ثلاث دروس مستفادة من الحرب ضد «داعش» بسرت

وصف باحث بجامعة كامبردج البريطانية الانتصار ضد تنظيم «داعش» في مدينة سرت بأنه «الأبرز الذي حققته الإدارة الأميركية السابقة برئاسة باراك أوباما».

وقال الباحث جيسون باك في مقال نشره موقع معهد «أتلانتيك كاونسيل» الأميركي إن القوات الليبية الموالية لحكومة الوفاق الوطني استطاعت خلال 8 أشهر هي عمر المعارك ضد التنظيم في سرت، طرد عناصر التنظيم من المدينة واستعادة السيطرة عليها بمساعدة حملة جوية أميركية نفذت ما يقرب من 500 ضربة جوية ضد مواقع وقيادات التنظيم.

هزيمة «داعش» في سرت «الانتصار الأبرز للإدارة الأميركية السابقة»

لكن كاتب المقال لفت إلى تخوفات من انتشار عناصر «داعش» في مناطق أخرى داخل ليبيا، بشكل سري، أو هروبهم للخارج بسبب التأخر في فرض حصار بحري على طول السواحل الليبية بالتزامن مع بدء الحملة العسكرية ضد التنظيم.

ومع انتهاء العمليات العسكرية ضد «داعش»، أشار المقال إلى ثلاثة دروس استراتيجية للتجربة في ليبيا، يجب الاستفادة منها لنجاح الحملة الدولية ضد «داعش» سواء في سورية والعراق أو غيرهما.

فشل الحكم
وأرجع جيسون باك انتعاش الحركات «الجهادية» إلى فشل الحكومات وأنظمتها، إذ أوضح أن تنظيم «داعش» في ليبيا نجح في جذب بعض من الموالين لنظام معمر القذافي وبعض المعارضين له على حد السواء.

وجاءت مدينة درنة خير مثال على ذلك، حسب الكاتب، الذي قال إن «داعش» استخدم شعارات رنانة مثل «استكمال الثورة وتطهير بقايا نظام القذافي» للفوز بدعم المجموعات المحلية. وظهر «داعش» للمرة الأولى في درنة يونيو العام 2014، وذلك وسط تنافس المجموعات المسلحة للسيطرة على المدينة وسط فراغ أمني واضح.

وفي المقابل لم يتم إدماج المدينة بشكل مناسب وفعَّال في هياكل الحكومة في مرحلة ما بعد القذافي، وتم استبعادها من سلسلة الانتخابات التي أُجريت، مثل انتخابات «المؤتمر الوطني العام» العام 2012، وانتخابات الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور العام 2014، والانتخابات البرلمانية في يونيو من العام نفسه، وذلك لـ«أسباب أمنية وإدارية» وبالتالي عزل درنة من المشهد السياسي مما زاد الاختناقات الداخلية.

«الحكومات الليبية أهملت مدينة درنة ، وتم استبعادها من سلسلة الانتخابات التي أُجريت وعزلها من المشهد السياسي»

ونجح «داعش» أيضًا، وفق المقال، في جذب عدد من الموالين لنظام القذافي، إذ تم تهميش الدوائر الانتخابية المعروفة تاريخيًا بدعمها لمعمر القذافي، وجاء قانون العزل السياسي في مايو العام 2013 لحرمان جميع مسؤولي النظام السابق من الوظائف العامة، واعتبر كثيرون القانون بمثابة «أداة يستخدمها صناع القرار لمعاقبة أعدائهم».

وتكرر السيناريو نفسه في مدينة سرت، إذ كون «داعش» تحالفات مع عناصر من قبائل مثل المقارحة وورفلة وفرجان والقذاذفة، وقال الباحث إن تلك القبائل «شعرت بالسخط لتهميشها». وهجرت الحكومات مدينة سرت حتى تحولت إلى «مسرح للقتال بين المجموعات المتنافسة».

