Atwasat

الدكتور محمد الدويب: كتاب «هيرودوتس» حصيلة ثلاثة عقود من الترجمة

طرابلس - بوابة الوسط: عبد السلام الفقهي الجمعة 28 يناير 2022, 12:27 مساء
alwasat radio

 تحفل المكتبات والمؤسسات الأكاديمية العربية بنسخ وطبعات لتراجم المؤرخ اليوناني الشهير هيرودوتس، إلا أن جميعها كان عبر لغة وسيطة مثل (الإنجليزية أو الفرنسية أو الإيطالية).

الدكتور محمد الدويب أستاذ اللغات القديمة بقسم التاريخ والآثار بكلية الآداب جامعة طرابلس، صدر له أخيراً ترجمة الكتب التسعة لهيرودوتس مباشرة من اللغة اليونانية إلى العربية للمرة الأولى، من منشورات وزارة الثقافة والتنمية المعرفية، وهو إنجاز كبير وقيمة مضافة للمكتبة الليبية والعربية.

في هذا الحوار الذي أجرته «الوسط» مع الدكتور محمد الدويب، حاولنا تسليط الضوء على خلفيات هذا الجهد الترجمي، والتعرف على شخصية هيرودوتس، والظروف التي عايشها والبيئة التي نشأ فيها.

● نود منكم إعطاء صورة للقارئ عن شخصية هيرودوتس ومكانته في المجتمع اليوناني، وكذلك طبيعة العصر الذي عاش فيه؟
نحتاج للإجابة عن هذا السؤال المركب إلى مساحة واسعة كونها تمثل فحوى كتبٍ وأبحاث عديدة كتبت قديماً وحديثاً وقد يكون اختصارها في جملٍ محدودة مخلاً لكننا نحيل القراء الراغبين في معرفة المزيد إلى مقدمتنا في ترجمة الكتب السابقة وفي المجلد الأخير أيضاً، وفي إيجاز يمكن القول: (هيرودوتس) Herodotus مؤرخ يوناني مشهور عاش خلال القرن 5 الخامس قبل الميلاد ولقبه الكاتب الروماني شيشرون الذي عاش خلال القرن الأول ق.م. بأبي التاريخ Pater Historiae، وعرفه العالم القديم والحديث من خلال عمله المسمى التواريخ أو كما يسمّيه البعض (التاريخ) Historiae الذي يتكون من تسعة كتبٍ ويـعد عمله أحد أعمدة الحضارة الإغريقية.

طُرحت عدة تساؤلات عن مكان ميلاد صاحبنا ووفاته وتاريخهما وعن بقية سنوات حياته ورحلاته المتـعددة»، ويخبرنا هيرودوتس عن نفسه في مقدمة كتابـه الأول قائـلا: «هذا هو تقديم البحث (التاريخ) لهيرودوتس الهاليكارنيسوسي»، أي أن المؤرخ ينسب نفسه إلى مدينة هاليكارناسوس Halikarnassus الواقعة على الشاطئ الجنوبي الغربي لآسيا الصغرى (الأناضول، تركيا الحالية)، ونسبه البعض لاحقاً إلى مدينة ثوري Thurii في جنوب إيطاليا (اليونان الكبرى) التي هاجر إليها وعاش فيها آخر حياته ومُنح حق المواطنة فيها، وينحدر من أسرة إغريقية مشهورة، وبعد الاضطرابات التي وقعت في مدينته نتيجة الصراع على السلطة بين الديمقراطيين والأوليغاركيين انضم إلى حزب المطالبين بالاستقلال الوطني، الذين حاولوا الإطاحة بالطاغية ليغداميس، وبعد الاضطرابات هرب إلى جزيرة ساموس Samos ونُفي هناك، وصودرت ثروته وأملاكه.

● ما الذي ساهم في تشكيل شخصيته ككاتب ومؤرخ؟
من خلال ما تقدم نستنتج أنه ولد وعاش في بيئة إغريقية، وبين أناس متعلمين، وتربى منذ صغره على محبة التاريخ، وتعوّد على قراءة أشعار القدماء مثل هوميروس وهسيودوس، وتعرضت شخصيته للتقييم قديماً وحديثاً، فمدحه (أرسطوطاليس) لترابط أفكاره، وبالرغم من كثرة تنقله يبدو أن فترة بقائه في أثينا تمثل ذروة شهرته؛ حيث تم تشريفه من مجلس المدينة بمنحه جائزة مقدارها عشرة تالنتات (عملة يونانية)، وبالنظر إلى الفترة التي عاش فيها في أثينا يبدو أن هذه المدينة في عصر ازدهارها خلال عهد بيريكليس قد أسهمت في تشكيل شخصيته، لأنها كانت في تلك الفترة تشهد نهضة ثقافية، وهو قد صار صديقاً حميماً للاثينيين ومدينتهم، وكتب باللهجة الإيونية رغم أصله الدوري حتى عده البعض ابناً لأثينا بالتبني.

