«قصائد للحياة» مشروع جديد لمؤسسة «آريتي» الليبية

بالتزامن مع اليوم العالمي للشعر، 21 مارس انطلق موقع «قصائد للحياة» المعني بالشعر العالمي المعاصر المترجم، هو أحد مشاريع مؤسسة «آريتي» للثقافة والفنون الليبية.

يهدف الموقع لتقديم مختارات من الشعر العالمي المعاصر على شكل قصيدة جديدة يتم تحديثها بشكل يومي، وتتنوع هذه المختارات بوجهات نظر عدة ونبرات مختلفة.

ويقول الشاعر والمترجم الليبي خالد مطاوع المشرف على المشروع لـ«بوابة الوسط»، «جاءت فكرة الموقع من خلال عملنا مع بعض الفنانين الشباب وتفاعلنا معهم، اكتشفنا أنهم دائمًا يبحثون عن مواضيع شيقة ليصنعوا منها أعمالهم الفنية، وأن افتقارهم لمواضيع جديدة وعميقة جعلهم يكتسبون قدرات حرفية ولكنهم كانوا يفتقرون لبلورة مواضيعهم، طبعًا هذه القدرة وراءها نوع من الفصل بين القدرات اليدوية والخلفية الفكرية، فهناك اعتقاد يسري في مجتمعنا أن كل ما يحتاجه الشاب لصناعة عمل فني هو كاميرا أو سوفت وير ليصنع عملاً ما، وطبعًا الحقيقة غير ذلك».

وأضاف «الأدوات لا تصنع الفن لوحدها بل إن الفنان لابد أن يأتي بفكرة ونقد جديد وعميق ليقود أدواته لعمل جديد، شعرنا أن الشعر المعاصر، بالأخص قصيدة النثر والشعر المترجم أغلبه نثري، ممكن أن يفتح آفاقًا فكرية جديدة للفنانين الشباب، ويقدم لهم مواضيع ممكن أن يحولها لأعمال فنية، لأفلام قصيرة أو لوحات أو أغان أو أعمال مسرحية».

وعن اختيار التركيز على الشعر المعاصر قال مطاوع «الشعر المعاصر فيه كثافة في الصور وتركيز سردي للحكاية بإمكانه أن يقدم دفعة عاطفية مؤثرة في وقت قصير، وأيضًا أن يطرح أسئلة فلسفية تعلق في الذهن وتتطلب نوعًا من الإجابة، كل هذه العوامل بإمكانها أن تكون مصادر للإلهام الفني».

ويقدم الموقع نافذة على الشعر العالمي ليعكس تجاربه الإنسانية ذات القضايا المشتركة، ويقول مطاوع «رأينا أن تقديم الشعر العالمي فرصة للتعرف على خبرا ت إنسانية خارج حيزنا الاجتماعي والثقافي، وأيضًا للتأكيد على أن البشر على اختلافهم يتشاركون في قضايا وصراعات متشابهة مع محيطهم، وأن لديهم رغبات مشتركة وطموحات متشابهة في الحياة، فمثلاً نجد أن قصيدة من شاعر من فيتنام أو شاعرة من إسبانيا تطرح آمال ومعاناة إنسانية متشابهة لنا، رأينا أن هذا النوع من المعرفة، وهذا الإحساس بالتعاطف مع من يختلفون معنا مهم جدًا، وخصوصًا في ليبيا بصراعاتها السياسية، حيث إن الاعتراف بالآخر بات شبه معدوم والقدرة على تفهم الآخر مفقودة أيضًا».

وكخطة مستقبلية للمشروع الذي يسعى لتدريب الشباب على كيفية تحويل القصائد لأعمال فنية، سينظم «مسابقات لأعمال فنية تتعامل مع القصائد المطروحة في الموقع»، وفي هذا الشأن قدم مطاوع في وقت سابق محاضرات حول «كيف نصور القصيدة».

