي له- شكلت حاليًا قواتها القتالية وشرطتها الخاصة وتحالفت مع قادة الحرب والحكومات في شرق ووسط وغرب ليبيا فيما ينصب تركيزها على بسط سيطرتها الكاملة على المجتمع الليبي».

ما هي أيدلوجية السلفية المدخلية؟
تقوم ركيزة العقيدة السلفية المدخلية على الطاعة شبه التامة لأيّ نظام أو حاكم أو جماعة في السلطة، أي ما يعرف بـ«ولي الأمر» في البلد الذي تتواجد به الجماعة.

وقالت الجريدة إنه بخلاف السلفييين والإخوان المسلمين الذين يطالبون الحكومات باتباع تعاليم الإسلام أو تطبيق الشريعة، فإن المدخليين يلقون طواعية بدعمهم خلف الأنظمة العربية العلمانية، مضيفة أن «الجماعة تجادل بأن الأنظمة العلمانية والديكتاتورية لديها سلطة مقدسة على رعاياها وإلا ما كان الله أتى بها إلى السلطة في المقام الأول».

«المدخليون يلقون طواعية بدعمهم خلف الأنظمة العربية العلمانية إذ تجادل الجماعة بأن الأنظمة العلمانية والديكتاتورية لديها سلطة مقدسة»

ولفتت إلى أنه «مع استماتة المدخلية في الدفاع عن النظام أو الحاكم الذي تخدمه أيًا كان، فإن الجماعة جعلت مهمتها مهاجمة أي ناقد أو معارضة مستغلة المنهج الإسلامي لإظهار المنتقدين والمعارضين كما لو كانوا مهرطقين وكافرين».

وأوضحت أن المبدأ الرئيسي الثاني في أيدولوجية المدخلية هو البعد عن السياسية والمعارضة الشرسة للديمقراطية، معللة ذلك بأن السياسة بطبيعتها تخلق الانقسامات بين المسلمين وتشجع على إبداء الطاعة لجماعات بخلاف الله، وتسمح للحركات غير الإسلامية بالتسلل إلى داخل المجتمع.

إلا أن «كريسشان ساينس مونيتور» قالت إنه رغم التشابه البادي في الأيدولوجية فإن السلفية المدخلية تختلف قليلًا على الصعيد الاجتماعي عن السلفية الوهابية المتشددة التي كانت تدير إلى وقت قريب الحياة اليومية في السعودية والتي صدّرها حكم أسرة آل سعود إلى كل أنحاء العالم الإسلامي.

وأردفت أن المدخلية تؤمن بأن المرأة لديها دورٍ محدود خارج منزلها ويجب أن يصحبها رجل من أقربائها خلال تنقلاتها أو سفرها، كما أنها ترى أن الاستماع إلى الموسيقى ومشاهدة التلفزيون وأي مواد أدبية غير إسلامية هو «ذنب»، فضلًا عن اعتقادها بأن الاختلاط بغير المسلمين يمثل تهديدًا على الجتمع إذ أنهم قد يقودون المسلمين إلى «الضلال».

دور المدخلية في السياسة الليبية
أشارت «كريسشان ساينس مونيتور» إلى أن المدخلية شكّلت قواتها الخاصة ومؤسساتها ودخلت في تحالفات على الأرض لتصبح اللاعب الأكبر نفوذًا في ليبيا، رغم تحريمها سابقًا الانتخابات التي نُظمت مرتين عقب ثورة 2011.

وأضافت الجريدة أن المدخلية شكّلت كذلك قوات شرطية في غرب ليبيا تجوب في دوريات شوارع طرابلس لمنع الجريمة والرذيلة ولزعزعة استقرار خلايا تنظيم «داعش»، مشيرة إلى أن القوات التابعة للمدخلية كانت ناجحة للغاية لدرجة دفعت حكومة الوفاق الوطني لاعتمادها كقوة شرطية رسمية تحت سلطة وزارة الداخلية.

«الدور الأكثر تأثيرًا الذي لعبته المدخلية كان في شرق ليبيا حيث تحالف فرع للتيار مع قائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر»

وفي وسط ليبيا، أنشأت المدخلية، وفق الجريدة، قوة قتالية يبلغ تعدادها الآلاف كانت محورية في طرد تنظيم «داعش» من مدينة سرت ومعاقل ساحلية أخرى في العام 2016، ومنذ طرد تنظيم «داعش» بقى مسلحو المدخلية في العديد من المدن والقرى المحررة ونشروا دوريات بها.

