مغني راب سوري ينقل وجع أهل إدلب

مغني الراب السوري أمير المعري يضع سماعتين وهو يعمل على أغنية في استوديو صنعه بيده، 26 سبتمبر 2019 (أ ف ب)

أمام لوح بقي وحده صامدًا فوق أنقاض مدرسة مدمرة، يصدح صوت مغني الراب السوري أمير المُعري ضد قوات النظام وحليفتها روسيا وطائراتها التي أنهكت محافظته إدلب، لكن أيضًا ضد الفصائل الجهادية والمعارضة، رافعًا الصوت ضد القيود على التعليم وإغلاق الجامعات.

ويقول الشاب، البالغ العشرين من العمر، بلحيته السوداء المشذبة بعناية لوكالة «فرانس برس»، «اخترت الراب لأن هذا النوع من الغناء يرتكز على السياسة.. يحكي ضد الديكتاتورية والاستبداد وفساد الحكومة وقضايا اجتماعية لدى الشباب».

قبل أسبوعين، ظهر أمير في أول فيديو له على وسائل التواصل الاجتماعي، واقفًا أمام لوح أخضر اللون ملأته آثار الرصاص، ثم وسط أنقاض مبنى مدمر، أو مدرسة استحالت كوم ركام ولم يبقَ منها سوى جدارية ملونة ترحب بالعيد.

يأتي الفيديو في إطار مبادرة غير مسبوقة في محافظة إدلب في شمال غرب سورية، التي تسيطر عليها هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا) وتنتشر فيها فصائل معارضة أقل نفوذًا، وتتعرض منذ أشهر لهجوم عسكري عنيف على يد قوات النظام وحليفتها روسيا.

في الفيديو بعنوان «عكل الجبهات»، يروي أمير معاناة أهل إدلب على يد قوات النظام وروسيا أو الفصائل الجهادية والمقاتلة، مركزًا خصوصًا على أزمة قطاع التعليم الذي فقد تحت قصف النظام الكثير من منشآته، فيما فرضت عليه هيئة تحرير الشام قيودًا أغلقت بموجبها عديد الجامعات.

ويقول أمير في منزله، حيث الاستوديو البسيط الذي صنعه بيده، «لاقى الفيديو الإعجاب لأنه يتحدث عما هو موجود في قلب الشعب»، مشيرًا إلى «تنازع الفصائل وتجاوزاتها في حق المدنيين سياسيًا واقتصاديًا، والتصعيد الروسي والأسدي في هذه المدة، والطلاب التي تتشرد».

أشلاء واتفاقات وتخاذل
ويقول في الأغنية التي أنتجها بالتعاون مع فنانين من لبنان «اندفنا بالليالي لما طلبنا العلا. ما رح ينفع التظاهر لو الفكر محجّر. زت المقرّر الجامعة انختمت بالشمع الأحمر.. إزعل ع مستقبلي الدراسي ولا 2000 طالب انطردوا من الكراسي».

ويضيف «ع مين بدي إزعل على رفيقي يلي استشهد.. ع هالمشهد لمّا الدم بيمتزج بالدفتر والأشلاء عم تتعدّد».

وفي أغنيته، يقول أمير «هون معقل اتفاقيات الروسي.. روح شوف الشعب بعد نتائج مؤتمر سوتشي». ويدين تدخل الدول الكبرى والإقليمية في بلاده، قائلًا: «أنظمة بتتغذى عالحروب والدم. كل ما عندن إرسال وفود استطلاع وتاني يوم بينقصف مخيم».

في الفيديو، يظهر مواطنون من مناطق عدة في إدلب يهزون وجوههم مع نغم الموسيقى، امرأة محجبة ورجل يده مبتورة ومتطوعان في الخوذ البيضاء (الدفاع المدني في مناطق المعارضة) وحلاق وطفلان يلعبان الشطرنج وغيرهم كثر.

وينتقد أمير الفصائل على أنواعها في إدلب، خصوصًا هيئة تحرير الشام التي تعتبر الجهة الآمرة الناهية في المحافظة.

وفي أغنيته، يقول «إنتو مين، ضل منافق ما حكى بالدين، هاد بيدِّعي الخلافة وهاد بيفتي عن يقين.. منظّمات خارجية وفصائل متخاذلة، ما تحاول تزرع لتحصد مستقبل لأنك عايش بأراضي قاحلة».

الشعب كله معي
وكونه يتطرق إلى مواضيع داخلية حساسة، تلقى أمير تحذيرات من أشخاص يعملون مع الفصائل تطلب منه تخفيف حدة انتقاداته، إلا أنه لم يأبه بها، بل يقول: «لم أخف خلال التصوير.. فالشعب كله معي والجميع تفاعل مع ما قلته والمواضيع المطروحة في الأغنية». ويضيف: «أريد أن أحكي عما أراه».

تنقل أمير خلال السنوات الماضية بين تركيا، التي لجأ لها من أجل الحصول على فرصة عمل، ومدينته معرة النعمان التي استقر فيها أخيرًا بعدما قتل شقيقه برصاص حرس الحدود التركي أثناء محاولته العبور.

إثر عودته إلى معرة النعمان، اشترى أمير عدة التسجيل وأنشأ لنفسه استوديو بسيطًا، وصنع في إحدى الزوايا من علب كرتون مخصصة للبيض مكانًا للتسجيل وضع فيه ميكروفونًا صغيرًا.

وخلال الساعات غير المخصصة للموسيقى، يعمل أمير في متجر والده لبيع الأدوات المنزلية، لكنه يستغل كل دقيقة فراغ بين زبون وآخر ليحمل هاتفه ويستمع منه إلى الموسيقى.

ويقول إن مغني الراب المفضلين لديه في المنطقة هم الراس في لبنان، الذي أنتج موسيقى «عكل الجبهات»، وبو كلثوم في سورية وشيبوبة في السعودية.

أما في الغرب، فيحب أمير توباك وموسيقى الراب القديمة التي تدين العنصرية ضد أصحاب البشرة السوداء، لكنه مهتم أيضًا بالموسيقى الكلاسيكية مثل بيتهوفن وفيفالدي.

لم يكن من السهل على أمير إيجاد من يساعده في تطوير مسيرته في موسيقى الراب، فطلب مساعدة أصدقاء له في الخارج علموه التسجيل وأصول الهندسة الصوتية، أو أنهم أخذوا على عاتقهم أحيانًا إنتاج الموسيقى لأغانيه. ويقول: «هناك أعمال جديدة يتم التخطيط لها وستطرح مواضيع أخرى» قد تكون قضية النزوح التي يعانيها ملايين السوريين. ويضيف: «أتمنى مستقبلًا أن يفهم كلامي في أغاني الراب ولا أن تكون الموسيقى فقط لهز الرأس».

المزيد من بوابة الوسط