بروكسل تكافح لتجنب القطيعة مع «الباب العالي» (تقرير)

منذ توقيع الاتفاق بشأن الهجرة في مارس الماضي مع تركيا تدهورت العلاقات بين بروكسل وأنقرة بشدة نتيجة لـ«انحرافات» الرئيس رجب طيب إردوغان التي تلت المحاولة الانقلابية الفاشلة في يوليو الماضي، وهو ما تسبب في تعثر المفاوضات بشأن عملية انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي وتحرير التأشيرات للمواطنين الأتراك.

وبدأ المسؤولون الأوروبيون تدريجياً يقرون بضرورة حلحلة الموقف مع تركيا وطرح بدائل تعامل جديدة معها تجنباً لقطيعة تامة. وفي آخر تطور في هذا المضمار قال رئيس المجلس الأوروبي، دونالد توسك، إن الأعمال التحضيرية لعقد قمة أوروبية تركية خلال الشهور المقبلة، جارية على قدم وساق دون أن يُحدد موعدًا للقمة.

استمرار الحوار
ولفت توسك، في تصريحات أدلى بها مؤخراً، إلى أهمية مواصلة الحوار مع المسؤولين الأتراك، من خلال عقد اجتماعات ولقاءات بشكل دوري. وقال: «علينا التوصل لاتفاق في عدة ملفات، بما في ذلك ملف رفع تأشيرة دخول المواطنين الأتراك إلى دول الاتحاد الأوروبي».

تتوقع الدوائر الاتحادية في بروكسل إجراء قمة في الربيع المقبل في 18 مارس أو بعده بقليل

وأوضح أن ملف رفع التأشيرة يشمل بعض الشروط التي يجب تنفيذها أولا. وتابع: «نحن نعي الصعوبات التي تواجهها تركيا في الفترة الحالية، لاسيما في موضوع تعديل قانون مكافحة الإرهاب، ونعرف أن أنقرة لا تتبنى نوايا سيئة في هذا الشأن، وأنها تعاني من ظروف صعبة في الفترة الحالية». ويريد الأوروبيون حالياً بحث عدة مسائل محددة مع شريكهم التركي أبرزها التعاون الجمركي وملف اللاجئين. وتتوقع الدوائر الاتحادية في بروكسل بإجراء القمة في الربيع المقبل وربما بمناسبة مرور عام واحد على اتفاق الهجرة الموقع مع أنقرة يوم 18 مارس 2016 أو بعده بقليل.

وتوترت العلاقات التركية الأوروبية في الآونة الأخيرة إثر إقرار البرلمان الأوروبي في نوفمبر الماضي مشروع قرار غير ملزم يوصي بتجميد مفاوضات انضمام أنقرة إلى الاتحاد بسبب الإجراءات التي اتخذتها الحكومة التركية عقب محاولة الانقلاب الفاشلة.

الالتزام باتفاقية الهجرة
وقد جدد زعماء دول الاتحاد الأوروبي الأسبوع الماضي في بروكسل التزامهم باتفاقية الهجرة الموقعة بين الاتحاد وتركيا مقابل رفع التأشيرة عن المواطنين الأتراك لدخول دول منطقة «شنغن»، مشددين على أهمية تطبيق جميع بنود الاتفاقية كاملة ودون تمييز. ولم يتم التطرق في الاجتماع، إلى ملف مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، ولا الإشارة إلى قرار التوصية الصادر عن البرلمان الأوروبي، حول تعليق المفاوضات «بشكل موقت».

وبحسب تقرير أوروبي صادر في 8 ديسمبر الجاري، فإن نسبة انتقال اللاجئين يومياً من تركيا إلى اليونان انخفضت من 6 آلاف شخص إلى 81 شخصاً، وذلك بفضل الاتفاقية التي تم التوصل إليها بين الطرفين في 21 مارس الماضي.

وتتضمن الاتفاقية قبول دول الاتحاد باستقبال 72 ألف لاجئ. إلا أن التقرير الأخير يشير إلى أن دول الاتحاد الأوروبي استقبلت فقط 2761 لاجئاً سورياً، فيما وصل عدد اللاجئين الذين أعيدوا إلى تركيا بموجب الاتفاقية إلى 743 لاجئاً.

يرى الأوروبيون أن السلطات التركية لم تعدل تشريعاتها لمكافحة الإرهاب

ورغم انخفاض عدد حالات اللجوء إلى أوروبا عبر تركيا إلى حد كبير وبشكل مستدام، فإنه لم يتم تفعيل برنامج الاستقبال الإنساني الطوعي الذي يفضي باستقبال الدول الأوروبية للاجئين من تركيا بشكل طوعي على عكس ما وعدت بها.

