ليبيا تدخل مرحلة «الإظلام التام» للمرة الأولى

فيما كانت الاتصالات واللقاءات تتم في عدد من عواصم دول الجوار الليبي ودول الاتحاد الأوروبي، حول سبل إزالة العوائق من مسار الاتفاق السياسي، في محاولة لكسر الجمود السياسي الذي عليه الأزمة الليبية منذ أشهر، والوصول بهذه الأزمة إلى حل يرضي كل أطرافها، كانت العاصمة الليبية ومعها باقي المدن والبلدات تعيش حالة إظلام تام (Black out) جراء انقطاع التيار الكهربائي الذي يكاد يشل حركة الناس بتداعياته التي طالت كثير القطاعات الخدمية، وما زاد في معاناة الناس هو تزامن ذلك مع موجة البرد التي تشهدها معظم المناطق الليبية.

في العدد 61 من «الوسط»: «عتمة ليبيا» السياسية والكهربائية و«الفصائل والعنف، وتكلفة المعيشة في ليبيا

مناطق الجنوب الليبي تجد نفسها مرة أخرى الأكثر تضررًا ودفعًا لثمن حالة الفوضى والانهيار الذي تعيشه البلاد مع مزيد انهيار الخدمات، فلم يكد أبناء هذه المناطق يفلتون من خطر توسع الاقتتال المسلح الذي لاحت نذره عدة مرات خلال الأشهر الماضية حتى طوقتهم الأزمات المعيشية، نتيجة انقطاع الكهرباء لأكثر من عشرة أيام متواصلة وقبلها متقطعة، وما جره ذلك من نقص المياه وانعدام الخدمات، ما دعا عددًا من النواب إلى تعليق عضويتهم في مجلس النواب، فيما هددت المجالس البلدية باتخاذ إجراءات تصعيدية لإجبار المسؤولين على حل مشاكلهم، بعد أن دعت نوابها وقياداتها إلى حضور اجتماع عاجل، مقرر له بعد غد السبت، لبحث الأزمة ووضع حلول لها تفاديًا لمزيد من التدهور، وكانت مجالس بلديات المنطقة الجنوبية أصدرت بيانًا، الثلاثاء الماضي، أعلنت فيه أن منطقة فزان تعتبر «منطقة منكوبة».

مخاوف من مصير الأزمة
في هذا الوقت وأمام تخوف الكثيرين من دخول الأزمة الليبية برمتها حالة الـ(Black out) لم تتوقف الاتصالات بين أطراف الأزمة الليبية والمسؤولين في دول الجوار الليبي والمبعوثين الدوليين إلى ليبيا، في سياق جهود بدأت منذ أشهر من أجل الخروج بالأزمة الليبية من حالة الجمود والمراوحة، إلى حالة حركة تزيل معوقات تنفيذ الاتفاق السياسي، وصولاً إلى حل شامل يتوافق عليه جميع الأطراف.

وفي السياق زار رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، فائز السراج، القاهرة الأسبوع الماضي حيث استقبله الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، بعد أن التقى كبار المسؤولين المصريين وفي مقدمتهم رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الفريق محمود حجازي، وقال الناطق باسم رئاسة الجمهورية المصرية، السفير علاء يوسف، في تصريحات صحفية إن الرئيس السيسي أكد للسراج «موقف مصر الثابت من دعم وحدة واستقرار ليبيا واحترام إرادة شعبها الذي تربطه بالشعب المصري علاقات وثيقة ممتدة عبر التاريخ»، مشيرًا إلى «سعي مصر لدعم الوفاق بين مختلف مكونات الشعب الليبي وإيجاد حل ليبي خالص يرسخ دعائم المؤسسات الوطنية الليبية ومن دون أي تدخل خارجي».

وخلال وجوده في القاهرة اجتمع السراج مع أمين عام جامعة الدول العربية، أحمد أبوالغيط، وبحثا آخر المستجدات في الساحة الليبية والجهود المبذولة لإخراج ليبيا من أزمتها الراهنة.

السراج تلقى هذا الأسبوع دعوة من الممثلة العليا للأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، لزيارة بروكسل عقب محادثات هاتفية مطولة جرت بينهما أول من أمس الثلاثاء، «تمحورت حول الدعم الذي يقدمه الاتحاد الأوروبي لحكومة الوفاق والشعب الليبي، وناقشت خلالها الوضع الأمني والسياسي في ليبيا»، بحسب بيان نقلته وكالة الأنباء الإيطالية «آكي» عن مكتب موغيريني.

