ذكرى رجل أسكن الوطن في قلبه

الدكتور رؤف محمد بن عامر

حكي لي الدكتور رؤوف بن عامر عن سيدتين من عجائز جيل البركة، سيدتان رحل عنهما زوجهما، فترملتا وعاشتا في بيت واحد كصديقتين، وليس كضرتين. كل منهما لها عدد من الأولاد والبنات. وأخذ ذلك البيت، الكبير الممتلئ، بشباب وشابات، يتناقص عددهم، وأخذت بهجة تحلقهم حول «عدالة شاهي العشية، الفواحة بالبردقوش والنعناع مع الكعك المعد بالكمون الحلو» تخف بتواصل تناقصهم. كانت عائلة مشهودًا لها بالأخلاق والالتزام وحسن التربية. وما تزوجت ابنتهم البكر، حتى لحقت بها أخواتها، حينها تقرر أن يتزوج أخوهم الأكبر، فتركت له والدته الشقة، ونزلت لتعيش مع صديقتها في الشقة الأرضية. بعد ذلك تزوج بقية الأخوة، وانتقلوا إلى بيوت مستقلة.

مؤسس أول كلية طب في ليبيا 

ازدادت السيدتان المسنتان التصاقًا وصداقة، فكانتا إن مرضت إحداهما تذهبا معًا للطبيب، ويفحصهما معًا، وتعودا كل منهما بكيس أدوية. وكثيرًا ما يفتحان كيس أدويتهما، ويتقاسمان ما لم يصرف لإحداهما! كانت إحداهما مصابة بداء السكري، أما الثانية فلا.

ذات يوم قالت لصديقتها: «اسمعي! عمرك ما تفكري أنني أحسدك، لكنني أريد فقط أن أعرف لماذا هذا الطبيب (المعفن) لا يعطيني دواء للسكر مثلك؟!». وعبثًا حاولت ابنتها أن تفهمها أنها لا تحتاج إلى دواء سكر؛ لأنها ليست مصابة بداء السكري!

أما الحكاية الثانية فبطلتها والدتي، الحاجة وافية، وهي أيضًا من ذلك الجيل الذي لا أعتقد أنه سيتكرر، غير أنها كانت، رحمها الله، لا تحب الذهاب إلى الأطباء، كانت معتدلة في أكلها، رفيعة، قليلة الكلام، هادئة وقانعة.. وفوق ذلك رومانسية!

ذات يوم خطر على بالي أن أفاجئها بحكاية عيد الأم وأعرض عليها أن تختار هدية تتمناها، وأخبرتها بأنني في الحالتين سوف أشترى لها هدية، فالأسلم أن تختار ما تتمناه: «مسجل..»، قالت، وأضافت: «ومعه أشرطة أغاني أم كلثوم!».

وأمضينا تلك الليلة أنا وأخوتي نستجوبها، واعترفت أنها تسمع أغاني أم كلثوم وتحفظ كثيرًا منها! وقالت: «كلامها سمح.. عطاها الله صوتًا لا عند عيشة بت ابشير، ولا عند بطة اليهودية". وهاتان المطربتان كانتا من مغنيات الأفراح المشهورات حتى خمسينات القرن الماضي! وبالفعل اشتريت لها المسجل والأشرطة وظلت محتفظة به، حتى رحيلها، ولا تفوت ليلة من دون أغنية من أغاني الست!

