الحلقة (14) من أدبيات رسائل الفاخري

الحلقة (14) من أدبيات رسائل الفاخري

الجزء الثاني المتمم لرسالة القزيري موضوع  الحلقة( 13)

ويستطرد القزيري رسالته، التي لا ينبغي أن تقرأ وكأنها مجرد نص ساخر؛ ولكنه ممتلئ بفقرات نقدية لحالة التسيب، التي سبقت القرار الفجائي الذي خالفت به ليبيا كل الأعراف الدبلوماسية، وإن كانت قد عادت إليها من بعد فوضى، حدثت نتيجة تحويل السفارات إلى مكاتب شعبية. كان القزيري حاد السخرية في نقده بصفة عامة؛ ولكنه كان حذراً في النقد السياسي للوضع الليبي، ولكن على نطاق رفاقه القريبين، ولم يعلن هذا النقد إلا بعد أن أعلن رفضه وأصدر جريدة العنقاء في لندن، ثم أعلن معارضته للنظام والتحق بتنظيم «الاتحاد الدستوري الليبي» في 1981/10/7. كان القزيري مثقفًا من الطراز الأول وضليع في لغته الإنجليزية التي درسها في الجامعة الليبية وكان من أوائل وأبرز طلبة قسمه.

«في الاتحاد قوة، وفي الاتحاد الاشتراكي فايدة كامل.. ليل نهار!»

أذكر كنا ذات عشية في غرفة جنقي بالفندق الكبير، وكانت الأغاني الثورية، خصوصاً المصرية، تصدح من مكبرات الاتحاد الاشتراكي،الذي كان مقرة الكاتدرائية التي تقع خلف الفندق الكبير. وفيما كانت المطربة فايدة كامل تغني واحدة من أغانيها الثورية، أشعل سيجاره المعهود وقال: «في الاتحاد قوة، وفي الاتحاد الاشتراكي فايدة كامل.. ليل نهار!».

ونعود إلى رسالته، فيستطرد قائلاً: «وبهذه المناسبة كذلك علمنا أن البارون (فندوس دي نيهوم) - يقصد عبدالرحمن أخ صادق النيهوم، الذي كان يلقب (فندوس) - قد عاد إلى أرض الوطن عن طريق الفيوم على حين غرة واستولى على قصر «فقوس» من بره لبره. أما نحن المستشار الغضيب، فقد استولينا على قصر ليبيا المهيب، وسيطرنا على سائر أجنحته، وأماكنه وما فيه، بحجة أن (البيت لساكنه) و(القصر لقاطنه) و(كيده على بانيه). ونصيحتي لك، الزناتي خليفة، أن تبادر أيضاً بالحضور كي تحتل آخر ما تبقى لفلول النبلاء المهزومين من قصور- وإلا سبقك السير بوزيد الهلالي، وقعدت وحدك في الغربة (أتلالي)، ونعني بالقصر المذكور (قصر الجدي) المنيف المزود بحمام وكنيف.

أنتقل بك الآن، إلى ما كان من أمر الصعلوك (شكاني)، بعد أن أغلقت في وجهه أبواب مصر.. إنه ما برح يتأبط ملفه كالعادة، مع فارق بسيط؛ حيث أنه لم يعد يمثل دور العبيط، وقد تضخم (أي الملف) حتى صار في حجم الوسادة. فهو الآن يحمل جميع الشهادات والمستندات الرسمية الدالة على أنه (هبل مية فالمية) وهكذا ثبتت له العباطة بما لا يدع مجالاً للشك، فأُعفى من الخدمة العسكرية دون حاجة إلى وساطة ولا حتى زقاطه..... بل سمح له بالعودة إلى البنك. ومن الجدير بالذكر أن وزنه قد خف إلى درجة يمكن ملاحظتها بالعين المجردة، كما خف دمه إلى حد الإصابة بفقر الدم، غير أن حالته على وجه العموم وبصريح العبارة أشبه ما تكون بحالة (الكرموس في الغرارة)، فهو دائما قلق كعادته ومهموم، وتبدو على (فاشته) سيما العبوس، كمن دس أنفه في خرارة!

