«إمام الصهاينة» في دار الأوبرا المصرية

جانب من لقاء الطاولة المستديرة داخل أروقة دار الأوبرا المصرية، القاهرة (بوابة الوسط)

حول طاولة مستديرة داخل أروقة دار الأوبرا المصرية، حل الدكتور عادل السيد المحاضر بقسم العلوم السياسية والتاريخ المعاصر بجامعة إنسبروك النمساوية، ألغازًا كثيرة تتعلق ببداية ظهور «دولة اليهود»، وليس الدولة اليهودية كما يشاع عنها في المنطقة العربية، ودارت نقاشات سياسية وثقافية ساخنة حول هذا اللغز الذي اعتبره مدخلًا لتراجع وتخلف المنطقة العربية بأسرها، وسيظل كذلك طالما بقيت الأزمة مستعرة بين إسرائيل والفلسطينيين بشأن الحل الدائم والعادل لقضيتهم، وقضية الشرق الأوسط الرئيسية.

كانت المناسبة هي الاحتفال بصدور كتابه الموسوعي «تيودور هرتسل. الطريق إلى دولة اليهود. دراسة نقدية»، وخص به هرتسل، ١٨٦٠-١٩٠٤، ذلك الصحفي النمساوي، الذي اعتبره البعض «إمامًا لليهود»، وأحد أبرز مؤسسي دولة إسرائيل الحالية.

ووسط نقاش فكري وعلمي بين المؤلف وكوكبة من المثقفين المصريين، تحدث عادل السيد عن رحلته البحثية الطويلة التي استغرقت أكثر من أربعة عشر عامًا كاملة كللها بمؤلفه الضخم، ليس فقط حول سيرة حياة هرتسل الإنسان بل والصحفي والسياسي والدبلوماسي، وحاول أن يفسر أولاً تحوله من شخص اندماجي يدافع عن ليبرالية الدولة إلى سياسي ودبلوماسي يرسم خطة لرحيل اليهود عن القارة الأوربية- وبيّن الكاتب عوامل شخصية أدت به إلى الاعتقاد بأن لديه رسالة، لتحقيق هدف عودة اليهود - كما يزعم - إلى أرض الآباء، والتي كان يبحث عن أي مكان يذهبون إليه وليس إلى فلسطين فقط.

ومن أبرز دوافع هرتسل لتنفيذ مشروعه، إفلاس والده وموت أخته وتركيز عائلته عليه والانتقال من موطنه في مدينه بودابست المجرية إلى مدينة فيينا، عاصمة الإمبراطورية النمساوية المجرية، وزواج بائس ببنت أحد الأسر اليهودية الثرية، وأخيرًا وليس آخرًا خطاب الوداع الذي أرسله له صديق يهودي قبل انتحاره، كتب فيه: «صديقك العزير يقول لك وداعًا!!».

ومن عمل هرتسل في باريس كمراسل لأحد أكبر الجرائد النمساوية بدأ رحلته في البحث عن كيان له وكيان لكل اليهود في شخصه، ولم يكن ذلك إلا دولة اليهود وهو عنوان كتابه السياسي الأول، والذي كان عنوانه الثاني: محاولة لحل عصري للمشكلة اليهودية، وضمنه حله للمشكلة اليهودية التي كانت له موضوعًا ملأ به حياته.

لم ينس الباحث المصري أن يذكرنا عبر صفحات الكتاب، بأن نجاح اليهود في إقناع العالم بأن وطنًا لهم خارج القارة الأوربية يعتبر حلاً لكل مشاكل أوربا الاجتماعية والاقتصادية، وإخراج أوروبا من أزماتها الطاحنة، ولكن بعض اليهود المستنيرين رأوا أن هذا الحل خلق مشكلة لم تكن موجودة من قبل، خاصة مع العرب والفلسطينيين، وهم الذين كانوا على علاقة قوية معهم عبر عقود طويلة بلا اضطهاد ولاعنصرية، واعتبر الكاتب أن هرولة بعض الحكام العرب اليوم للتعاون والتفاهم مع إسرائيل دون حل لقضية فلسطين الأساسية، لن يسهم في حل الأزمة ولن ينهي الصراع والخلاف بين اليهود والعرب!

كما أشار مؤلف كتاب هرتسل إلى أن العرب إلى الآن لا يدركون أن مناطق في أمريكا الجنوبية مثل الأرجنتين وشيلي كانا الموقعين المثاليين، ليس لإقامة الوطن القومي، بل لحل المشكلة اليهودية في أوربا، وخاصة مشكلة يهود روسيا، وكان البارون اليهودي موريس هيرس هو أول من شرع في تهجير عدة آلاف من العائلات اليهودية من شرق أوروبا إليها، ولكن هرتسل النمساوي والمعاصر لصراعات الوطنيات في الإمبراطورية النمساوية لم ير في جهود البارون حلًا مثاليًا وكان الحل المثالي له هو الرحيل الجماعي إلى الدولة الوطن، ووقع اختيار هرتسل قبل أيام من صدور كتابه، وبعد معرفة مكانة فلسطين لدى اليهود على فلسطين العثمانية وقتها.

وكشف عادل السيد خلال النقاش حقائق عديدة تتعلق بأن دولة هرتسل كانت دولة اليهود وليس الدولة اليهودية، وهو يرى فارقًا كبيراً بين التسميتين بمعنى أن هرتسل نفسه لم يضخم دور اللاهوت اليهودي في دولته المستقبلية، ولكن مصطلح الدولة اليهودية انتشر أولًا من بين اليهود أنفسهم ورددها العالم - والعرب خاصة - من بعدهم، واعتبر الباحث المصري أن ظهور كيان أو دولة دينية في المنطقة العربية لن يجلب السلام بقدر ما سيعمق الصراع ويساهم في نشر التطرف بين شعوبها.

كما أشار إلى أن إسرائيل أُسست منذ اللحظة الأولى باعتبارها مشروعًا مخططًا له بقلم وورقة، ولم يكن هذا المشروع الصهيوني إلا تكرارًا لنموذج لمشروع ألماني، حاولت به إمارة بروسيا إقامته في مقاطعة بولندية حدودية تحمل اسم (Pozen)، تقع إلى الشرق منها، واعتبرها الألمان تصلح كمنطقة عازلة تفصل بينهم وبين الروس تحميهم من مطامعهم.

وفي الختام أكد عادل السيد أن أزمة اليهود لم تكن في أوربا الغربية، بل كانت مع يهود روسيا القيصرية الذي وصل تعدادهم فيها إلى أكثر من 7 ملايين يهودي، كانوا ليس فقط مهمشين منعزلين عن محيطهم الاجتماعي، بل وملاحقين ومضطهدين واعتبروا مواطنين من الدرجة الثانية فيها، وهم من شكلوا في برنامج هرتسل لدولة اليهود جيش العمال الرخيص في رحلته الدبلوماسية للبحث عن وطن قومي يجمعهم، في حين اكتفى أثرياء يهود الغرب بدعم وتمويل المشروع ماديا.

غلاف كتاب «هرتسل» (خاص لـ بوابة الوسط)
جانب من مناقشة كتاب هرتسل في دار الأوبرا المصرية (خاص لـ بوابة الوسط)

المزيد من بوابة الوسط