بعد قرار محكمة بنغازي بـ«عدم الاختصاص».. مصير الدستور الليبي ما بعد فبراير 2011

في ضوء الحكم الصادر الأسبوع الجاري من محكمة بنغازي الإبتدائية باعتبار الهيئة التأسيسية لمشروع الدستور «كيانًا أنشأ الإعلان الدستوري، ليؤسس سلطات الدولة بإعداد مشروع الدستور وطرحه للاستفتاء، ما يعني أنها تخرج عن ولاية القضاء العادي»، تنشر «الوسط» في السطور التالية، نصَّ دراسةٍ للكاتب والمحلل السياسي الليبي سليمان إبراهيم عن قصة كتابة الدستور والمراحل التي مرت بها منذ الإطاحة بحكم القذافي.. وقد خضعت الدراسة للاختصار لضرورات النشر.

وكان أعضاء في الهيئة التأسيسية لمشروع الدستور، قد رحبوا بحكم المحكمة، في تصريحات إلى «الوسط»، وقالت عضوة الهيئة نادية عمران إن القضاء الليبي أثبت أنه غير مسيّس ويسير في الاتجاه الصحيح، ورأت أن الحكم يسير على نفس ما سارت عليه التجارب المقارنة، وبالأخص فيما يتعلق بالطعون المتعلقة بالدستور المصري والتونسي. وتابعت عمران: «نتمنى أن يذهب حكم المحكمة العليا المنتظر في نفس السياق».

للاطلاع على العدد «112» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

وبالمثل، أشادت عضوة الهيئة رانيا الصيد، بالحكم، وأضافت في تصريح إلى «الوسط» أن محكمة جنوب بنغازي الدائرة المدنية الأولى أوردت حكمها في الدعوى رقم 877/ 2017 : «الهيئة ككيان أنشئ تنفيذًا لأحكام الإعلان الدستوري والمنظم بالقانون رقم 17 لسنة 2013 هي هيئة أُنيط بها التأسيس لسلطات الدولة وهياكلها بإعداد مشروع دستور يطرح للاستفتاء، وأعضاء هذه الهيئة منتخبون من الشعب بشكل مباشر. وبهذا التوصيف تخرج قراراتها عن ولاية القضاء، وبهذا يتعين الحكم بما يرد إثباته في المنطوق».

وأوضحت الصيد: «وورد في المنطوق: أولاً بعدم الاختصاص ولائيًا بنظر الدعوى في مواجهة المدعى عليه الثالث» والذي هو الهيئة التأسيسية، وعن اللغط الحاصل حول المادة التي تتعلق بمجلس الشيوخ ومجلس الأمة، قالت الصيد: «مشروع الدستور يقرأ وحدة واحدة كمشروع تكاملي توافقي في كل موادّه، ولا يمكن أن تتم قراءة المادة التي تخص مجلس الشيوخ دون قراءة المادة التي تخص مجلس الأمة».

الصيد: لا يمكن أن يُـتخذ قرار في مجلس الشيوخ إلا بحضور عددٍ متساو متفق من الأقاليم الثلاثة»

وأضافت أن «القرار في مجلس الشيوخ بالتساوي بين الأقاليم الثلاثة، ثمانية من كل إقليم، واللغط الموجود هو في مراعاة المعيار السكاني لبعض الأقاليم لا أكثر ولا أقل، ويجب التوضيح للجميع بأنه لا يمكن أن يتخذ قرار في مجلس الشيوخ إلا بحضور عدد متساو متفق من الأقاليم الثلاثة»، وحول رفع بعض المواطنين قضية أمام القضاء في طرابلس ضد مشروع الدستور قالت الصيد: «لكل مواطن الحق في اللجوء للقضاء»، مضيفة بأن «القضاء الليبي غير مسيس ويذهب بأحكامه في الاتجاه الصحيح دون محاباة أو تسييس».