أما الكردينال عبدالرحيم (ارحومه) الجازوي – ولم يقل ارحيمة باعتبار أن له لقباً التصق به على وزن ارحومه! - فقد سألنا عنه الكونت ونيس، فأخبرنا أنه - من حيث لا يدري – بائس تعيس. ذلك أن بحثه المستميت عن حالة الرضا والسعادة أدى به أخيراً إلى الوقوع في فخ التقوى المفرطة والمغالاة في العبادة والصلاة وغيرها من الفروض باستثناء الزكاة وتسديد القروض. ولا اعتراض لنا بطبيعة الحال، على حدوث مثل هذه الانتكاس، سوى أن عبدالرحيم المذكور - كما علمنا- قد كسر الزجاجة والطاسة، وصار متزمتاً على نحو مخيف بعد أن كان بالأمس القريب (وليد كيف). وبناء على ما تقدم رفضنا مقابلته لأننا لا نستطيع في هذا الموضوع مجاملته، ولا يسعنا إلاّ أن ندعو له بالعودة إلى صوابه والشفاء، وليفعل الله ما يشاء!

هذا الجمل البالغ الدهاء يريد أن (يفش غله) في بني قومه، وبطريقة مشروعة تماماً

وصديقنا يوسف (الجمل) كويدير حل بقصرنا لفترة وجيزة، بعد رجوعه من أميركا غاضباً لأن النصارى الأوغاد لم يسمحوا له بالإقامة هناك إلاّ بشرط (الجيزة) من إحدى بنات البلاد. وبما أنه مفتاح (عربي ليبي) أصيل يتشبث بأهداب الفضيلة والطهارة، فقد رفض أن يمارس سياسة الانفتاح عن طريق النكاح، لأية نصرانية، من هذا الجيل الفاقد للبكارة، وهكذا بقى صامداً مرفوع الجبين، وعاد (بقفازي) حُنين! وقد ذكر لنا أنه يسعى الآن إلى الحصول على وظيفة مدرب للملاكمة لدى القوات المسلحة. فهذا الجمل البالغ الدهاء يريد أن (يفش غله) في بني قومه، وبطريقة مشروعة تماماً. وذلك أنه لو تحقق له ما يصبو إليه سوف يصبح بإمكانه (الصفق) كما يشاء بينما تفرض على ضحاياه الطاعة العمياء – أو العوراء على أقل تقدير – وربما أدوا له التحية أيضاً ونصبوه شيخاً على آل كويدير. فهكذا، هكذا، وإلا فلا لا!!

علي (التلميذ) العبيدي مر من هنا مرور الكرام، فلم يمكث سوى بضعة أيام، شد بعدها الرحال عائداً إلى بلاد ( الجد سام). وقد أعطيناه – بناء على طلب كتابي منه– عنوانك ورقم الهاتف لاستعماله فيما يخوله القانون. فإذا رن عندك، وسمعت صوتاً يهتف بلكنة أجنبية (خير يا جنقي) فلا داعي أن تظن الظنون، وتوصد باب الشقة والبلكون، خشية التعرض للاغتيال على يد واحد من بني صهيون، فأغلب الظن أن الهاتف سيكون: مجرد صديقنا (سي اعْليِ)!

- ويواصل نقده وسخريته من الأوضاع العربية – ثم يدخل مباشرة في حالته من بعد أن نعين في وزارة الخارجية: ندخل الآن في حديث الجد. فهنا في أمانة الخارجية نسّبوني – حسب الاصطلاح المتعارف عليه – إلى إدارة الأميركيتين (الشمالية والجنوبية وبينهما الوسطى) – ولعله يمكن الرمز إليها سرياً بعبارة (سندوتش نصف الكرة الغربي) – ولكنني وأنت تعرف مدى طموحي الذي لا يحد – قد نصبت نفسي خبيراً في شئون بلاد (واق الواق) وبحر الظلمات.. والفويهات الغربية أيضاً. ولحسن حظ جميع الأطراف المغيبة، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية، فإن أحداً لم يستشرني في شيء حتى هذه اللحظة. وهذا يدلل على أن النية متجهة فعلاً إلى تجنب نشوب الحرب النووية!