● تقييمك لهيرودوتس بالنسبة لمعاصريه أو أسلافه من المؤرخين؟
ومن خلال عمله يمكن تقييمه والتعرف على شخصيته مقارنة بمن سبقه ومن جاء بعده من المؤرخين، فهو أول من طوّر الرواية التاريخية إلى رواية نثرية طويلة للأحداث التاريخية والوقائع الغريبة، ويعدّه البعض هوميروس عصره لأنه ابتكر لغة تأليف جديدة، ونوعاً أدبياً حديثاً لسرد الحقائق، وشق طريق البحث التاريخي، ونلاحظ ذلك من أول جملة يبدأ بها مؤلفه (Ιστορια αποδειξις ) إذ إن كلمة History التي تترجم عادة بكلمة تاريخ، كانت تعني في اللغة الإغريقية البحث والتحري وتقصّي الحقائق وصار هو النموذج الذي احتذى به توكيديديس (توسيديديس، توسيديد) Thucydides من بعده ويبين عمله ما كان يتمتع به من دقـة ملاحظة، واهتمام موسوعي، لا سيما بعد زياراته ورحلاته إلى مناطق العالم القديم في آسيا، وأفريقيا، وأوروبا وفينيقيا وبلاد ما بين النهرين، وقبرص وصقلية وكيريني (قوريني - شحات) كما كان له فخر وطني فيفخر بأنه إغريقي، دون أن يظهر أي شعور بالاشمئزاز من البربر (تعني الأجانب في الإغريقية) ولا يحتقرهم بل إنه سجل إعجابه بديانة المصريين وتراثهم القديم وتبجيلهم لآلهتهم ومدح العرب لأنهم يحافظون على العهد أكثر من بقية الشعوب، لذلك يـعد عمله من دعامات الأدب الإغريقي لأنه يعكس العقلية التي عمل بها مؤرخـاً واستحق به لقب أبي التاريخ، ولم يكن من السهل أن يبلغ ما بلغه لو لم تكن لديه معرفة جغرافية وتاريخية وأدبية واسعة، وبالرغم مما تمتع به هيرودوتس من شهرة واسعة فقد تعرض لكثير من النقد؛ إذ قال البعض إنه يدين بكثير من معلوماته لمن سبقوه، وقال آخرون إنه يعرض أشياء غير قابلة للتـصديـق، وشككوا في صحة معلوماته، غير أن الأدلة لم تكشف ذلك واستهدفت هذه الانتقادات أن تقلل من أهمية عمله ورحلاته وأصالة معلوماته، مما جعل البعض لا يقدره حق قدره.

● ما طبيعة الكتب التسعة، والزمن الذي دونت فيه والدوافع لكتابتها؟
الكتب حددها صاحبنا في عنوان الكتاب فسمّاه (التواريخ أو التاريخ)، أي أن مضمون العمل بشكل عام هو المادة التاريخية، لكننا بقراءة النص كاملاً نكتشف أنه موسوعة معرفية لزمنه وللأحداث التي تناولها والمناطق التي عرضها فشمل الجغرافيا والأساطير والعادات والتقاليد والطقوس الدينية واقتصاد بعض شعوب العالم القديم، أما زمن كتابته فهو القرن الخامس قبل الميلاد لأنه عاش بين العامين 484-425 ق.م. تقريباً، ولقد أخبرنا صاحبنا بدافع كتابته في الفقرة الافتتاحية التي استهل بها عمله بالقول: «نقدم البحث التاريخي لهيرودوتس الهاليكارناسوسي[نسبة إلى هاليكارناسوس]، حتى لا تُنسى بمرور الزمن منـجزات البشر، وحتى لا تنتهي شهرة الأعمال والأعـجوبات العظيمة التي حقـقها الإغـريق والـبربر (الأجانب)، والسبب الذي حارب بعضهم بعضاً من أجله»، أي أنه أراد تخليد الأحداث التي علم بها في ذاكرة شعبه حتى لا تُنسى الأعمال العظيمة وفي مقدمتها الحرب الفارسية اليونانية التي كانت سبباً رئيساً لتأليف العمل.