وفيما يلي نص دراسة سليمان إبراهيم التي حملت عنوان «صناعة الدستور في ليبيا ما بعد القذافي»...

للاطلاع على العدد «112» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

على الرغم من أن اتفاقًا تـــمّ بين الفرقاء لإنهائه في ديسمبر 2015، ما زال الانقسام السياسي يطبع ليبيا اليوم. وفي الحقيقة لا يمثل هذا الانقسام إلا قمة جبل الجليد، إذ أن هناك انقسامات أخرى أعمق، منها الأيديولوجي، والإثني والمناطقي. لهذا، لن يكون نجاح هذا الاتفاق في التأسيس لحكومة وفاق وطني إلا خطوة أولى لازمة، ولكن غير كافية، لعلاج انقسامات أعمق.

علاج هذه لن يكون، بالطبع، سهلاً، ولكن عملية صناعة الدستور الجارية حاليًا قد تسهم بشكل كبير فيه، يتعلق هذا المقال بتوصيف عملية صناعة الدستور، وتحديد المعوقات التي اعترتها، وما يلزم للتغلب عليها.

1ـ سنوات ما بعد فبراير الأولى، هل كان الوقت مناسبا لصنع دستور؟
في الثالث من أغسطس 2011، حينما كان نظام القذافي ما زال مسيطرًا على أجزاء واسعة من البلاد ضمنها العاصمة، أصدر المجلس الوطني الانتقالي إعلانــًا دستوريًا.
كان اختيار المجلس الانتقالي في محله، إذ من شأن عملية صنع الدستور أن تمنح الليبيين فرصة نادرة لمناقشة أسئلة جوهرية حول «ليبيا الجديدة»، والإسهام في الانتقال السلمي والديمقراطي. كذلك، لم يكن الاكتفاء بتعديل الدستور الذي كان ساريًا في عهد القذافي خيارًا لأنه لم يكن هناك دستور ليُحتفظ به.

2ـ هيئة صياغة الدستور، ولادة متعثرة
لم تكن ولادة هيئة صياغة الدستور متعثرة لأسباب وثيقة الصلة بانقسامات ليبيا العميقة فحسب، ولكن أيضًا بسبب رؤية المجلس الوطني الانتقالي المرتبكة لصناعة الدستور.
الإشارة الأولى على أن المجلس لم يكن مدركًا تمامًا لمقتضيات صناعة الدستور يتمثل في الاسم الذي أعطاه للجسم المنوط به إعداده. المادة (30) من الإعلان الدستوري تتحدث عن هيئة تأسيسية لصياغة مشروع الدستور، وهو ما يثير الارتباك.

نتيجة ضغوط تعبر عن مخاوف مناطقية من آلية توزيع السلطة والثروة عدّل المجلس الانتقالي الإعلان الدستوري مرتين تحولت الهيئة بمقتضاهما إلي جسم منتخب مستقل إلي حدٍ بعيد عن المؤتمر الوطني

الإشارة الثانية تتعلق بتحديد طبيعة الهيئة بين التعيين والانتخاب. وفقا للمادة (30) ، تنتهي المرحلة الانتقالية بتبني الدستور وانتخاب مجلس تشريعي وفقا لأحكامه. المؤتمر الوطني العام، خلف المجلس الانتقالي، كان سيعين هذه الهيئة خلال (60) يومًا من تاريخ جلسته الأولى، وبعد أن يعتمد المؤتمر المشروع يطرحه لاستفتاء عام خلال (30) يومًا، وإذا ما صوّت ثلثا المقترعين بنعم، تصادق الهيئة على المشروع، ويعتمده المؤتمر دستورًا للبلاد.

ولكن نتيجة لضغوط تعبر عن مخاوف مناطقية من آلية توزيع السلطة والثروة عـدّل المجلس الانتقالي الإعلان الدستوري مرتين تحولت الهيئة بمقتضاهما إلي جسم منتخب مستقل إلي حدٍ بعيد عن المؤتمر الوطني، بدأ الأمر بدعاوى مناصري الفيدرالية في شرق ليبيا إلى تغيير طريقة تشكيل الهيئة.

