قهوة سي عقيلة الحلقة (40) بداية السوق السوداء

   وكأنني اختزلت ثماني سنوات من عهد القذافي في يوم 7/4/1977 فقط، والحقيقة ليست كذلك. ذلك لأنني كنت أريد أن استمر في سردي لسيرتي الذاتية مستثمرًا علاقتي مع (صديقي) الحميم سي عقيلة، الذي ينافس الحاجة وافية في الاستحواذ عليّ. ولعل هذه القفزة فوق ثماني سنوات من عمر عهد القذافي، توضح لكم تأثير سي عقيلة الفائق عليّ في خلق مسارب السرد، فمن ليلة اغتيال الجيش الليبي وقوة البوليس المتحركة، والحكم الملكي المبارك، إلى مركب ثورتنا الذي الذي رسا على شط الحرية. جيلي يتذكر جيدا هذه الأغنية التي تغني بها، صباح يوم الثلاثاء 2 سبتمبر1969، المطرب عطية محسن الذي اكتشفت أنه في الواقع عطية العمامي عندما كتب اسمه، بجانبي، في نموذج القبول ضمن دفعتي في الجامعة. سي عقيلة أخذني كعادته من رحلة الحج إلى رحلته إلى السماء، فلم أحدثكم عن ثماني سنوات من عمر زمن القذافي. لقد قلت لكم شذرات متنوعة بحسب موضوع السرد، ولكن هناك أحداث مهمة تركتها حتى يحين موعدها، قد أكون قد أخبرتكم عن حرص القذافي من البداية على فتح أبواب النقاش مع طلبة الجامعة في ذلك الوقت، وتشجيعهم على طرح وجهات نظرهم.

 جاء القذافي إلى الجامعة في البداية كمنتسب بقسم التاريخ بكلية الآداب، ثم مرتين أو ثلاثًا من بعد أن صار رئيسًا لمجلس قيادة الثورة رفقة بعض من ضباطه، الذين كانوا يبحثون عن زوجات جامعيات؟ أما هو فكان يريد أن يسعى لتفريغ ما يخبئه محاوروه من الطلاب في عقولهم؛ فكان ينتقي منهم أدواته التي يرى فيها المواصفات التي تخدم طموحاته، ولم يخطئ، سوى مرات قليلة في هذه الانتقاء . ثم صنف جيل تلك الفترة من بعد ندوة الفكر الثوري التي عقدت بطرابلس يوم 6/5/1970.

     لقد كانت الندوة مفتوحة ومنح مساحات واسعة لكل مَن كان يريد أن يتحدث، وخلال تلك الندوة كان قد صنف المتكلمون حسب عقائدهم الحزبية، أو الدينية، ولم يطل الزمن حتى زج بهم في السجون. ودفع ببعض أعضاء مجلس قيادة ثورته للحديث فبان للناس نزق واستفزاز بعضهم للمشاركين، ولعل المجادلة التي حدثت بين صادق النيهوم وعمر المحيشي وضحت، على سبيل المثال، شخصية عمر المحيشي الاستفزازية.

      كان بعض أعضاء مجلس الثورة ينادون مع المنادين بضرورة تسليم السلطة للمدنيين ويعود العسكر إلى ثكناتهم. وعلى أثر مشادة صاخبة في جلسة من جلسات مجلس الثورة، استقر الأمر مثلما علمنا فيما بعد اتفاقهم على إعلان ذلك في خطاب كلف به القذافي باعتبار انه رئيس المجلس، وتقرر أن يكون الخطاب من مدينة زوارة، غير أن القذافي لم يقم بما اتفقوا عليه، وإنما أعلن النقاط الخمس، يوم: 2/3/1973 وهي :

1- تعطيل كافة القوانين المعمول بها.

2- القضاء على الحزبيين وأعداء الثورة.

3- إعلان الثورة الثقافية.

4-إعلان الثورة الإدارية والقضاء على البيروقراطية.

5-إعلان الثورة الشعبية.

       وبدأت سلطة الشعب بزج مَن صُنفوا بالحزبيين في السجون، ولعل الدكتور محمد المفتي كان من أوائل الذين قربهم، وكان من أوائل الذين سجنهم، ولقد اُقتيد إلى السجن في ليلة واحدة مع جمعة اعتيقة، في مارس 1973. نور الدين الماقني أوصلته حواراته إلى زعامة الطلبة، وانتهى به الأمر سجينًا محكومًا بالإعدام.

      وكان القذافي سبق وأن جمع طلبة جامعة بنغازي في مجمع سليمان الضراط، حيث ناقشهم طويلاً: ولأنني ببساطه لم أحضر ذلك اللقاء، ولا أعرف مَن حضره من الطلبة، ولكن اللقاء بثه التلفزيون الليبي آنذاك، ولأن القذافي يمتلك ذاكرة حديدية، تمكن تصنيف مَن اعتقد انهم سيعارضونهم، جمعهم وزج بهم في السجون ودون محاكمات.