● كيف جاءت فكرة ترجمتكم للكتاب.. وما الزمن الذي استغرقته للكتب التسعة والصعوبات التي واجهتكم؟
الحقيقة أن مشروع ترجمة هذا العمل ولد منذ أكثر من ثلاثين سنة مضت عندما بدأت تدريس مادة النصوص الإغريقية بقسم الآثار جامعة قاريونس العام1990. حيث كنت أختار بعض النصوص من مؤلفين إغريق لتدريسها وأدرّب طلابي على ترجمتها وأضطر لتجديد هذا النصوص كل عام فوجدت لديّ في البداية مادة مهمة في الكتاب الرابع تتعلق بتاريخ ليبيا القديم ورأيت أن نشرها لوحدها يحرم الباحثين من معلومات تتعلق بأقاليم أخرى فأكملت الجزء الذي لم أدرّسه للطلاب وهو يفوق 75 % من النص وقدمته إلى جامعة قاريونس العامرة لنشره العام1997. وتفضّلت مشكورة بطباعته، وبمجرد أن تسلمت تجربته الأولى وجدتُ نفسي أبحث له عن شقيق فاخترت الكتاب الثاني الذي يصف مصر أصدرته جامعة قاريونس العام 2006، ولأن الدكتور/ محمد عبدالكريم الوافي رحمه الله تعالى رحمة واسعة كان قد أشار إليّ أن أجعل العمل تحت عنوان (من مصادر التاريخ القديم) وكنتُ قبل نصيحته قد وضعت العنوان (من مصادر تاريخ ليبيا القديم)، فقد كانت نصيحته سبباً في توالي الأعمال اللاحقة تحت هذه السلسلة.

أنجزت الكتاب الثالث وقدمته إلى قاريونس العام 2008. ولكن للأسف تأخر لا سيما بعد تعثر حركة النشر، مؤخراً رأى النور العام 2019 عبر مركز المناهج التعليمية والبحوث التربوية بوزارة التعليم، وخلال السنوات الأخيرة التي تركت فيها العمل الإداري وفقت في إنجاز الكتب الستة الأخرى وظللت أبحث عن ناشر للمجلد الجديد بكتبه التسعة لوقت طويل، ثم نشرت إدراجاً على صفحتي الشخصية في الـ«فيسبوك» أعلنت فيه أنني أبحث عن جهة حكومية محلية أو عربية تتولى نشره، فراسلني عدد من المهتمين أولهم صديق في العالم الافتراضي هو الأستاذ/ عصام خليفة القبائلي الذي علمت لاحقاً أنه يعمل بوزارة الثقافة وتبنى نشر العمل ولله الحمد صدر العمل خلال الشهر الماضي، والحقيقة أن الصعوبات التي تواجه أي مترجم كثيرة، خصوصا عن لغة قديم (ميتة لا يتحدثها الناس اليوم) تكون صعوباته أكثر ومهمة أشق لأنه يجب أن يستعمل قواميس اللغة القديمة واللغات الحديثة، فضلاً عن الموسوعات والمراجع المختصة بالفترة وهكذا فهو يبذل جهداً مضاعفاً.

● بالمقارنة ما الفارق الذي لامستموه بين الترجمة المباشرة عن النص الأصلي وأخرى عن طريق لغة وسيطة؟
عندما وضعنا عبارة أول ترجمة للكتب التسعة عن النص الأصلي أردنا تنبيه القارئ لا سيما المختص والمثقف أن هذه الترجمة ترجمة متخصصة نقلت النص عن لغة الكاتب مباشرة ولم تمر عبر نص إنجليزي أو فرنسي على سبيل المثال، والفارق بين الترجمتين سيلاحظه القراء والمختصون والمهتمون بمجرة الاطلاع على أية فقرة من فقرات الكتب التسعة، وقد يشبه النقل عبر لغة وسيطة بالتقليد في السلع، إذ لا يرقى تقليد السلعة إلى درجة جودة الأصلية لا سيما التي تدخلها مواد خام أقل جودة، ونحن سننتظر قراءة ونقد المختصين.