للاطلاع على العدد «112» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

من وجهة نظرهم، إسناد تعيينها واعتماده على المؤتمر الوطني سيهدد بوأد أي مشروع دستور يتبنى النظام الفيدرالي، وسيكون هذا المؤتمر خاضعًا لهيمنة أعضاء من غرب البلاد، الذي، وإن كان أكثر أقاليم ليبيا الثلاثة سكانًا ليس أغناها، ومن سيكونون، غالب الظن، من رافضي النظام الفيدرالي. استجابة لهذه الدعاوى، عدّل المجلس الانتقالي الإعلان الدستوري في الثالث من مارس 2012 لتصبح الهيئة التأسيسية، في محاكاة لتجربة دستور الاستقلال، مكونة من (60) عضوًا موزعين بالتساوي بين أقاليم البلاد الثلاثة .احتفظ المؤتمر الوطني بسلطة تعيين أعضاء الهيئة، وإن كان عليه هذه المرة أن يختارهم من غير أعضائه. أسقط التعديل أيضًا اختصاص المؤتمر باعتماد مشروع الدستور قبل طرحه للاستفتاء.

وبتاريخ 20 يوليو 2013 قام بإصدار قانون انتخابات الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور.

على الرغم من أنه سيكتب من قبل هيئة منتخبة، ظل مشروع الدستور عرضة للاستفتاء، وهو إجراء مشكل رغم صبغته الديمقراطية. يعود هذا إلى أن التعديل لم يصطحب بإجراءات تضمن مشاركة المواطنين في صناعة الدستور، ما لم يعط هؤلاء فرصة هذه المشاركة، استفتاؤهم بنعم أو لا لن يشكل إسهامًا حقيقيًا منهم في هذا الدستور. مثل هذا الإسهام يقتضي إطارًا زمنيًا أكبر، يمكن هيئة تمثل الشعب حقيقة، ومن أن تعمل بشفافية، وأن تنفتح على مشاركة مجتمعية واسعة وتشجعها. إذا لم يتحقق هذا، سيكون من شأن مطلب الاستفتاء إضافة صعوبات إلى عملية صناعة الدستور، إذ كيف يمكن الحصول على موافقة ثلثي المقترعين على مشروع يحوي من القضايا الخلافية الكثير في بلد غدا الاستقطاب طابعًا له؟

متطلبات المشاركة المجتمعية هذه تخلفت على نحو كبير. بالنسبة للإطار الزمني، تم تعديله لمنح الهيئة وقتًا أطول لإتمام مهمتها، ولكن الوقت المضاف لم يكن كافيًا لتحقيق مشاركة واسعة ذات معني.

متطلبات المشاركة المجتمعية هذه تخلفت على نحو كبير. بالنسبة للإطار الزمني، تم تعديله لمنح الهيئة وقتًا أطول لإتمام مهمتها، ولكن الوقت المضاف لم يكن كافيًا لتحقيق مشاركة واسعة ذات معني. في التعديل الأول، منحت الهيئة (120) يومًا، بدلا من (60) ، ولكن في التعديل الثاني الذي حولها إلى هيئة منتخبة، لم يصطحب بتعديل المدة، على الرغم من أن الانتخابات، بداهة، تقتضى وقتًا أطول من التعيين.
لقد عانت الهيئة، منذ البدء، من ضعف الشمولية والتمثيل، دليل هذا أن الأمازيغ قد قاطعوها بدعوى عدم تلبية مطالبهم بمقاعد تتناسب مع نسبتهم ضمن السكان، وأن يكون التوافق سبيل اتخاذ القرارات المتعلقة بمسائل مثل اسم الدولة، وهويتها، وعلمها، والنشيد الوطني، واللغة. بهذا، خلا المقعدان المخصصان للأمازيغ. ونتيجة منع متطرفين ساكني درنة من الانتخابات، خلا مقعدان آخران.

