Atwasat

شارع المتنبي يصارع وحشة «عصر الإنترنت» وبغداد ترثي زمن القراءة

القاهرة - بوابة الوسط الخميس 11 يونيو 2026, 01:07 مساء

في شارع المتنبي بوسط العاصمة العراقية بغداد، حيث كان يتردد تاريخياً هواة الكتب وعشاق الفكر، يفترش السبعيني حسين علي الرصيف بعشرات المؤلفات المتنوعة لبيعها، متأسفاً بنبرة يملؤها الشجن على اندثار حب اقتناء الورق وتراجع مبيعاته في عصر الهيمنة الرقمية. 

BCD Ad BCD Ad

ويروي علي لوكالة «فرانس برس» في يوم الجمعة، الذي يمثل مطلع عطلة نهاية الأسبوع وأكثر الأيام اكتظاظاً بالرواد، مفارقة قاسية تعكس تبدل الأحوال؛ إذ يقول إنه قبل خمسة وثلاثين عاماً كان يبيع أكثر من خمسين كتاباً في مثل هذا اليوم، بينما لا يتجاوز سقف مبيعاته الآن خمسة كتب فقط.

القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ 
وتكشف هذه الأرقام الضئيلة، وفقا لوكالة «فرانس برس»، كيف تبدو المقولة الثقافية العربية الشهيرة «القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ» بعيدة كل البعد عن الواقع المعاصر، بعد أن كانت تؤرخ في ستينات القرن الماضي لكثافة الإنتاج الأدبي المصري، وازدهار المطابع اللبنانية، والشغف المعرفي المشهود للعراقيين.

وفي هذا الشارع الذي يحمل منذ نحو قرن من الزمان اسم شاعر القرن العاشر أبو الطيب المتنبي، تنتشر عشرات الأكشاك المثقلة بكتب من شتى المعارف بالعربية والإنجليزية، تجاور المقاهي وملتقيات المثقفين العريقة.

ولجذب الزبائن المستعصين، ترفع بعض الأكشاك لافتات زاهدة تعلن أن «الكتاب بألف دينار» أي بأقل من دولار أميركي واحد، غير أن هذه المحاولات تذهب سدى دون جدوى، حيث يكتفي جل رواد الشارع بالتقاط الصور التذكارية لتلك الأكشاك دون اقتناء محتواها.

موت الإبداع وارتفاع الأسعار
وبات الغبار يكسو الكتب حديثة الطباعة التي تؤرخ لعهد صدام حسين البعثي وسقوطه جراء الغزو الأميركي العام 2003، إلى جانب مصنفات السياسة، واليوغا، والزراعة، والفلسفة، وعلم النفس؛ في حين ينهش الاصفرار دواوين الشعر العباسي كأشعار أبي نواس، ومجموعات القصص الشعبية العراقية والروسية والتركية، فضلاً عن مجلات علمية وفنية قديمة بهتت أغلفتها وتشققت.

ويشير علي بأسى إلى أن الشارع يحتضن حتى الكتب النادرة مثل كتاب «الكنز العظيم» المقدس لدى طائفة الصابئة المندائيين، مؤكداً أن استمراره في هذا العمل الشاق والخالي من الربح المادي ينبع فقط من اعتياده عليه ورغبته في لقاء أصدقاء العمر؛ راثياً موت الإبداع الذي يعزوه لارتفاع أسعار الكتب واجتياح وسائل التواصل الاجتماعي لحياة الناس.

ويحمل هذا التراجع في طياته مفارقة تاريخية كبرى؛ إذ يُعتقد أن الكتابة ظهرت بشكلها الأول في التاريخ البشري في جنوب العراق قبل نحو خمسة آلاف عام، وتحديداً في مدينة أوروك الأثرية المعروفة اليوم بالوركاء في محافظة المثنى.