بدأت فكرة المشروع تراود مطاوع منذ عامين، ولتحويل هذه الفكرة لواقع بدأ الأمر بتجميع مجموعة كبيرة من القصائد ليتم توفيرها للقارئ، فيقول خالد «بعد تجميع مجموعة من القصائد، فكرنا في كيفية تعميمها، وجدنا أن أفضل طريقة هي توفيرها على الإنترنت مرفقة مع تسجيلات صوتية مؤثرة لكي يتمكن القارئ من التفاعل مع العمل، وأن يسمعوها في السيارة مثلاً أو يقرؤوها ويسمعوها على النقال».

وتابع «كان التركيز على الفنانين الشباب، ولكن شعرنا أيضًا بما أن المادة ستكون متوافرة فلمَ لا نوفرها لكل القراء وبشكل يومي، بدأنا في تصميم الموقع منذ عامين، أولاً أردنا أن تكون الهوية البصرية جذابة فعملنا مع مصممة شابة من مصر، نورا علي، حتى وصلنا للهوية، ثم عملنا مع مصمم مواقع، حتى وصلنا للشكل والتصميم المناسب للموقع».

وكان أمام المشروع التحدي الأكبر، وهو تجميع واختيار المواد المناسبة، والوقت الطويل والمجهود لإيجاد نصوص «جميلة ومتينة وترجمتها إن لم تكن متوافرة بالعربية وهو جهد كبير أيضًا، فيقول مطاوع «ربما الشيء الأصعب هو التسجيلات الصوتية تحتاج لوقت للتسجيل وهي مكلفة طبعًا، كما تتطلب بعض القدرات المسرحية التي لم نكن نعتقد أننا نحتاج لها، ولكننا بدأنا نتعلم».

ونفذ تسجيل القصائد صوتيًا «الأستاذ علي أحمد سالم والأستاذة فاطمة الغندور، ونحن فخورون بمشاركتهما، وأتمنى أن يسجلا لنا قصائد أخرى، كما نتمنى أن نستعين بمواهب أخرى لتسجيل القصائد».

وعن دور المترجم في المشروع يقول مطاوع «رأينا أن نكرم المترجم كما نكرم الشاعر، وأن نعرّف القراء ليس فقط بالشعراء بل أيضًا بالمترجمين الذين استطاعوا أن يصوغوا هذه النصوص بلغتنا».

ويتمنى مطاوع بأن يكون المشروع «إضافة مهمة للمشهد الثقافي في ليبيا والعالم العربي، وأشكر الصندوق العربي للثقافة والفنون للدعم الذي قدمه لهذا المشروع بشكل منحة جزئية لتكاليفه».

أما الباحثة والكاتبة فاطمة غندور التي شاركت في تسجيل القصائد صوتيًا على الموقع، قالت عن المشروع «قصائد للحياة مشروع ثقافي فني تفاعلي موجه للشباب، هو الأول من نوعه في ليبيا ولعله كذلك عربيًا، المشرف على الموقع ترجم بنفسه شعرًا عالميًا، ووفر قراءة صوتية لـ100 نص، الغالب يميل للكتابة فيبدو الموقع الشعري عادة بنصوص للقراءة كما لو في جريدة أو مجلة، أتشرف بانضمامي لأسرته مع الأستاذ على أحمد سالم، ومؤسسي منظمة «آريتي» الشاعر والمترجم أستاذ الكتابة الإبداعية خالد مطاوع، ورفيقة كلية الفنون والإعلام الأستاذة الفنانة التشكيلية ريم جبريل».

وقبل وأثناء التسجيل، عاشت غندور مشاعر متضاربة مع النصوص المختارة فتقول «حين باشرت تسلم كل النصوص قرأتها بشغف شديد خففت عني مرارة اغتراب جبري، ولوهلة أولى داخلني وهم بساطة المعنى كما اللغة والخيال والإيقاع، والصور، لكني حين أعدت القراءة لوحدي وأمام المايك في الباقة المشكلة من أكثر من بلد، بانت لي تلك المشاهد المكتنزة بصور حبلى بالكثير من السحر والوجع»، وتتساءل «هل هي حيلة الشعر ما تكشفت لي وأنا أعيد القراءة متأملة النصوص التي اختارها أو ترجمها ووفر سيرة مُنتجيها د. خالد مطاوع؟!!».