3ـ هيئة صياغة الدستور، حياة شاقة
لم يمر وقت طويل على انتخاب الهيئة التأسيسية حتى تجلى الانقسام السياسي في جسمين يتنازعان السلطة: المؤتمر الوطني العام ومجلس النواب. وقد فاقم حكم المحكمة العليا القاضي في 6 نوفمبر 2014 بعدم دستورية التعديل السابع الذي أسس لانتخاب مجلس النواب من هذا الصراع، ووضع الهيئة في موقف صعب. ولكن الهيئة في البداية نجحت في الحفاظ على مركزها واحدة من المؤسسات الوطنية القليلة التي نجت من الانقسام على الرغم من محاولات جرها إليه.

للاطلاع على العدد «112» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

لكن الهيئة، كما وصفها موظف أممي، كانت تعمل من خلف أبواب مغلقة. إذا ما استبعدنا تسريبات من بعض أعضائها من خلال صفحاتهم الشخصية على فيسبوك، كان من الصعب معرفة ما الذي كانت الهيئة تفعله، موقعها الإلكتروني وصفحتها على الفيسبوك لم يسهما بشكل كامل في علاج هذه المشكلة. علي سبيل المثال، كشف بعض أعضاء الهيئة، ممن سخطوا على أدائها، عن مرتبات الأعضاء الكبيرة وعن عطلاتهم الطويلة، وكان من شأن هذا الكشف، في وقت كانت هناك تساؤلات جدية حول ما إذا كان تفويض الهيئة ما زال قائمًا أم لا، مما أساء إلى سمعة الهيئة في أعين العامة.

ضعف التواصل لم يطبع فقط علاقة الهيئة بالعامة، بل وصم أيضًا العلاقة ضمن أعضائها، وفي العام 2014، قسمت الهيئة إلى ثماني لجان نوعية

و يبدو أن ضعف التواصل لم يطبع فقط علاقة الهيئة بالعامة، بل وصم أيضًا العلاقة ضمن أعضائها، وفي العام 2014، قسمت الهيئة إلى ثماني لجان نوعية: (1) شكل الدولة ومقوماتها الأساسية، (2) شكل ونظام الحكم، (3) السلطة القضائية والمحكمة الدستورية، (4) الهيئات الدستورية المستقلة، (5) الجيش والشرطة، (6) الحقوق والحريات والتدابير الانتقالية، (7) الحكم (الإدارة) المحلية، (8) النظام المالي والثروات الطبيعية.
وكان الهدف من إنشاء اللجان جعل عمل الهيئة أكثر تخصصًا ومن ثَــمّ أكثر فاعلية، ولكن هذا الإنشاء لم يقترن بوضع آلية واضحة لتنسيق عمل اللجان.
المادة (47) من النظام الداخلي للهيئة تجعل التنسيق مهمة رئيسها ولكنها تغفل تحديد آلية ذلك. المادة (52) تجيز اللجان عقد اجتماعات لمناقشة القضايا المرتبطة، ولكنها لا تلزمهم بذلك. ضعف التنسيق هذا كان وصفة للفشل كما أنبأت عن ذلك مخرجات اللجان.