ورغم أنشطتها السابقة، إلا أن الجريدة اعتبرت أن الدور الأكثر تأثيرًا للمدخلية كان في شرق ليبيا، حيث تحالف فرع تابع للتيار مع قائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر، مشيرة إلى أنه «نظير استخدام قواتها ومنبرها لدعم حفتر والدعوة لإبداء الولاء له باعتباره أمرًا تفرضه العقيدة الإسلامية، مُنحت المدخلية حرية تامة في إدارة المساجد والأوقاف والمؤسسات الدينية في جميع أنحاء شرق ليبيا، والأهم من ذلك أن المدخلية أُعطيت سلطة إصدار فتاوى رسمية».

وقالت الجريدة إن استراتيجية المدخلية في كل منطقة بليبيا تقوم على خطوات هي: الهجوم، ثم مرحلة صمت، ثم نزع شرعية كل المنافسين سواء كانوا ليبراليين أو ديمقراطيين أو إخوانًا مسلمين أو جهاديين أو جماعات سلفية منافسة، مضيفة أن تلك الاستراتيجية عززت قوة الفصيل الذي تخدمه السلفية أيًا كان ووضعت كل كيان آخر أو جماعة في موقف دفاعي.

كيف ستستخدم المدخلية نفوذها المتزايد؟
يقول مراقبون وباحثون، وفق جريدة «كريسشان ساينس مونيتور»، إن المدخلية صنعت سمعة حسنة ولاقت الاستحسان في المجتمعات المحلية بإحلالها الأمن في تلك المناطق في وقتٍ غاب فيه الدور المؤثر للحكومات، وهو الأمر الذي مثَّل بوابة للجماعة لفرض أيدولوجيتها.

ونقلت الجريدة عن الباحث الأول في برنامج الشرق الأوسط في مؤسّسة كارنيغي للسلام الدولي، فريدريك ويري، قوله إن «المدخلية تدفع برواية: نحن سلفيون ولسنا فاسدين، نحن نُخلَّص (المجتمعات) من المخدرات والمشروبات الكحولية ونوفر الأمن».

وفي نوفمير الماضي أغلقت قوات أمنية تابعة للمدخلية، نيابةً عن حكومة الوفاق الوطني، معرضًا لشخصيات القصص المصورة في طرابلس واعتقلت القائمين عليه متهمة إياهم بـ«القيام بأفعال خادشة للحياء والآداب العامة واستغلال ضعف الوازع الديني والانبهار بثقافات خارجية».

«خبراء يحذرون من أن غياب ما يوازن نفوذ السلفية المدخلية قد يضعف المقاومة التي قد تواجهها الجماعة لتحكمها في الحياة اليومية بمجرد أن تضع الحرب أوزارها»

وأفادت تقارير بأن المدخلية مُنحت الحرية التامة في الدعوة إلى اعتناق الإسلام وإعادة تأهيل المحتجزين داخل السجون في غرب وشرق ليبيا.

وقالت «كريسشان ساينس مونيتور» إن التأثير المتواصل للمدخلية على مسار الصراع الليبي قد يتمثل في استهداف المعارضة والجماعات السياسية، ونقلت عن منظمة «هيومن رايتس ووتش» قولها إن العديد من قيادات المجتمع المدني والنشطاء الحقوقيين كانوا ولا يزالون يُستَهدَفون ويجري إسكاتهم ويُدفعون إلى السفر للخارج أو يتعرضون للقتل، «وهو أمر تسارعت وتيرته ونال استحسان المدخلية»، بحسب الجريدة.

وذكر نشطاء حقوقيون أنهم يخشون انتقاد الجماعة التي في المقابل قد «تهاجمنا على منابر المساجد أو عبر الإذاعة أو تعتقلنا في اليوم نفسه».

وقالت الجريدة إن خبراء ومسؤولين يحذّرون من أن غياب ما يوازن نفوذ السلفيين قد يضعف المقاومة التي قد تواجهها الجماعة لتحكمها في الحياة اليومية بمجرد أن تضع الحرب أوزارها.

المزيد من بوابة الوسط