ولكنني أتأقلم بالسرعة الكافية، وضعوني في جو شديد الشبه بالبيئة أقصى شمال العالم. وذلك أن غرفة المكتب الذي خصص لي أبرد من الجنة نفسها، ولا يشاركني فيها أحد. وقد علمت منذ اليوم الأول أن ثمة اثنين من موظفي هذه الإدارة كانا يشغلان نفس هذا المكتب الجليدي هذا ثم سافرا لقضاء إجازتهما، في مكان ما، فوقع لهما حادث سيارة في الجزائر أودى بحياة واحد منهما بينما نجا الآخر ولا يزال يعالج في إيطاليا من جراء إصابته البالغة نتيجة لذلك الحادث. والظاهر أن بقية الموظفين صاروا يتشاءمون من مجرد دخول هذه الحجرة، فما أن يدخل الواحد منهم حتى تلاحظ عليه التردد وتسمعه يتمتم بآيات الكرسي، ويلعن الشيطان بلهجة بالغة التعسف.

قبل لي أيضاً، يوم حضرت لاستلام العمل، أن مدير الإدارة (أي عَرّفيِ) غائب عن العمل هو نفسه بسبب وفاة طفلته الوحيدة، التي لم يكن مضى على ولادتها سوى بضعة أيام. فحزنت معه، لكنني بالطبع لم أفصح عن أي إحساس بالذنب أو تأنيب الضمير. إذ لا يخفى عليك - يا صديق الأشكل – أن كل السذج والأبرياء، يعتقدون أن مثل هذه الحوادث والكوارث، إنما تقع قضاءً وقدراً، ولا علاقة لها بأي تعيينات جديدة!!

 «إن الله حين خلق الوقت، خلق منه قدرا ًكبيراً»

وفيما عدا أوقات العمل (إن جاز القول بأن لديّ حتى الآن، أية «صنعة أو منعة») يصدق عليّ تعبير الكاتب الإنجليزي (برنارد شو) حيث قال: «إن الله حين خلق الوقت، خلق منه قدرا ًكبيراً» ح. فليس ثمة أكبر من الوقت في هذه الديار، بدليل أن واحداً من العاملين بإحدى الشركات قدم ذات مرة كشفاً بساعات العمل الإضافي الذي أداه بمفرده فسجل 25 ساعة في يوم واحد بالتوقيت المحلي. فالوقت كما ترى أصبح – تبعاً لقانون العرض والطلب-خالياً من كل قيمة تقريباً؛ بل إنه يكاد يكون أرخص حتى من أي إنسان العالم الثالث.

وهكذا فإن وقت الفراغ الطويل العريض قد دفعني إلى التفكير في تأليف كتاب مستفيض حول موضوع خطير، اخترت له مبدئياً عنوان: «أثر الفواخر في تاريخ الدنمارك المعاصر». وأنا في الوقت الحاضر أبحث عن المراجع، وأنقب في عدة مصادر لأجمع مادة هذا الكتاب الباهر، ولقد عثرت بمحض الصدفة على مخطوط قديم يرجع تاريخه إلى سنة 5 ق.د. (إي في عهد ما قبل الدبلوماسية) وورد فيه نقلا عن بعض الرواة، أن أحد أباطرة الأسرة الفاخرية كان -آنذاك- يقطن برجا شامخا عرف باسم الفندق الكبير في إحدى المدن الساحلية الواقعة بالشمال الأفريقي، وأنه كان يسلط أعوانه من الانكشارية لشن غارات ليلية تحت جنح الظلام ويهددهم بالموت الزؤام، إن لم يعودوا إليه بكل ما لذ وطاب من الغنائم السائلة والأسلاب. وقد فرض الجزية على القبائل الهمجية التي كانت تسكن ما يسمى بالمدينة الدائخة، في تلك الحقبة (النايخه).

وتؤكد مختلف الروايات التاريخية الأخرى المتوفرة بالمكتبات من علنية ومدسوسة أن ذلك الإمبراطور بالذات كان في عصره أكبر عسكر سوسة. كما يقال أنه من أصل إسكندنافي، وكان يلقب بجنقي، وينحدر من سلالة هاملت أمير الدنمارك اليتيم (ومعلوم أن تسمية «جنقي» في إحدى اللهجات الدنماركية المندثرة تعني بالعربية الفصحى «أقبج الساقين» كما وردت في لهجة أخرى بمعني (قاهر السلاطين) إشارة إلى المعارك الطويلة التي خاضها ضد سلطان المعاصي، وخرج منها منتصراً ولكن دائخ الرأس.

وجاء في تاريخ الطبري أن الامبراطور جنقي هذا قد تبطر في النهاية ومل المقام بالجراند هوتيل، فعبا (الساكو) بما يملك من حطام وقرر الرحيل، وما أن تحصل على تأشيرات وتذاكر الأسفار حتى احترف القرصنة الجوية وانطلق في غزواته إلى ما وراء البحار. فلما وصل إلى بلاد الدنمارك أعجبه الحال ووجد فيها غاية المنى، فحط عصا الترحال. وسرعان ما استّتب له الأمر في كوبنهاغن، وبسط نفوذه على سائر حاناتها فحَرَن فيها، وتنحنح وقال: «بوي باعني هنا». كما أطلق عبارته الشهيرة: «اللهم اجعل بلادهم خمورهم المعتقة في الجرار والأزيار غنائم للفواخر وصحبهم الأبرار ممن يأتون على متن الطائرات أو البواخر، أو حتى بالقطار، مثل البراني صكّاك الحصان، وسليمان الفاجر، وعلى الأخص صديقنا محمد حسين المستشار..». ولقد احتفظ لنا التاريخ أيضاً- لحسن الحظ – بنص البرقية العاجلة، التي بعث بها جنقي المذكور إلى أخيه الأصغر (هانسونيس) يدعوه بها إلى اللحاق به للمشاركة في تلك الغطيسة، على أن يحضر معه بعض الهريسة، وكانت تلك البرقية من أبلغ ما قل ودل حيث جاء فيها، بخلاف الديباجة، سطر واحد مؤاده: «بلّ رأسَكْ ما تحَسّنه إلاّ هنا» . ولبى أخوه الدعوة على الفور حتى أنه – كما ذكر أحد الرواة – نسي أن يبل رأسه من فرط الاستعجال.

---------------

آن لي أن أنهي هذه الرسالة الملونة، والهراء المنقرش فالساعة تزحف نحو الثانية والنصف والمدفئة الكهربائية الصغيرة القابعة في ركن الغرفة، ترتجف من البرد وتصطك أسلاكها مستنجدة بي أن أغطيها بمعطفي المبطن بفراء الضفادع. وأنا أيضاً، مقرور وجائع إلى حد التخمة. فكم أتوق إلى أكلة حساء، أو لقمة بالزيت (تمسح هاكا ابلغم) من صنعك، يا أمهر الطهاة! وما شد لهفي على ما يسبق الحساء في بلاد الروم كل ليلة ويم، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله الحي القيوم ! شالوم، ورحمة الله وبركاته. توقيع الأرشيدوق محمد حسين القزيري

ويختتم رسالته بتحياته إلى أصدقائه خص منهم محمد البراني، وعامر وأسرتيهما، وعامرن وعيسى مناع وسليمان(الحكيم) وكل من فاته ذكرهم -  وأخير  وجب التنويه أن نسخة الرسالة الواردة في هذه الحلقة  ضمن مواد الحلقة السابقة -

المزيد من بوابة الوسط