إبراهيم المصراتي: إهمالنا الخط العربي أنتج فوضى بصرية

الخطاط إبراهيم المصراتي (يمين) في حوار مع الوسط (بوابة الوسط)

يمثل فن الخط العربي وصلة تراثية ومعرفية تجسد عصارة أجيال من النحت اللغوي، وجسرا تمر عليه مضامين الشعر والأمثال والحكم، كما يمثل نافذة ثقافية تعكس تاريخا من مدارات التنوير والحضارة العربية، كما يسند قواعده مغترفا من النبع القرآني لوازم الإبحار في الفضاء الحرفي ومنهجه الحاكم.

ولكن ما واقع فن الخط العربي اليوم في مؤسساتنا التعليمية وحياتنا العامة، وما المجهودات المبذولة للمحافظة عليه من الاندثار؟ كانت الإجابة في حوار أجرته «الوسط» مع الخطاط إبراهيم المصراتي وتجربته بالخصوص.

ما الروافد التي أسهمت في تشكيل ذائقتك الخطية؟
شغفي بالخط لازمني منذ الطفولة، أتصفح الكتب والمجلات وأتمعن في أشكال وخطوط عناوينها، كذلك مانشيتات الصحف كالفجر الجديد والميزان والمنتجون، التي شهدت صفحات بعضها إبداعات الخطاطين المصريين، الذين استفدت من خبراتهم، مثل المرحوم محمد حمام ومحمد إبراهيم هؤلاء وغيرهم تواجدوا زمن المملكة واستمروا إلى ما بعدها.

ويضيف المصراتي: «بعد نيل الشهادة الإعدادية درست بمعهد ابن مقلة للخط العربي لمدة أربع سنوات، تحصلت بعدها على دبلوم الخط العربي سنة 1981، وشرفت بالتعلم على يد أساتذة كبار في هذا الفن كالشيخ أبوبكرساسي، ومن مصر إضافة إلى الأسماء التي ذكرتها الخطاط محمود سلامة وأبوالعلاء بسيوني، ومن تركيا ياشار ونيازي الذي تعلمت على يديه فن التذهيب، وهو من قام بزخرفة مصحف الجماهيرية.

هذا يقودنا إلى السؤال عن بدايات الخط العربي بليبيا؟
نستطيع أن نؤرخ لهذا الفن مع مطلع السبعينات بداية تأسيس معهد ابن مقلة، وللعلم كان الوحيد في المغرب العربي المتخصص في تدريس الخط العربي، غير أنه على المستوى الشخصي برز خطاطون قبل هذه الفترة وغلب على أسلوبهم النهج العصامي في التعلم.

أين اتجهت بعد تخرجك في المعهد؟
عينت معلما لفن الخط العربي والزخرفة الإسلامية وما زلت، وقد وصلت رحلة تدريسي لهذا الفن أربعين سنة، اشتغلت خطاطا أيضا في الصحف الليبية، متدرجا من الصفحات الداخلية حتى أسندت لي مهمة مانشيت الصفحة الأولى، الذي يفضل فيه خط الرقعة الصحفي، وهو يشد شريحة واسعة من القراء الذين تجذبهم جمالياته وطريقة كتابته في صدر المطبوعة، وقد تجاورت خطوطي في هذا الميدان مع تجارب أخرى سبقتني من الخطاطين الليبيين منهم الأساتذة محفوظ البوعيشي وعبدالرزاق حريز وحسن جرادة.

تحافظ على كلاسيكية الخط العربي رغم إنجازك أعمالا تجريدية.
أنا مطالب بجودة الحرف وإتقانه وتدريسه بالطريقة الأكاديمية الصحيحة والحفاظ على قواعده من التشويه، وهي تمنعني من الاتجاه للشكل الحروفي الذي تتكسر فيه تلك الأسس، لكن يمكن تطويع الحرف بطريقة «الكرلمة» وهي وضع الحرف العربي في قالب فني جمالي دون أن يفقد قواعده.

كيف يمكن فهم التجديد كضامن للتواصل؟
ستلاحظ الإضافات مع الزمن بالممارسة، من واقع حيوية الخط وميزة الحركة فيه، مثلا جملة كل «مر سيمر» وغيرها بالإمكان كتابتها على أكثر من وجه، وكذا اختلاف شكلها من الديواني إلى النسخ.. إلخ، وهي مرونة عالية تمكن الفنان من التماس بصمته الخطية الخاصة إضافة إلى تمسكه بالنسق الأصلي للكتابة.