صفقة كبرى
وعلى المستوى الدولي أيضًا، وتحديدًا في العاصمة الفرنسية باريس؛ حيث انعقد قبل أيام مؤتمر باريس للسلام في الشرق الأوسط، التقى وزير الخارجية المصري سامح شكري نظيره الجزائري رمطان لعمامرة على هامش المؤتمر، وكانت مناسبة لمناقشة تطورات الوضع في جارتهما ليبيا، صرح شكري بعدها: «إن القاهرة استقبلت رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فائز السراج، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح وقائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر؛ بهدف تقريب وجهات النظر والرؤى حول الأسلوب الأمثل لتنفيذ اتفاق الصخيرات وكيفية التعامل مع بعض الجوانب الخلافية».

في العدد 61 من «الوسط»: «عتمة ليبيا» السياسية والكهربائية و«الفصائل والعنف، وتكلفة المعيشة في ليبيا

بينما أوضح المتحدث باسم الخارجية المصرية، المستشار أحمد أبوزيد، أن «اللقاء تناول عددًا من الملفات الإقليمية خاصة الوضع في ليبيا؛ حيث أكد الوزير شكري أهمية الدور العربي خاصة دول الجوار العربية في إيجاد حلول تضمن الحفاظ على كيان الدولة الليبية وحماية مؤسساتها، مشددًا في هذا الصدد على محورية اتفاق الصخيرات كأساس لاستعادة الاستقرار وتفعيل دور المؤسسات الوطنية الليبية، ومعربًا عن تطلع مصر لمزيد التعاون والتنسيق في الشأن الليبي مع الجزائر»، في إشارة إلى ما يعتقده المتابعون للشأن الليبي، تحركًا باتجاه بلورة مبادرة من قبل جارات ليبيا مصر وتونس والجزائر لحل الأزمة الليبية، بعد سلسلة الاتصالات واللقاءات التي شهدتها في هذا الاتجاه عواصم الدول الثلاث. وبالتزامن مع هذا الحراك تحدث مبعوث الولايات المتحدة الخاص إلى ليبيا، جوناثان واينر، عما وصفه بـ«صفقة كبيرة لتنفيذ الاتفاق السياسي»، وغرد واينر عبر حسابه على موقع تويتر: «إنه يجب على الأطراف الإقليمية أن تساعد ليبيا على الخروج من مأزقها والاتفاق على صفقة كبيرة لتنفيذ الاتفاق السياسي».

وقال: «اللاعبون الإقليميون يجب أن يعملوا لمساعدة ليبيا على إنهاء مأزقها والاتفاق على صفقة كبيرة لتنفيذ الاتفاق السياسي».

ويرى البعض أن المبعوث الأميركي واينر ربما عني بـ«الصفقة» الوصول إلى اتفاق على تعديل اتفاق الصخيرات بشكل يستجيب لمطالب التعديل التي طرحتها أطراف عدة، وكان آخرها ما تضمنته البيانات الصادرة عن اللقاءات التي شهدتها القاهرة أخيرًا بين اللجنة الحكومية المصرية المكلفة بالملف الليبي، وشخصيات سياسية وبرلمانية وإعلامية واجتماعية ليبية، قد تقود إلى خيار تعديل تركيبة المجلس الرئاسي، وربما فصل رئاسته عن رئاسة الحكومة.

مبادرة في الانتظار
وفي انتظار أن تتبلور الجهود الإقليمية والدولية في شكل مبادرة أو شبه مبادرة جديدة لحل الأزمة الليبية، فإن الجميع على ما يبدو يستعجل إنجاز ذلك قبل تولي الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، ليكون في أيدي المعنيين بالأزمة الليبية مشروع للحل يمكن التعاطي بشأنه مع الإدارة الأميركية الجديدة.

وكل ذلك يبقى أيضًا مرهونًا بمدى ما يمكن أن يؤدي إليه الوضع المتأزم في ليبيا أمنيًا وسياسيًا ومعيشيًا من تداعيات قد تدفع بالأزمة إلى مزيد التعقيد.

كلمات مفتاحية