4ـ مخرجات اللجان شاهد على الإخفاق
أحد الانقسامات التي تسود ليبيا اليوم مناطقية الطابع. سخط أنتجته سنوات حكم شمولي مركزي تحت حكم القذافي حفز مطالبات بنظام حكم لامركزي. يسود ليبيا أيضًا انقسام حول دور الشريعة. لا يتعلق الخلاف بما إذا كان ينبغي إسناد دور للشريعة في النظام القانوني، يبدو أن هناك توافقًا واسعًا حول وجوب ذلك الخلاف يبرز حول تفاصيل هذا الدور:
ــ أي تعريف للشريعة ينبغي أن يتبني: مبادءّها، أحكامها القطعية، أو أحكامها غير القطعية أيضًا ..؟
ــ إذا أخذت الشريعة بمعنى الأحكام غير القطعية، إلى أي المذاهب يرجع في تحديدها؟
ــ من سيقرر شأن هذا، وأي دور ينبغي أن يسند لعلماء الدين؟
ـ هل سيمسح بالرجوع إلى مصادر أخرى غير الشريعة؟

وفقا لمقترح الفصل الخاص بشكل الدولة، الإسلام دين الدولة، وأحكام الشريعة الإسلامية مصدر كل تشريع، ولا يجوز إصدار أي تشريع يخالفها.  هذا في حين يكرس فصل الحقوق والحريات فهمًا مختلفًا للشريعة، فالإشارات هنا قد تعددت لمقاصد الشريعة، وقواعدها العامة، ونصوصها القطعية.

لم تنل مخرجات اللجان النوعية قبول مؤيدي ومعارضي إسناد دور كبير للشريعة في النظام القانوني. هذا في حين أبدى البعض الآخر قلقه من أن نصّ المادة (8) المدستر للشريعة يؤسس لدولة دينية ثيوقراطية

على هذا النحو، لم تنل مخرجات اللجان النوعية قبول مؤيدي ومعارضي إسناد دور كبير للشريعة في النظام القانوني. هذا في حين أبدى البعض الآخر قلقه من أن نصّ المادة (8) المدستر للشريعة يؤسس لدولة دينية ثيوقراطية لا تعترف بالإرادة العامة في مواجهة نصوص دينية مختلف حول فهمها وتفسيرها، وأن الحقوق والضمانات والقيم يضطلع بتحديدها مجموعة من رجال الدين على ضوء فهمهم وتفسيرهم لهذه النصوص وبالتالي فإن هذه المادة التي نفست عمليًا فكرة الدستور تؤسس لدولة تقودها في جميع مناحي الحياة فتاوى واجتهادات رجال الدين.

للاطلاع على العدد «112» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

حقوق الأقليات تمثل قضية خلافية كذلك بعد عقود من القهر، تطلعت الأقليات، أو المكونات الثقافية كما يسميهم الخطاب الرسمي في ليبيا، إلى الاعتراف بحقوقهم. وفي حين يبدو أن هناك توافقًا عامًا يشمل الليبيين العرب حول هذا الاعتراف، يبرز الخلاف حدوده، ويقدم النقاش حول مركز لغات الأقليات مثالاً واضحًا على هذا. في حين يبدو أن هناك توافقًا حول وجوب الاعتراف بهذه اللغات: الأمازيغية، الطارقية، التباوية، في الدستور، هناك خلاف حول مستوى هذا الاعتراف: هل تعد هذه اللغات رسمية مثل اللغة العربية، أم يكتفي بعدّها لغات وطنية؟ وقد فشلت اللجنة النوعية الخاصة بكتابة الفصل المتعلق بشكل الدولة ومقوماتها الأساسية في التوافق على هذه المسألة، وانتهت بتقديم مقترحين، أحدهما قدمه أعضاؤها من ممثلي أقليات الطوارق والتبو، ويقضي باعتبار لغات الأقليات رسمية، وآخر قدمه بقية الأعضاء، ويعتبر هذه اللغات وطنية. لم يكن متوقعًا، كما سبقت الإشارة، في ظل غياب آليات للتوافق أن تنتهي اللجنة بغير هذا.