دعم اللاجئين
وأما الموضوع الآخر الذي لم يف الاتحاد الأوروبي وعوده فيه فهو الدعم المادي للاجئين، حيث تضمنت الاتفاقية إنفاق 3 مليارات يورو في عامي 2016-2017، و3 مليارات إضافية لعام 2018. وبموجب الاتفاقية فإنه كان من المفترض أن يسدد الاتحاد الأوروبي كما هو متفق عليه 2.2 مليار دولار، حتى تاريخ 5 ديسمبر الجاري، إلا أن المبلغ المسدد بقي عند 677 مليون دولار فقط.

ويوم الثلاثاء 12 ديسمبر، لم يصدر وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي لأول مرة منذ اثنتي عشرة سنة، توصيات رسمية حول مسألة توسيع الاتحاد. ورفض وزير الخارجية النمساوي سيباستيان كورتس مشروع إعلان مشترك بشأن مفاوضات الانضمام مع أنقرة، حيث تدعو فيينا رسمياً لوقف هذه العملية.

و لا تزال تركيا تلوح بالتخلي عن الاتفاق الموقع مع بروكسل حول الهجرة وتطالب بشكل حيث إن يتم التسريع في الحصول على إلغاء تأشيرات الدخول إلى رعاياها. و يجادل الأوروبيون أن السلطات التركية لم تعدل تشريعاتها لمكافحة الإرهاب. ولكن الدبلوماسيين يرددون أنه وحتى لو امتثلت أنقرة لطلبات بروكسل، فإن اتفاقاً حول إلغاء التأشيرات يظل من الصعب انتزاعه خاصة في سياق من الانتخابات الرئاسية الفرنسية والألمانية المقبلة.

إعفاء من التأشيرات
وأكد مصدر أوروبي على عدم وجود تاريخ محدد لإقرار إعفاء المواطنين الأتراك من تأشيرات الدخول إلى دول الاتحاد الأوروبي. وفي معرض تعليقه على الإشكاليات التي تعترض طريق تطور العلاقات بين أنقرة وبروكسل، أشار إلى أن مسألة تحرير التأشيرات ترتبط بشروط يتعين تلبيتها من قبل الطرفين.

وأوضح أن الخلافات لا تزال مستمرة رغم المحادثات المكثفة بين المسؤولين في المفوضية الأوروبية والوزراء الأتراك، قائلاً: «عندما تلبي تركيا الشروط المطلوبة، وهو ما لم يحصل حالياً، تعود الكرة لملعبنا». وأقر أن النقطة المفصلية في عملية الشد والجذب بين بروكسل وأنقرة تبقى مسألة مطالبة تركيا بتعديل قانون محاربة الإرهاب.

أنقرة تبدو مقتنعة أيضاً بأهمية التركيز على الاتحاد الجمركي في مرحلة أولى في وقت يعاني اقتصادها من فترة صعبة

وتعتبر مسألة الإفراج عن تأشيرات الدخول، من أهم المحفزات التي وُعدت بها أنقرة، لدى عقد اتفاق مارس الماضي بشأن إدارة ملف اللاجئين مع الاتحاد الأوروبي. ونفى المصدر أن يكون الاتفاق قد تحدث عن آجال محددة لتنفيذ مواده، خاصة عندما يتعلق الأمر بتأشيرات الدخول، مستدركاً: «لكن يمكننا القول إن هذا الاتفاق قد أتى بثماره وهو يسير بشكل جيد رغم الانتقادات والمعوقات».

قضايا تجارية
ولتفادي القطيعة يعتبر الأوروبيون أن الحفاظ على التواصل والحار مع تركيا يعتبر حيوياً، ولكن القمة التي أعلن عنها رئيس المجلس الأوروبي قد لا تنعقد قبل الصيف المقبل أي بعد الانتخابات الفرنسية، وهي القمة التي يمكن أن توفر فرصة للتوصل إلى موقف مشترك بشأن سورية وكذلك لإحياء الاتحاد الجمركي، وإنعاش اتفاقية وقعت في العام 1995، وتقضي بإلغاء الرسوم الجمركية على البضائع بين تركيا والاتحاد الأوروبي.

ورغم مطالبتها بفتح بنود اضافية لضمها للاتحاد فإن أنقرة تبدو مقتنعة أيضاً بأهمية التركيز على الاتحاد الجمركي في مرحلة أولى؛ حيث إن أنقرة حريصة على هذا الاتحاد في وقت يعاني فيه اقتصادها من فترة صعبة من الركود وانهيار الليرة وانخفاض حاد في السياحة.

وتعمل المفوضية الأوروبية على إحياء اتفاق الجمركي، والتي قد يمكن توسيعه على المنتجات الزراعية وقطاع الخدمات. وبالتالي يمكن أن يصبح هذا الاتفاق التجاري بمثابة بديل لعملية الانضمام والحفاظ على قناة الحوار مع الأتراك.

للإطلاع على العدد 57 لجريدة «الوسط»

http://alwasat.ly/ar/news/libya/128037/

 

المزيد من بوابة الوسط