ويعبر عيسى عدنان، وهو مهندس حاسوب في الثامنة والعشرين من عمره، عن النمط الاستهلاكي للجيل الجديد موضحاً أنه لم يعد مهتماً بقراءة الروايات والكتب الفلسفية المعمقة لأن العصر الحالي بات يقدس السرعة والإيجاز، معتبراً البحث عن الكتب بين أكشاك المتنبي عملية أقل سهولة وسرعة من كبسة زر توفرها إلكترونياً.

«في اليوم العالمي للكتاب».. حصاد الإصدارات الليبية في 2026 يعكس حراكًا ثقافيًا متجددًا
مجلة «تراث الشعب».. استمرار على الرغم من غياب الدعم
تحدي «فيسبوك» ينشط سوق الكتب

وعلى الرغم من الحروب والنزاعات المتعاقبة التي عاشها العراق منذ ثمانينات القرن الماضي، ظل هذا الشارع الممتد على مسافة كيلومتر واحد نابضاً بالحياة، وتحدى حتى التفجير الانتحاري الدامي بشاحنة العام 2007 الذي أودى بحياة ثلاثين شخصاً ودمر مكاتب تاريخية، ليعاد ترميمه قبل بضعة أعوام مفضياً إلى ضفاف نهر دجلة حيث يقف تمثال المتنبي الشامخ، محفوراً تحته بيته الشهير: «أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي، وأسمعت كلماتي من به صمم».

انخفاض حاد في أعداد القراء
ومن داخل إحدى المكتبات، يؤكد الشاب عبدالله عبدالعظيم البالغ من العمر ستة وعشرين عاماً وجود انخفاض حاد في أعداد القراء والزبائن، لافتاً إلى أنه يحاول الترويج لمكتبته عبر حسابها على منصة إنستغرام، وعلى الرغم من ذلك تظل الأرباح بسيطة أو معدومة تماماً، معقباً بأن البيت الذي لا يحتوي على مكتبة يفتقر بالضرورة للخيال والتجدد.

وامتدت هذه الأزمة لتطال الكتّاب أنفسهم، حيث يشير الكاتب حاكم الشمري إلى أنه بات يوزع مؤلفه الأخير مجاناً على الوزارات والمؤسسات العلمية نتيجة ضعف الإقبال الاقتصادي على القراءة.

وفي مقهى الشابندر الشهير، حيث يلتقي المثقفون القادمون من مختلف المدن العراقية لارتشاف الشاي ومناقشة الشعر والسياسة، يرى أستاذ التاريخ المتقاعد إسماعيل البياتي، الذي قضى أربعين عاماً في التدريس بجامعة بغداد وقرأ أكثر من خمسمئة كتاب، أن العزوف عن القراءة بات ظاهرة عامة على الرغم من رخص الأثمان، مؤكداً أنه لا يزال يشتري الكتب بناءً على عناوينها فقط لدعم الباعة وتغذية ولعه الخاص.

ويشبه البياتي إنسان العصر الحالي الذي استبدل الكتاب بالإنترنت بمتعاطي المخدرات الذي يشعر بالموت الفوري بمجرد انقطاع جرعته الرقمية.

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
المغنية الويلزية بوني تايلر تستفيق من غيبوبتها
المغنية الويلزية بوني تايلر تستفيق من غيبوبتها
جلسة توعوية في بنغازي لمناسبة «اليوم العالمي للتصحر 2026»
جلسة توعوية في بنغازي لمناسبة «اليوم العالمي للتصحر 2026»
عرض نسخة نادرة من الطبعة الأولى لرواية «مرتفعات وذرينغ» في مزاد علني
عرض نسخة نادرة من الطبعة الأولى لرواية «مرتفعات وذرينغ» في مزاد ...
إطلاق «هاكاثون NAHMI» للشباب والتراث لدعم الابتكار في حماية الموروث الثقافي الليبي
إطلاق «هاكاثون NAHMI» للشباب والتراث لدعم الابتكار في حماية ...
«تراثي هويتي» تناقش مستقبل الزي الطرابلسي بين الأصالة والتطوير بجلسة حوارية
«تراثي هويتي» تناقش مستقبل الزي الطرابلسي بين الأصالة والتطوير ...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم