أزمة اختصاصات النفط والغاز تدخل متاهة التعقيد

لا تزال أصداء الصراع على اختصاصات قطاع النفط والغاز في ليبيا تراوح مكانها على خلفية توزيع المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني تلك الاختصاصات بين مجلس الوزراء والمؤسسة الوطنية للنفط، وهي الخطوة التي اعتبرها مصطفى صنع الله رئيس المؤسسة «غير شرعية»، حين قال إن الرئاسي تجاوز صلاحياته وتدخل في تغيير وتقييد سلطات وواجبات ومسؤوليات المؤسسة الوطنية للنفط.

للاطلاع على العدد 72 من جريدة «الوسط»

المجلس الرئاسي اتخذ خطوة أخرى لتثبيت دعائم قراره السابق من خلال تشكيل لجنة لبدء اعتماد تراخيص الاستثمار وعقود الامتياز وما في حكمها من عقود استخراج النفط والغاز وإلغائها والقبول بالتحكيم وفقًا للتشريعات النافذة.

وضمت اللجنة في عضويتها كلاً من محمد أحمد عون رئيسًا، وعضوية كل من مدير إدارة الشؤون المالية والإدارية بالمؤسسة الوطنية للنفط ومدير إدارة الشؤون المالية والإدارية بوزارة النفط والغاز سابقًا، في محاولة على ما يبدو لإحداث توازن بشأن متخذي القرارات الحالية.

ومنحت المادة الثالثة من القرار للجنة الحق في الاستعانة بمن ترى ضرورة الاستعانة به، فيما شدد المجلس الرئاسي على العمل بالقرار من تاريخ صدوره وإلغاء كل حكم يخالف أحكامه.

الخطوة السابقة اعتبرها مراقبون تحمل رفضًا ضمنيًا لموقف صنع الله، لكنّ رئيس مؤسسة النفط ردّ على خطوة الرئاسي بمواصلة مهامه بشأن القطاع، حيث التقى الاثنين، إدارة شركة الجوف للتقنية النفطية، ووضع خطة إعمار الشركة وأعمال الصيانة الضرورية، وبحث أزمة تأخر صرف الرواتب والميزانيات.ووفقًا لموقع المؤسسة، فقد ناقش الاجتماع أعمال الصيانة الضرورية التي تعتبر أساسية لزيادة الإنتاج ورؤية الإدارة لتفعيل نشاط الشركة وزيادة نسبة استحواذها على سوق الخدمات النفطية، فيما تعهد رئيس المؤسسة الوطنية للنفط بتقديم كل الدعم للنهوض بالشركة وتعظيم العائد الاقتصادي.

وفي سياق متصل تحدثت جريدة «ذا غارديان» البريطانية عما سمته «صراعًا جديدًا يحتدم بين المؤسسة الوطنية للنفط والمجلس الرئاسي»، للسيطرة على الثروة النفطية يهدد بزيادة الانقسامات في الدولة، ويقوض سلطة حكومة الوفاق الوطني «الهشة بالفعل».

وأشارت الجريدة إلى قرار المجلس الرئاسي توزيع الاختصاصات التي كانت مسندة إلى وزارة النفط والغاز، بين رئاسة الوزراء والمؤسسة الوطنية للنفط، الذي بموجبه تختص رئاسة مجلس الوزراء بالإشراف على استثمار الثروة النفطية وحسن استغلالها، واعتماد مشروعات خطة التحول والخطط المتعلقة بزيادة القدرة الإنتاجية، على أن تتولى مؤسسة النفط اقتراح الخطط التنفيذية وإعداد مشروعات لتحقيق أعلى عائد، والإشراف على أنشطة الشركات النفطية العاملة في ليبيا.

سفراء الدول الخمس بمجلس الأمن تنحاز إلى موقف صنع الله وتطالب بضبط النفس

وقالت «ذا غارديان» إن قرار المجلس الرئاسي الأخير «يفتح الباب أمام تفشي الفساد، وإساءة استخدام العائدات النفطية لأغراض سياسية أو شخصية». وأضافت: «إن الانقسام داخل مؤسسة النفط، باعتبارها الجسم الوحيد المسؤول عن العائدات النفطية، والانقسام حول توزيع العائدات النفطية يسرع من تفكك الدولة نفسها».

ورأت أن هجوم صنع الله الأخير ضد حكومة الوفاق يضعف الدعم الدولي لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج. فرغم الانقسام والاستقطاب المسيطر على المشهد السياسي، يظل صنع الله واحدًا بين شخصيات عامة معدودة تتمتع باحترام الجميع.

وكان سفراء الدول الخمس الدائمين بمجلس الأمن أصدروا بيانًا مشتركًا، الأسبوع الماضي، انحاز لصنع الله، مطالبًا جميع الأطراف بضبط النفس، ومؤكدًا أن الثروة النفطية وعائداتها والمنشآت النفطية هي مقدرات الشعب الليبي، ويجب أن تظل تحت سلطة المؤسسة الوطنية للنفط، وهو بيان اعتبرته الجريدة «بيانًا غير اعتيادي، حيث إنه لم يؤكد أن حكومة الوفاق الوطني هي الحكومة الشرعية الوحيدة في ليبيا، مثل جميع البيانات الدولية الأخرى».