قضية خلافية رابعة يمثلها شكل النظام السياسي. معظم الليبيين، كما بين مسح وطني شامل أجراه مركز البحوث والاستشارات بجامعة بنغازي العام 2013 يفضلون نظامًا بسلطة تنفيذية قوية

قضية خلافية رابعة يمثلها شكل النظام السياسي. معظم الليبيين، كما بين مسح وطني شامل أجراه مركز البحوث والاستشارات بجامعة بنغازي العام 2013 يفضلون نظاما بسلطة تنفيذية قوية، مدفوعين في هذا بتجربتهم المريرة مع المجلس الانتقالي والمؤتمر الوطني العام. كانت هذه أجساما تشريعية طغى عليها الانقسام والاستقطاب على نحو لم يقيد فقط من أدائها بل انعكس سلبا أيضا على السلطة التنفيذية. على سبيل المثال، لم تنل حكومة علي زيدان الثقة إلا بعد أن قدم قائمة وزراء اختار عددا كبيرا من الكتل المسيطرة على المؤتمر الوطني، وكانت النتيجة حكومة محكومة بذات الانقسام والاستقطاب الذي طبع أداء المؤتمر الوطني، وفشلت بالتالي في الوفاء بوعودها للشعب.

على كل، رغم ما شابها من مثالب، شكلت مخرجات اللجان النوعية فرصة للاطلاع على عمل الهيئة، وإن كانت هذه قد نسبت المخرجات للجان لا للهيئة ككل، واستقبال ملاحظات بشأنها. في مرحلة لاحقة، شكلت الهيئة لجنة للعمل مهمتها وضع مسودة جديدة.

5 ـ لجنة العمل، السير على النهج نفسه
يتكون مشروع لجنة العمل من (211) مادة مقسمة إلى (12) بابًا تعالج قضايا مختلفة منها تلك المرتبطة بالأسباب العميقة للانقسام الذي تشهده ليبيا. اقترحت اللجنة إسناد دور كبير للشريعة في النظام القانوني. وفقا لنص المادة (7) من مشروعها، «الإسلام دين الدولة، والشريعة الإسلامية مصدر التشريع»، تفسر الشريعة هنا بأنها «المذاهب والاجتهادات المعتبرة شرعًا من غير إلزامٍ برأي فقهي معين منها في المسائل الاجتهادية»، ويشكل هذا الأساس الذي (ستفسر) أحكام الدستور وتقيــِّد وفقًا «له»، علي هذا النحو، تبنت اللجنة مسلكًا مخالفـًا لذاك الذي سبق للجنة النوعية الخاصة بالحقوق والحريات تبنيه، والذي أعطيت فيه النصوص المتعلقة بحماية هذه الحقوق والحريات علاوة على بقية نصوص الدستور بما فيها تلك المتعلقة بالشريعة.

نصّ المشروع أيضًا على هيئة دستورية مستقلة سُميت «مجلس كبار العلماء»، يختص المجلس، المكون من خمسة عشر عضوًا من المختصين في الشريعة الإسلامية تختارهم السلطة التشريعية، بتقديم المشورة لسلطات الدولة فيما تحيله إليه، والتوصية في القضايا الدينية المتعلقة بتقرير أحكام عامة لتسترشد بها سلطات الدولة، وإعداد بحوث شرعية متخصصة في قضايا معاصرة، بالإضافة إلى إصدار فتاوى فردية في شؤون مختلفة. من الناحية القانونية، بما يصدر عن المجلس سيكون من باب المشورة، ولا يوجد التزام على سلطات الدولة بطلبه ناهيك عن متابعته، ولكن سيصعب، من الناحية العملية، تجاهله.

حقوق الأقليات
وفيما يتعلق بحقوق الأقليات، اعتبر المشروع لغات الأقليات لغات وطنية فيما احتفظ للعربية بوصف اللغة الرسمية (مادة 30)، لم يتضمن المشروع نصًا يتعلق بالهوية.