    كان للقذافي تنظيم مدني، عرفناه بعد قيام الثورة ونجاحها، فهذا ( زعول السنوسي ابوشكيكة الشريف ) احد رفاق قهوة سي عقيلة، كان طالبا بكلية التجارة من دفعة محمد شمام، اكترى منزل مع رفاقه بناصية شارع العوج، وهو امتداد شارع شمسة، وكان من رفاقه في السكن على فضيل (شكينه) ، وهو ايضا من طلبة كلية التجارة، ومن رفاق قهوة سي عقيلة،  وظل، بعد قيام ثورة القذافي، مدير مكتب عبد السلام جلود إلى النهاية.

      و ( زعول) ارتبط  بصداقة مع محمد خليفة الترهوني، واستمرت حتى بعد انخراطه في العمل الثوري، ولقد علمنا منه فيما بعد أن القذافي كثيراما امضى ليال عنده، ثم عرفنا فيما بعد انه كان من التنظيم المدني. لقد تولى بعد الثورة مسئولية اللجان النوعية الشعبية في بنغازي، وضم عدد من طلبة الثانوية والجامعية، وكان لهم مكتب بمقر الاتحاد الاشتراكي، واستمر يعمل في التنظيم والتنسيق، إل أن أصبح فعالا في النظام، ولكن والحق يقال كان على الرغم من مركزه الفعال في  دعم وتأسيس اي تكتل ثوري، كان بشهادة الجميع انسانا دمثا ونقيا وشريفا.  أنا  لم ار( زعول) قط، من بعد أن اخبرنا أن قائد الثورة هو معمر( بومنيار) ولكن ( سي محمد) مثلما كنا نسمي محمد خليفه الترهوني ، ظل طويلا على اتصال به. من بعد تلك الاعتقالات اخبرني الترهوني : " أن زعول اكد له  أن الاعتقالات لن تتوقف  حتي تنظف البلاد من الحزبيين الخونة .." ثم استطرد: " تصور انه اخبرني أن معمر يتذكر انني تحدثت معه ذات مرة ، بل سأله عن علاقتي  بالاستاذ محمد حمي.. وانت تعرف أنه حمي كان صديقنا جميعا  ".

     الاستاذ محمد فرج حمي سكن فترة بشارع نبوس وكان ودودا معنا جميعا .. كان يعاملنا وكاننا رفاقه على الرغم من فارق السن  بيننا ، ولم يفاتحنا ابدا في عقيدته السياسية. ولقد اعتقل الاستاذ حمي واستشهد في السجن باعتبار انه أحد قادة البعثيين في ليبيا.  

      يقولون إن القذافي لا يغفر، ولا ينسى أبدًا. فقد علمت من أحد أقربائه أن والد أحد أفراد قبيلته، كان قد أعد شايًّا، وطاف بأكوابه على المتحلقين في تلك المناسبة، التي ضمت أبناء عمومته في سبها، وتخطى والد القذافي لسبب أو لآخر، فاشتكى لابنه ما حدث، فحزت تلك الحادثة في نفسه منذ أن كان طالبًا، وما أن استتب له الحكم حتى صار ابن ذلك الذي تخطى والده، هو الذي يعد الشاي، له ولضيوفه، كل يوم، رغم رتبته العسكرية الكبيرة، وفي حضور جنود صغار. وتجارب الذين التقوا به وحاصروه يعلمون أنه يسجل ملاحظاته ويخطط لكل كبيرة وصغيرة مستثمرًا ذاكرته الحادة، وحدثني صديقي مهدي القاجيجي بعدما استدعاه ونُقل إلى خيمته من طرابلس أنه رحب به وتناولا العشاء معًا، وظل حتى انبلاج الفجر يسأله عن رفاقهما عندما كانا معًا طلبة في مدرسة سبها الثانوية : «قال لي إنه لم ينس اسمًا واحدًا منهم، ويسأل عن أحواله وعنوانه وكان وراءه مَن يسجل كل المعلومات بدقة..».

     أنا لا أهدف من سرد مثل هذه الأمثلة إلاّ التأكيد على أنه كان لا يغفر ولا ينسى وأنه يخطط لكل شيء. قال لي صديقي يوسف الدبري، إنه زعل كثيرًا عندما علم أثناء إنتاج فيلم عمر المختار، أن الذي أشرف على شنق البطل عمر المختار، أخذ نظارته، التي استثمرها المخرج بالتقاط طفل لها بعد الشنق. فقال لي إنه أقسم لو كان يعلم هذه المعلومة لما ترك أحدًا من الطليان يركب الباخرة، التي نقلتهم بعد إجلائهم عن ليبيا، ومعه نظارة طبية كانت أم شمسية. فالقذافي اشترط مغادرتهم بملابسهم فقط مثلما جاؤوا.