وأكد الباحث أن ظهور «داعش» وغيره من المجموعات «الجهادية» في ليبيا، كان سببه الرئيس فشل أنظمة الحكومة وسوء إدارة مرحلة الانتقال الديمقراطي، والتي انتهت بظهور ثلاث حكومات، وأدى ذلك مباشرة إلى انهيار حكم القانون والأمن وانشار الفساد والركود الاقتصادي وتهميش عدد من القبائل والمجتمعات، وتمكين المجموعات المسلحة، وتوسيع حلقة عدم الاستقرار.

وقال باك: «اعتاد المبعوث الأممي مارتن كوبلر المزاح والقول إن (داعش) هو الحكومة الفعَّالة الوحيدة في ليبيا، وللأسف حمل ذلك بعضًا من الحقيقة. فهيكل الحكم للتنظيم كان أفضل من أي حكومة ليبية سابقة».
إضعاف «داعش» يقوي «القاعدة»
ووفقًا للباحث فإن «داعش» لم يكن التنظيم الأكثر تجذرًا أو الأقوى في ليبيا. فمنذ طرد «داعش» من سرت، استمر القتال بين مجموعات جهادية ومسلحة في مدن ليبية أخرى، مثل مدينة بنغازي وفي منطقة الهلال النفطي.

وأوضح أن «تواجد الحركات (الجهادية) في ليبيا يسبق (داعش) وسيستمر بعده»، وأضاف أن المجموعات الموالية لتنظيم «القاعدة» أثبتت مرونتها في ليبيا ومنطقة شمال أفريقيا وفي سورية، وتستطيع التأقلم وإقامة تحالفات، وخروج عناصر «داعش» يساعد الموالين لـ«القاعدة».

وكان «داعش» نجح في السيطرة على سرت، في الوقت الذي خلت فيه المدينة من أي تأثير لمجموعات جهادية أخرى أو أي سلطة وطنية تقاوم انتشاره. ودخل التنظيم عقب خروج تنظيم «أنصار الشريعة» منها على يد قوات ليبية من الشرق.

هيكل حكم «غير قابل للاستمرار»
رغم الأساليب الوحشية التي استخدمها «داعش» لإحكام قبضته على سرت، ربما يكون أبرزها «سحق التنظيم لتمرد قبيلة الفرجان ضده بعد مقتل أحد أفرادها»، رأى المقال أن «وحشية التنظيم المطلقة، والانطباع العام أن التنظيم مجرد أحد أساليب الحكم الخارجية التي تفرض نفسها على ليبيا، ساهما في سقوط (داعش)».

«رغم فشل هيكل حكم (داعش) اقتصاديًا واجتماعيًا، إلا أن كثيرًا من المشاكل الإدارية ما زالت قائمة في المدن الليبية»

وأوضح أنه رغم الصلات القوية بين المجموعات «الجهادية» في ليبيا وتلك الموجودة في سورية والعراق، لم يكن ذلك كافيًا للتغلب على المعارضة المحلية الشديدة لـ«داعش» في ليبيا. وتابع أن «داعش» استعدى المجموعات المحلية، مما ساهم في سقوط التنظيم في وقت سريع.

وقال الباحث أيضًا إن نموذج التنظيم الاقتصادي في ليبيا «غير قابل للاستمرار»، فالتنظيم اعتمد على ضخ ملايين الدولارات من قياداته في سورية والعراق للتوسع في ليبيا في بدايته، لكنه اعتمد على عمليات النهب والسرقة وفرض ضرائب على المواطنين، ولم يستطع التنظيم السيطرة على أي من حقول أو منشآت النفط الرئيسة دون أي مصادر دخل مستدامة.

ورغم أن هيكل حكم «داعش» في ليبيا أثبت فشله اقتصاديًا واجتماعيًا، ولم يستطع إنشاء قاعدة اجتماعية له، إلا أن كثيرًا من المشاكل الإدارية ما زالت قائمة، وحتى الآن لم نعرف كيف سيتم إدارة مدينة سرت عقب خروج التنظيم.