خلافا لمقترح اللجنة النوعية الخاصة بشكل الدولة ونظام الحكم، اقترح المشروع سلطة تنفيذية قوية. في جمهورية ليبيا، وفقًا للمشروع، سينتخب الشعب مباشرة الرئيس، الذي سيقوم بدوره باختيار رئيس الوزراء دون تقيد بأن يكون هذا من ضمن الحزب أو التحالف الحائز أغلبية المقاعد في مجلس النواب. سيختص الرئيس أيضًا باعتماد تشكيلة الحكومة التي سيقترحها رئيس الوزراء. وخلافًا لمقترح اللجنة النوعية، لم يتطلب مشروع لجنة العمل ثقة مجلس النواب في الحكومة. على هذا النحو، كان مشروع لجنة العمل أكثر استجابة لرغبة غالبية الليبيين في أن تكون السلطة التنفيذية قوية ومستقلة عن السلطة التشريعية.

للاطلاع على العدد «112» من جريدة «الوسط» اضغط هنا

خصص المشروع أيضا فصلاً عن الحكم المحلي (153ـ 159) لم يتبن الفيدرالية، وإن نصَّ على نظام لا مركزي موسع. بالإضافة إلى البلديات، نصّ المشروع على مستويات أخرى: الولايات، وهو مصطلح يرتبط بالنظام الفيدرالي، ونصّ على أن تكون لهذه الوحدات شخصية قانونية وتوابعها من ذمة مالية مستقلة. ولكن المقترح أسند سلطات واسعة للسلطات المركزية على الوحدات غير المركزية: يختص المشرع، وفقا للمشروع، تقسيم الدولة إلى ولايات وبلديان وفق معايير فضفاضة: مقتضيات الأمن الوطني، والموازنة بين معايير السكان، والمساحة، والتواصل الجغرافي، ولوازم العدالة الاجتماعية، والسلم والوئام المجتمعي.. إلخ، كذلك، للمشرع أن ينشئ وحدات إدارية، ويدمجها، ويلغيها متى اقتضت المصلحة العامة ذلك. أيضًا، يقيّد المشروع سلطة مجالس الولايات في وضع التشريعات اللائحية بما تضعه السلطة المركزية من قوانين، والتي تتولى أيضًا تحديد كيفية تشكيل هذه المجالس. ويمنح المشروع السلطة التنفيذية المركزية أيضّا سلطات واسعة في مواجهة الوحدات غير المركزية، إذ أنّ لها أن تتدخل في حالات منها منع أي تجاوز للاختصاص، أو التصدي لعجز في أداء المهام، أو عدم الاستجابة للمعايير والخط والسياسيات الوطنية، أو الإضرار بالمصلحة العامة.

الشريعة والمرأة
وفيما يتعلق بدور الشريعة، أدخل المشروع الجديد تغييرات قليلة على مقترح لجنة العمل السابق.

وفي شأن المرأة، استحدث المشروع الجديد بعض التغييرات، لم تزل المرأة الليبية المتزوجة من أجنبي غير قادرة على نقل الجنسية لأولادها منه، وإن كان المشروع قد أوجب على الدولة أن تتخذ ما يلزم لحماية حقوقها المكتسبة، ومنح المشروع أيضا حصة «كوتا» للمرأة لا تقل عن 25٪ في المجالس المنتخبة لمدة (3) دورات متتالية.

من أهم التعديلات القليلة، المهمة، ما لحق بتشكيل مجلس الشورى. ما زال المجلس مكونًا من غرفتين: النواب والشيوخ، ولكن، في حين كان تشكيل الأخيرة مبنيًا على تمثيل الأقاليم التاريخية الثلاثة دون اعتداد بتفاوتها، الكبير، في عدد السكان، عدل مشروع يوليو 2017 في هذا التشكيل ليمنح غرب البلاد، أكبر الأقاليم سكانًا، أعضاء أكثر : 32 من أصل 78، وينقص من حصص الإقليمين الآخرين: 26 للإقليم الشرقي و20 للإقليم الجنوبي.

للاطلاع على العدد «112» من جريدة «الوسط» اضغط هنا