وأضافت «وكما عادة أبي، معي قلمي وضعت به الخطوط تحت ما عليّ أن أؤكده بصوتي، في النصوص التي حضرت فيها طفولة العالم المدهشة والموجعة في آن، سمعتُ أصواتًا تقاوم الضياع والتضليل والفناء هربًا من الموت، قرأت نصوص شاعرات لكنهن مثل نساء قويات من بلدي يتقدمن بشجاعة الإرادة والمواجهة لكل سلطة طاغية وقوى متطرفة، فهناك شاعرة ساخرة متوجعة قالت نصها فقتلت، وأخرى باغتني صوتها كناي حزين في مكان معزول، وإحداهن صرخت في وجهي تهجو دوامة الحياة وتفضح تسلط الإنسان على أخيه الإنسان، لكني تعلمت منهن، إذ يطلقن صوتهن شعرًا ويرفضن الارتهان للخرس والانهزام إزاء الحياة ووحشية الآخر».

وتابعت «أشارك في موقع ثقافي يقدم نصوصًا لشعراء من ليبيا والعرب والعالم، هي نصوص تلامسني وتلامس مثيلي في واقع ما نمر به، ما يستلزم أن نواجه ونقاوم كما فعل من عافروا ودفعوا الأثمان الغالية ليخوضوا ثورة ضد قوى القهر التي حكمتنا وأشاعت مفاهيم العنف وإقصاء الآخر الممارس حقه في التعبير سلميًا، أشارك بما يتأتى لنا من قررنا أن ننحاز لمفعول الكلمة الداعية لاحترام وتقدير الذات».

وعن نشاط مؤسسة «آريتي» تقول فاطمة «جهود منظمة آريتي تتضافر مع جهود ثقافية مفارقة تبذلها منظمات وجمعيات أهلية مستقلة على مستوى الوطن، كما وأفراد يُسمعون أصواتهم قياسًا بواقع نعيشه عقب متغير عسير جعل من السلاح خطابًا غالبًا، كما ارتداداته المستندة إلى إرث سابق يميل إلى معطيات العنف، لذلك نحن في أمس الحاجة للانحياز إلى مفاعيل وأدوار القوى الناعمة -صحافة وإعلام، قراءة ومناقشة كتب، سينما، ومسرح، ورياضة- ما يلزم كآليات مقاومة ومواجهة قوى تنزع لإقصاء المعرفة، والسؤال الفكري، والانفتاح ومواكبة الآخر».

و أكدت أن مشاركتها في المشروع تأتي «إحساسًا بالدور، ومحاولة إحداث الأثر في مشهدنا الذي يتاح فيه لنا اليوم أن نعافر لنقدم فيه ما نحب وما ننحاز إليه من قيم محبة وتسامح، النصوص التي قرأتها وتفاعلت مع كلماتها وجُملها، ومثلت لي بلسم حياة تنشد إحقاق قيمة وكرامة الفرد كما الجماعة، قيم نتطلع لها ونتشاركها مع الإنسانية، نصوص تقارب أحوالنا، ما نُخفيه نتاج القمع والاضطهاد والمصادرة وما نعلنه دفاعًا عما نعيش لأجله».

مؤسسة «آريتي» للثقافة والفنون، منظمة ليبية غير هادفة للربح تسعى لترويج ودعم الإبداع الفني والتبادل الثقافي بداخل ليبيا والدول المجاورة لها، تم إشهارها في مارس 2012.

الشاعر والمترجم الليبي خالد مطاوع (ارشيفية:انترنت)