بدأت والدتي علاقتها بالدكتور رؤوف بن عامر، من بعد أن أتصل بي، ذات يوم، عندما كنت في طرابلس ضمن لجنة قبول طلبة كلية الطب، التي كانت بعضويتي والأستاذ أسعد المسعودي، ويرأسها الدكتور مراد لنقي. أخبرني بأن والدتي في غيبوبة، وأنها تحتاج إلى عملية جراحية مستعجلة، وأنه نسق مع جامعة القاهرة، لتجري لها هذه العملية، بعد غدٍ، وأنه حجز لها ولصهري عربة إسعاف، وستنطلق بهما مساء اليوم نفسه، وطلب مني أن أعود لألتحق بهم، ولما علم أن جواز سفري معي، كلف إدارة الجامعة بصرف تذكرة لي من طرابلس ولحقت بهما، في القاهرة، وعدنا بعد نحو شهر، وأفهمهما الطبيب بعد العملية ما فعل لها، وحدد لها القدر الذي تستطيع أن تأكله، «كوسةه وجزر وقطعة دجاج أو لحم، وحليب.» ثم أكد لها الدكتور رؤوف ذلك الكلام، وأضاف لها الحليب، فقاطعته بفرحة طفل : «الحليب مع الشاهي، صح؟ بسكر ولّا من غيره؟» ضحك الدكتور رؤوف، وأضاف: «ومعه قطعة بسكوت» كان الشاي بالحليب، والكعك، الذي استبدلته بقطعة البسكويت هو ما شغلها، وظلت على هذا الأكل أكثر من 25 سنة! منذ تلك العملية لا تسمح لأي طبيب بفحصها إلا الدكتور رؤوف بن عامر، وكان كلما يكتب لها «الروشتة» يسألها عن عمرها؟ تجيبه: «55»، واستمرت على هذا الرقم، وأذكر أنه ذات مرة سألها عن عمرها، ثم استدرك: «عارف.. عارف 55 ».

كان الدكتور رؤوف بن عامر من أوائل الأطباء الليبيين، الذين أصبحوا، في بنغازي، بشهرة الطبيب اليوناني «ليفنتاكس» والإيطالي «بروزدوشمو» وبسبب رقته وعلمه وأناقته المشهورة وتفهمه لعجائزنا أصبح طبيبهن المفضل، يتباهين أنه من يصرف لهن الأدوية. ظل طوال حياته شعلة من النشاط العلمي والإداري، والاجتماعي. 

كتبت أكثر من مرة عن علاقتي بالدكتور رؤوف بن عامر. مؤسس أول  كلية طب في ليبيا. البارحة وأنا أبحث عما أستطيع أن أضيفه عنه، رحمه الله، وجدت مرجعًا لرسالة ماجستير لطالبة من كلية الآداب، كان من بين مراجعها، عنوانه كتاب «بنغازي سنة 1914»، الذي ترجمه الدكتور رؤوف كان يحدثني، بين حين وآخر عما وجد به من حكايات إيطالية طريفة، كتبها إيطالي، اسمه (الدريكو ‌تجانى) وظللت ألح عليه حتى ترجمه وراجعه صديقنا خليفة الفاخري، وابتهجتُ أنه أصبح مرجعًا. كان يهوى جمع الكتب القديمة، خصوصًا تلك التي كتبت عن ليبيا، ويندر أن يعود من إيطاليا من دون بعض منها.

رجل أسكن الوطن في قلبه

لقد تواصلت صداقتنا عقودًا، ومهما كتبت عنه لن أوفيه حقه، ولعل هذا (http://archive.libya-al-mostakbal.org/MalaffatKhassa/010409_dr_raof_ben_amer_alamami.html) يبين أفضل ما كتبته عنه، وأتمنى على الله أن يتحقق ما اقترحته في هذا المقال، فهو شخصية ليبية وطنية قدمت الكثير لبلادنا، وهذا اليوم ذكرى رحيله عنا منذ 11 سنة. وكنا قد قدمنا عنه نبذة من خلال برنامجنا «حدث في مثل هذا اليوم» http://alwasat.ly/news/art-culture/278717 وماذا بين أيدينا بعد ذلك؟ سوى ابتهال صادق أن يتقبله الله بواسع رحمته ويحسن مثواه ويجزيه عنا الخير كله.

مقال قديم جديد
الحاجة وافية توقف عمرها عند 55 سنة

المزيد من بوابة الوسط