● هناك الكثير من الملاحم والأساطير اليونانية الخالدة، لماذا اخترتم هيرودوتس بالتحديد؟
كما أسلفت فإن الاختيار في البداية كان بهدف التدريس لكن أهمية العمل للباحثين في التاريخ القديم وضرورة إطلاع الباحث على نص أصلي، وحيث إن هيرودوتس هو المؤسس لعلم التاريخ في بلاد اليونان فقد أعطيته الأسبقية، وعندما أصدرت الكتاب الرابع كان كثير من زملائي وطلابي يطلبون مني مواصلة المهمة فحفّزتني هذه العوامل لترجمة بقية أجزاء العمل، وصاحبته أعمال أخرى عن اليونانية مثل: جغرافية سترابون (الكتابان 16-17)، الكتاب الرابع من جغرافية بطليموس، وأخرى عن اللاتينية هي: الكتاب الخامس من التاريخ الطبيعي لبليني الأكبر، والحرب ضد يوغرطة.

من وجهة نظركم ما الإضافة التي يشكلها العمل للمكتبة الليبية والعربية عموماً؟
المكتبة العربية تخلو من ترجمة كاملة للعمل عن لغته الأصلية فحتماً ستقدم الجديد للباحثين لا سيما الذين لا يجيدون اللغة اليونانية القديمة وقد لا يجيدون لغة أوروبية حديثة تيسر لهم العودة إلى التراجم الأوروبية، إذ ستمكنهم هذه الترجمة من العودة إلى النص الأصيل في العربية، أمّا المكتبة الليبية بشكل خاص فهي قد نالت فضل السبق في نشر أول ترجمة عربية كاملة للنص الإغريقي ومنحت الكتاب رقماً دولياً (ردمك) ليبياً وهو في حد ذاته شرف عظيم.

● هل تقيدتم بالنص الأصلي دون حذف أو تعديل أم أعدتم صياغة بعض المحتوى الذي رأيتم فيه لزوم التدخل؟
الأمانة العلمية في الترجمة تقتضي الالتزام بالنص الأصلي في المتن ونقله دون حذف بعضه أو تعديل أي جزء منه وعدم تقويل المؤلف ما لم يقله أو تحريف قوله أو توجيه رأيه، ولقد حاولت ذلك ما استطعت فإن وفقتُ فبفضل الله وإن أخفقت فمن نفسي والشيطان وأدعو الله أن يكون ما قدمته دقيقاً ومفيداً للباحثين.

● ما هي مشاريعكم المستقبلية؟
قد لا يمكنني التصريح الآن بأي مشروع مستقبلي، فقد لا يسعفني الوقت لإنجازه ولكن ما وصفناه بـسلسلة (من مصادر التاريخ القديم)، لن تتوقف بعون الله إن كان في العمر بقية وسننتقي ما يخدم المكتبة العربية والباحثين في التاريخ القديم وتظل المشكلة الأساسية هي: هل سنجد من ينشر ما نترجمه؟ وهل سيكون العمل القادم محظوظاً مثل هيرودوت؟ ذلك ما ستخبرنا به الأيام المقبلة.

نقلا عن العدد الأسبوعي من جريدة «الوسط»

الدكتور محمد الدويب (يمين) مع عبدالسلام الفقهي في حوار لـ«بوابة الوسط» (تصوير: مهند سليمان)
الدكتور محمد الدويب (يمين) مع عبدالسلام الفقهي في حوار لـ«بوابة الوسط» (تصوير: مهند سليمان)

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
«غرق التومي».. وصفة مغايرة للسقوط
«غرق التومي».. وصفة مغايرة للسقوط
تأكيد إسقاط قضية اغتصاب مرفوعة ضد المخرج لوك بيسون
تأكيد إسقاط قضية اغتصاب مرفوعة ضد المخرج لوك بيسون
محمد النعاس الفائز بـ«البوكر العربية»: هذا ما علمتني زوجتي (فيديو)
محمد النعاس الفائز بـ«البوكر العربية»: هذا ما علمتني زوجتي ...
ممثل أميركي يطالب بزيادة الضرائب على الثروات
ممثل أميركي يطالب بزيادة الضرائب على الثروات
الإيطالي باولو سورنتينو لا يرغب في تكرار التعاون مع «نتفليكس»
الإيطالي باولو سورنتينو لا يرغب في تكرار التعاون مع «نتفليكس»
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم
المزيد من بوابة الوسط