    خمس أو ست سنوات من بعد سبتمبر 69 كانت مخاضًا متصلاً، حراكًا باتساع ليبيا كلها، تربص من الأطياف كافة. التي لا يربطها سوى الهوية الليبية. شباب متحمس مقتنع بالثورة وأهدافها، وشباب يشبهونهم ولكنهم ليسوا متحمسين مثلهم، يسعون نحو بطاقة الإعفاء من التجنيد الإجباري. النماذج المتربصة تثابر لتصل إلى السلطة والتسلط. تسهيلات البنوك صارت في متناول كل مَن له علاقة بضابط حر أو مدير بنك. فمشاريع التطوير العمراني لا تحتاج إلى أكثر من قطعة أرض باسم طالب التسهيل، وخارطة للمبنى. لقد جرى المال في أيدى الناس. لم ينتبه أحد لخطورة الشعارات التي بدأت تعلق في الشوارع والميادين من بعد خطاب زوارة، التي كانت تشي بنظام اشتراكي سيطبق. وكانت مكبرات الصوت من مبنى الاتحاد الاشتراكي تمجد الثورة والثوار، فيما يسخر خليفة الفاخري ومحمد القزيري وزوارهما في «جراند هوتيل» من الشعارات المثالية الغامضة: («في الحاجة تكمن الحرية»، «من تحزب خان»، «لا حرية لشعب يأكل من وراء البحر»).

     في ليلة رائقة من ليالي تلك الفترة، سألنا ساخرًا، كالعادة صديقنا مفتاح الفرجاني، وكان معنا رفيقنا محمد عبدالله بوزيد:

     «يا خوتي الشعارات الجديدة دوختني، فسروها لي.. لقد فهمت منها أن الحرية في يد الحَاجّة.. باهي اللي ما عنداش حاجة حريته في يد مَن؟».

     كان القذافي دقيقاً وبليغاً في انتقاء كلماته، التي انتبهنا أنها عربية، وإن لم نتعود استخدامها. وعند انتشار هذه الشعارات ما كان أحد يعتقد أنها أسس لقوانين سترد في كتابه الأخضر، الذي صار بمثابة دستور.

     اقترب انتقال الفاخري إلى الخارجية، ويجاهد محمد القزيري لثغرة يطير منها إلى لندن. وفي انتظار ذلك يحلمان بالرحيل. كان النظام خلال تلك السنوات قد ألهى الناس بفتح خزائن البلاد. لم ينتبه للفخ إلا قلة كانت تقرأ ما بين السطور، فاحتاطوا قبل غيرهم، وأخذوا يحلون أموالهم بمختلف الأساليب.

      مع منتصف 1974م، تنامت مستحقاتي من الشركة الإيطالية التي عملتُ مندوبًا لها في ليبيا، أو (مندوهًا) كما يقول الفاخري، فسافرت إلى إيطاليا لتسويتها فعرض عليّ صاحب الشركة، استيراد أحذية وفتح محل لها في بنغازي، ففعلت وتعاقدت من قبل أن أجد المحل المناسب. وعندما هممت بالعودة ببقية حقوقي نقدًا، سخر مني قائلاً: «الشطار شرعوا في تحويل أموالهم منذ سنتين، وأنت تريد أن تعود بها. بعها أفضل وستجد مَن يشتري منك وبسعر أعلى من سعر البنك».

     استغربت حينها، فطوال عملنا بالوكالة التجارية كانت العمولات تحوَّل إلى البنك الوطني ونقبض ما يساويها بالجنيه الليبي، ولم يعرف الناس تحويل أموالهم إلى خارج ليبيا إلا من بعد قرارات التأميم، ولم يعد الدولار بـ 33 قرشًا فقط، بل أخذ في الارتفاع منذ ذلك الوقت، وبدأت السوق السوداء، التي لم نكن نعرفها قط، واستمرت حتى يومنا هذا.

الدبلوماسي خليفه الفاخري ورسالته من النمارك
الدكتور جمعة عتيقه
محمد عبدالله بوزيد
الدكتور محمد المفتي
المعارض محمد القزيري
زكريا العمامي ومفتاح الفرجاني
يوسف الدبري ومحمد عقيلة العمامي
عندما سجن نور الدين الماقني
الاستاذ مهدي قاجيجي
المطرب عطيه محسن الثاني وقوفامن اليمين
زعول السنوسي الشريف
محمد عوض شمام ومحمد خليفه الترهوني
عمر المحيشي عضو مجلس قيادة ثورة سبتمبر