صالح الأبيض.. رحيل آخر نسمة صيف

صالح الأبيض (بوابة الوسط)

«صُم صيام موّدِع، فربّما يكونُ رمَضانَكَ الأخير..».. فيما كنتُ أبحثُ عن معلومات لهذه النبذة في صفحته الشخصية، توقفتُ أمام هذا الإدراج الذي لم أجد، لاقبله ولا بعده أيةُ كلمات أو أدعية رمضانية. قلت في نفسي لعله إحساسُه بالرحيل المبكر كان وراء هذا الكلمات، التي كتبها. خلال رمضانه الأخير، الذي قد يكون رمضانَ أي أحد منا، ممن تعرفوا على هذه الشخصية، خلال علاجها في القاهرة.

لم أقابله وجها لوجه من قبل، على الرغم من متابعتي لمسيرته الفنية من بدايتها، فلقد انتبهتُ مبكرا لحجم مقدرته على النقد والإضحاك، ولذلك أجلتُ سفري من بنغازي يوما لأحضر افتتاحَ مسرحيته «كوشي يا كوشة» لأكتب عنها وعنه قائلا: «.. في تقديري أنه تفوق على ممثلين كبار في القيام بدور كفيف، من خلال بحثه عن طاقيته التي وقعت منه، والتي عرفتُ، منه أثناء الشهر المبارك الذي قضيناه معا، أن سقوطها كان عفويا، وأيضا طريقةَ بحثه عنها، فلقد كان يمسح الأرض بكفه مثلما يبحث بصيرا عن شيء وقع منه». ولم يخب ظنُ متابعيه فيما قدمه لنا من شخصيات متنوعة.

صالح الأبيض، كان فنانا قديرا، ولكن مالا يعرفه الكثيرون أن معظم نصوصه، من تأليفه وبعضَها أيضا من إخراجه.

تذكر الدكتور هنية الكاديكي يوم جاءها طالبا موافقتَها على انتقاله من كلية العلوم إلى كلية اللغة العربية، أنها سألته عن سبب هذه النقلة، فقال لها إنه يتطلع أن يكون كاتبا، ولهذا السبب اختار اللغة العربية.

خلال ذلك الشهر المبارك الذي قضيناه معه، نحن مجموعة «الوسط»، رفقة نجليه محمد وحمزة، بسبب علاجه المستمر، لم يخلُ صالونُه الفسيح من أصدقائه المقيمين في القاهرة، وأيضا من عديدين، منهم من جاء من ليبيا خصيصا للاطمئنان عنه.

وانتبهتُ أن الله منحه روحا مرحة وشخصية لا يستطيع المرء إلاّ أن يحبها ويحترمها، شخصية خلقها الله بتوليفة أخصه بها، فإضافة إلى البهجة والمرح اللذين يحفان به، وهو يعاني المرض؛ لم تغب إنسانيته ومحبته ليس لأسرته وذويه فقط، بل للبسطاء، والمحتاجين، ناهيك عن التزام أخلاقي وديني.

طالع أيضا: صالح الأبيض لـ«الوسط»: أطالب الليبيين بالعمل على المصالحة الوطنية

كان شخصية لا يملك المرء إلاّ أن يحبها ويحترمها، لقد أحسستُ وكأنه رفيقُ طفولتي وصباي، علما بأنه من مواليد 1964 وإن كانت أحد المصادر تقول إنه من مواليد 1959وهي السنة التي ابتدأت فيها عملي الوظيفي! يقول عنه الأستاذ سالم عيسى، الذى رافقه في رحلة علاجه إلى الصين، والذي كتب الأبيض عنه قبل رحيله: «ربما أخ لك لم تلده أمك»: «إن بدايته كانت مع المهرجان المدرسي، بمسرحية «القاضي بوسعديه». وعام 1982 اختار الممثل الكوميدي ميلود العمروني، صالح الأبيض اسما فنيا، وأشركه في مسرحية كتبها محمد الرملي مأخوذة عن مسرحية «مجلس العدل» لتوفيق الحكيم، ففاز فيها بالجائزة الأولى في التمثيل، وشارك في مسرحية «عنوان البيت هله». ومسرحية «الشقة حارس الجميع» تاليف أسامة الشيخي وإخراج عبد الحميد الباح للمسرح الوطني».

طالع أيضا: «هيئة الثقافة» تكرم صالح الأبيض في بنغازي

ويضيف الأبيض قائلا:«ثم اشتركت مع ميلود العمروني في مسرحية «نوارة»، ثم كتبتُ مسرحية «ضنَوة عدوك» وهي التي أخرجها ميلود العمروني للمسرح الحديث سنة 1988، وشاركتُ في مسرحية «كان يا ماكان»، وعدد آخر من المسرحيات ثم توقفتُ تسع سنوات، ولكنني عدتُ بعد ذلك للمسرح وأيضا للإذاعة المسموعة ثم قدمتُ العديد من المسرحيات، والمسلسلات التلفزيونية..».

غير أن النجاح المدوي حققته مسرحية «كوشي يا كوشة» سنة 2005 لا أبالغ إن قلنا «أنه جعل الليبيين كافة، يتفقون على محبته واحترامه». رحم الله صالح الأبيض صنع لنا البسمة ورحل عنا مثل نسمة صيف لا نذكرها إلا بالخير.

صالح الأبيض، القاهرة أبريل 2018 (بوابة الوسط)
الفنانان صالح الابيض وسالم عيسى
مع رفاق الدرب
رفاق رحلته الفنية