اتفاق الصخيرات على عتبة عامه الثاني بين جمود السياسة ونشاط السلاح

مع استمرار تعطّل المسار السياسي للأزمة الليبية يدخل الاتفاق السياسي الأسبوع المقبل (17 ديسمبر) عامه الثاني، فيما يتجلّى طغيان الوجه الأمني والعسكري للأزمة الليبية في أشد مظاهره سخونة، من بنغازي إلى طرابلس مرورًا بسرت والهلال النفطي، وقبله كانت سبها مسرحًا لاشتباكات الأيام الستة التي حصدت أكثر من عشرين قتيلاً وأربعين جريحًا.

اشتباكات طرابلس
في طرابلس استيقظ سكان العاصمة طرابلس صبيحة الخميس الماضي على أصوات إطلاق الرصاص وقذائف الأسلحة المتوسطة والثقيلة، فيما تبين أنها اشتباكات بين بعض المجموعات المسلحة المنتشرة في المدينة، وأمام حالة الرعب التي أحدثتها الاشتباكات والتخوف من توسعها، أصدر المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني بيانًا أعلن فيه تكليف وزارة الداخلية باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية أرواح وممتلكات المواطنين والمنشآت العامة في طرابلس، والتنسيق مع وزارة الدفاع والحرس الرئاسي بشأن ذلك، لافتًا إلى أن «المظاهر المسلحة وسط العاصمة وفي مدن ليبية أخرى هي نتاج تركة ثقيلة من التجاوزات والمشاكل على أكثر من صعيد».

للاطلاع على العدد (55) من «جريدة الوسط» اضغط هنا (ملف بصيغة pdf)

التطورات السابقة دفعت المبعوث الأممي إلى ليبيا، مارتن كوبلر، للمطالبة بضرورة تنفيذ الترتيبات الأمنية الواردة في الاتفاق السياسي «لتخليص المدن من الجماعات المسلحة واستعادة النظام والأمن لشعب ليبيا»، كما أعربت الولايات المتحدة عبر نائب الناطق باسم الخارجية الأميركية مارك تونر عن قلقها العميق «إزاء تصاعد العنف بين المجموعات المسلحة في طرابلس»، داعية جميع الأطراف إلى الاستجابة فورًا لنداء حكومة الوفاق الوطني بوقف القتال، فيما رأى مصدر أوروبي في تصريح إلى «الوسط» ضرورة التعامل مع «الجماعات المسلحة في ليبيا»، معتبرًا أن ذلك «يجب ألا يشكل ذريعة لعدم التحرك أو القيام بأي شيء».

مرحلة جديدة
ولوحظ أن أطراف الاشتباكات كانت منخرطة في تحالف قوات «فجر ليبيا» قبل أكثر من عامين، وهو التحالف الذي تقاسم السيطرة على العاصمة منذ ذلك الحين، وشكل ما عرف بـ«حكومة الإنقاذ»؛ مما يؤكد تفكك هذا التحالف، منهيًا مرحلة «فجر ليبيا» وربما مؤسسًا لمرحلة جديدة تدخلها العاصمة طرابلس، في انتظار تداعيات أحداث الساعات الأربع والعشرين الأخيرة.

في الأثناء كانت قوات «البنيان المرصوص» التابعة لحكومة الوفاق الوطني تواصل تقدمها على مختلف محاور القتال في مدينة سرت ضد تنظيم «داعش»، وأعلنت أول من أمس الثلاثاء سيطرتها على جميع المناطق التي كان يتمركز بها التنظيم وقواته، لكن بيان تحرير المدينة المفترض أن يصدر عن المجلس الرئاسي قد تأخر صدوره. ويبدو، وفق مسؤول بحكومة الوفاق، أن البيان سيصدر بعد التنسيق مع الولايات المتحدة التي لم تعلن حتى الآن من جهتها انتهاء عملياتها الجوية العسكرية ضد «داعش» في سرت.

تصعيد في الهلال النفطي
وفيما كان الجميع ينتظر صدور بيان التحرير، فوجئوا بتصعيد عسكري في منطقة الهلال النفطي للمرة الأولى بعد إخراج قوات حرس المنشآت التي يقودها إبراهيم الجضران من المنطقة، من قبل قوات الجيش التابعة للقيادة العامة، ولم تتضح على وجه الدقة هوية القوة التي هاجمت بلدة بن جواد صبيحة أمس الأربعاء، والتي يبدو أنها كانت في طريقها إلى موانئ الهلال النفطي، إلا أن آمر حرس المنشآت النفطية التابع للقيادة العامة للجيش العميد مفتاح المقريف اتهم في بيان له المجلس الرئاسي بأنه وراء الأحداث.

وفي بنغازي هز انفجاران متتاليان منطقة بوعطني في وقت يحاول فيه الجيش السيطرة على منطقة قنفودة والقضاء على آخر جيوب ما يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي»، المتحالف مع تنظيمي «داعش» و«أنصار الشريعة».

إحاطة كوبلر
وسط هذه الأجواء التي طغى فيها صوت السلاح، وظلّ المسار السياسي في حالة جمود، أدلى المبعوث الأممي إلى ليبيا مارتن كوبلر بإفادته أمام مجلس الأمن، مساء أول من أمس الثلاثاء، واضعًا الدبلوماسية الدولية في مواجهة خيار وحيد هو الاستمرار في دعم الاتفاق السياسي، باعتباره الإطار الوحيد للحل الشامل في البلاد، وذلك بعد قرابة عام من توقيعه في مدينة الصخيرات المغربية برعاية الأمم المتحدة، غير أن أوساطًا سياسية غربية رأت في ذلك حجبًا لاحتمالات أخرى قد تكون، وفق تقديرها، مطروحة في دوائر صنع القرار العالمية والإقليمية، ومن بينها تغيير المواقف الغربية باتجاه دعم قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر.

للاطلاع على العدد (55) من «جريدة الوسط» اضغط هنا (ملف بصيغة pdf)

وفي إفادته شدد كوبلر على أنه «يمكن معالجة جميع المسائل العالقة، بما في ذلك القيادة العليا وتسلسل القيادة في الجيش الليبي من خلال العملية التي ينص عليها الاتفاق السياسي الليبي». وشدد على أن «الطريق إلى الأمام ينبغي أن يتضمن حوارًا شاملاً للجميع وسلميًا، وألا يكون هناك تصعيد عسكري على الإطلاق»، وأشار كوبلر إلى أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ستعقد اجتماعًا رفيع المستوى في 13 ديسمبر الجاري لإزالة العقبات التي تحول دون تشكيل الحرس الرئاسي، ضمن جهود البعثة لتنفيذ الاتفاق السياسي ومخرجاته.

وفي انتظار أن ينجلي غبار التصعيد العسكري من منطقة الهلال النفطي، ويعلن عن تحرير مدينة سرت من تنظيم «داعش» وما تحسمه عمليات الجيش في بنغازي، مع ترقب تداعيات المواجهة بين المجموعات المسلحة في العاصمة طرابلس، يظل السؤال قائمًا حول مدى صمود الاتفاق السياسي وهو يدخل عامه الثاني، وسط اتهامات من منتقديه بالفشل، ودعوتهم إلى بدائل تتجاوزه.