وتعد المؤسسة الوطنية للنفط واحدة من بين المؤسسات القليلة التي لا تزال تعمل بفاعلية داخل الدولة، في ظل الانقسام المسيطر على الوضع، وتفاقم التوترات بين الفصائل المختلفة، أبرزها رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، وقائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر.

وأصدر المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني في 25 مارس الماضي القرار رقم (270) لسنة 2017، والذي يقضي بتوزيع الاختصاصات التي كانت مسندة إلى وزارة النفط والغاز في مجال النفط بين رئاسة الوزراء والمؤسسة الوطنية للنفط، وهو القرار الذي أثار جدلاً قانونيًا ما زال قائمًا.
لكن رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله طالب في 27 مارس المجلس الرئاسي بسحب القرار، لأن «المجلس الرئاس ليست لديه السلطة القانونية لتغيير أو تقييد سلطات وواجبات ومسؤوليات المؤسسة الوطنية للنفط».

وعلى صعيد الإنتاج، نقلت وكالة «رويترز» عن مصدر نفطي ليبي استئناف الإنتاج بحقل الشرارة النفطي (أكبر حقول ليبيا)، بعد توقف دام أسبوعًا إثر إغلاق خط الأنابيب الذي يربط الحقل بميناء التصدير، إذ بلغ إنتاج الحقل الاثنين نحو 120 ألف برميل يوميًا، لكنّه كان يضخ أكثر من 220 ألف برميل يوميًا قبل توقفه في 27 مارس.

وفي 28 مارس الماضي، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط حالة القوة القاهرة بحقلي الشرارة والوفاء، في أعقاب تعطيل مجموعات مسلحة الإنتاج بالحقلين؛ مما قلص إمدادات البلاد بمقدار 252 ألف برميل يوميًا.

وقال المصدر النفطي: «إن النفط الخام انتقل من حقل الشرارة إلى مصفاة الزاوية غرب البلاد ليلة الأحد»، لكنه نبه إلى أن حالة القوة القاهرة لا تزال قائمة في الوقت الجاري، متوقعًا رفعها في وقت مبكر من صباح غد الاثنين.

وأوضح المصدر أن رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله تمكن من إقناع المجموعة التي أغلقت خط الأنابيب بأهمية استئناف تدفقات النفط «دون قيد أو شرط».

استئناف الإنتاج بحقل الشرارة النفطي.. وإدخال 5 آبار جديدة بحقل مسلة

وأشارت «رويترز» إلى أن حقل الشرارة النفطي الذي تشغله شركة «ريبسول» الإسبانية ويقع في صحراء مرزق جنوب غرب ليبيا، كان ينتج نحو 220 ألف برميل يوميًا قبل الإغلاق.

واستفادت أسعار النفط العالمية من تعافي الإنتاج من ليبيا حيث طغى انتعاش في إنتاج النفط الليبي على بيانات اقتصادية آسيوية تبعث على التفاؤل تشير إلى طلب قوي على الطاقة من المنطقة.
وفي سياق متصل، قال مدير حقل مسلة النفطي المهندس عبدالقادر مفتاح ميلاد إن الفنيين والعاملين بالحقل استطاعوا إدخال خمسة آبار جديدة بمنطقة (V V) التابعة للحقل إلى العمل.

وأوضح ميلاد لـ«الوسط» أن الإنتاج اليومي لحقل مسلة الذي يغذي ميناءي الحريقة ورأس لانوف النفطيين يبلغ نحو «65 ألف برميل»، وأن الآبار الخمس الجديدة التي دخلت الخدمة «تنتج ما قيمته من 4000 إلى 5000 برميل يوميًا».

وأكد ميلاد أن دخول الآبار الخمس للعمل في حقل مسلة النفطي «سيزيد قيمة الإنتاج اليومي للحقل»، شاكرًا جهود العاملين بالحقل، والتي قال إنها «من العناصر الوطنية والتي تتمتع بالكفاءة والخبرة».

وكان إنتاج حقل مسلة النفطي قبل قيام ثورة 17 فبراير يصل إلى 100 ألف برميل يوميًا لكنه تعرض لهجوم في 4 أبريل 2011 ألحق أضرارًا بمنشآت الحقل، مما أدى إلى تناقص إنتاجه لنحو 65 ألف برميل يوميًا.

وبينما دخلت الأمور خانة جديدة من التعقيد بعدما انتهت جولة من الصراع المسلح للسيطرة على الموانئ والمنشآت النفطية، فإن إمكانية التوصل لتفهمات بشأن اختصاصات النفط والغاز تظل رهينة التوافق السياسي بين الأطراف الليبية.

ويخضع إنتاج النفط لاختبار الاستقرار لإعادة الإنتاج والتصدير بهدف الوصول للمعدلات السابقة، وفق مخطط مؤسسة النفط الوطنية لزيادة الإنتاج إلى 1.2 مليون برميل يوميًّا بحلول شهر أغسطس المقبل، وإلى 1.7 مليون برميل العام 2018، لكن يبدو أن الأحداث الأخيرة «ستضع نهاية لتلك الخطط في حال استمرت الاضطرابات الأمنية والسياسية بالبلاد».

للاطلاع على العدد 72 من جريدة «الوسط»