هل أضافت التقنية للخط العربي أم شوهت أصوله وقواعده؟
الكثير يقعون في مغالطة بتسمية ما هو موجود على جهاز الحاسوب بالخطوط، لأن الإنسان هو الخطاط وصاحب الذوق والإحساس، هذه العناصر الجمالية ستكون مبثوثة في تلك التحبيرة، فيما يظل الحاسوب مجرد عامل وظيفي، على سبيل المثال عندما كتبت «الليبية» شعارا للخطوط، تطلب الأمر المرور بمراحل عديدة، وهي الكتابة على ورق مقوى بخط الثلث وغيرها من الإضافات الفنية لإخراجه في الصورة المطلوبة والتي بالتأكيد لن تكون متوافرة في الجهاز الذي تقتصر مهمته هنا على تصغير أو تكبير الكلمة، إضافة إلى أن الحرف الحاسوبي خال من الروح، فيما تجد العكس بخط اليد إذ ستصبح الجملة أشبه بكائن حي لها وقعها الروحي والجمالي.

حتى في سوق العمل برغم دخول التقانة إلا أن الخط العربي له خصوصية تفرض وجوده، ففي المحاكم مثلا هناك حجج تكتب بيد خطاط محترف يستحيل تزويرها ومن السهل كشف أي تقليد لها، في المقابل يسهل الحصول على الحجة المكتوبة بالحاسوب وكذلك الأختام لسهولة استخراج نسخ عديدة من ذات الجهاز، ويصعب التفرقة بينها حال المقارنة، فيما يتم الرجوع في الحالة الأولى للخطاط الذي باستطاعته معرفة الحجة الأصلية من المزورة.

تدريس الخط العربي يأخذ شكلا بعيدا عن النمط الأكاديمي.. لماذا؟
للأسف لا توجد مؤسسات أكاديمية تدرس الخط العربي سواء معهد أو مدرسة أو جامعة بعد إقفال «ابن مقلة»، ناهيك بعدم إدراجه كمادة ضمن المنهج التعليمي، عدا محاولة يتيمة تمثلت في توزيع كراسات بخط الشيخ أبوبكر ساسي لكن دون معلم متخصص، ولم تتكرر التجربة، والنتيجة في هذا الإهمال مشهد بائس من الرداءة الخطية والفوضى البصرية التي تعج بها المؤسسات التعليمية اليوم، حتى إنك تحتاج لمجهود ذهني لفك طلاسم الحروف والكلمات.

ما المؤهلات التي يجب توافرها في دارس هذا الفن؟
الرغبة والموهبة، الصبر، حتى إنني أسأل من يأتيني بغية تعلم الخط، هل لديك صبر لتتعلم؟ لذلك سينسحب مع مرور الوقت من لا يمتلك هذه المزايا وحدث ذلك مرارا.

نلحظ أخيرا اهتماما متزايدا في تدريس الخط المغربي، ما خلفية ذلك؟
صحيح فالخط المغربي يكاد يختفي كليا من المشهد الخطي العام ليس في ليبيا فقط بل في دول المغرب العربي بشكل عام، وهو راجع إلى أن زمن الستينات لم يكن هناك مختصون في الخط المغربي، ومع قدوم أساتذة من مصر اكتسح الخط المشرقي المشهد، وبقيت الصورة على هذا النحو، ولكن ظل هاجس إعادة انتشار الخط المغربي تراودنا، حتى استطعنا تدريسه وإعطاء إجازات لمجموعة من الخطاطين، كان آخرها تحصل مجموعة من البنات قمت بتدريسهن على إجازات في الخط المغربي، أذكر منهن على سبيل المثال الطالبة سامية بوبة من ليبيا وآمنة كريشان من تونس.

أما زالت رؤيتنا لجماليات الخط العربي رهينة الاحتفالات والمعارض؟
يفترض أن تكون لوحات الخط العربي موجودة في المساجد والفنادق والمدارس، والبيوت، وهو يمثل إبرازا للهوية والرفع من الذائقة البصرية للمتلقي، كما أن الزائر الأوروبي أو الوافد الأجنبي بصفة عامة لا بد أن يرى ملمحا لهويتنا العربية والإسلامية، وواجهتنا الأولى مؤسساتنا العامة والمرافق المعنية بالسياحة.

من أعمال الخطاط إبراهيم المصراتي (بوابة الوسط)
من أعمال الخطاط إبراهيم المصراتي (بوابة الوسط)
من أعمال الخطاط إبراهيم المصراتي (بوابة الوسط)

المزيد من بوابة الوسط