مسرح دمى مائي يكافح الغرق

عرض للدمى المائية في مسرح ثانغ لونغ في هانوي في 15 مايو 2018 (أ ف ب)

تنين بخياشيم ينبعث منها الدخان يشق طريقه داخل الماء، هذا المشهد يحصل في فيتنام مهد مسرح الدمى المائية، وهو من أكثر الأنشطة الثقافية استقطابًا للسياح في البلاد رغم الامتعاض الذي يثيره لدى الفيتناميين.

في الكواليس، انتعل محركو الدمى الأحذية الخاصة بالصيادين لدخول الحوض الذي يحتل مساحة المسرح برمتها.

وخلف ستار من الخيزران الأخضر يقيهم أنظار المتفرجين، يحرك هؤلاء بأيديهم تحت المياه دماهم الموضوعة على عصي خشبية طويلة.

وثمانية من أعضاء فرقة محركي الدمى البالغ عددهم 40 هن نساء. ومن هؤلاء، تقول نغوين ثو هواي التي أبدلت أحذيتها البلاستيكية بجوارب ومشايات خلال الاستراحة بين عرضين «هذه مهنة مضنية للغاية لأن الدمى ثقيلة».

فبعد ظهر كل يوم، تقدم خمسة عروض في مسرح ثانغ لونغ في وسط هانوي.

ويشكل هذا المسرح مرجعًا على صعيد عروض الدمى المائية، وهو معتاد على استضافة مهرجانات دولية مخصصة لهذا النشاط وبات محطة إلزامية خلال أي زيارة سياحية إلى فيتنام.

ودرس الفنانون العاملون فيه هذا الفن في كلية المسرح والسينما، في هانوي التي تضم قسما لتحريك الدمى.

وبعض هذه الدمى يصعب تحريكه مثل شخصية الساحرة التي قد يصل وزنها إلى عشرة كيلوغرامات وتتطلب جهود أربعة أشخاص.

وتلتزم القصص التي تُقدّم نمطًا ثابتًا إذ يتجنب القائمون عليها الخوض في مواضيع تستفز نظام الحزب الواحد الشيوعي في البلاد، مكتفين بعرض مشاهد مستوحاة من الحياة القروية والأساطير المحلية بينها على سبيل المثال ما يتطرق إلى سيرة ملك يتغلب على الغزاة الصينيين.

كما أن تغييرًا طفيفًا طرأ على شكل الدمى الخشبية مع الوقت اذ انها تمثل قرويين وصيادين وحيوانات... كلها ملونة بالذهبي والأحمر والأخضر اللمّاع بحسب تشو لوونغ مدير مسرح ثانغ لونغ.

ويقول نغوين فان كيين وهو فيتنامي هاجر منذ أكثر من عقدين إلى استراليا وعاد لتمضية إجازة في بلده الأم «تمكنت من رؤية مزارعين في الحقول ومعارك جواميس... هذا كله يذكرني بطفولتي».

وتوضح السائحة الأميركية كارولين ثوموف من ناحيتها «لم أر يومًا عرضًا للدمى المائية من قبل»، معربة عن سعادتها بهذه «التجربة الثقافية» الفيتنامية.

وهي تقول «شعرت بأني أرى حقًا أناسًا يصطادون ويرقصون»، مبدية إعجابها بالموسيقيين التقليديين الذين يرافقون العرض من جانبي الحوض.

ويقدم القائمون على مسرح ثانغ لونغ أنفسهم على أنهم حراس تقليد نشأ في حقول الأرز في البلاد قبل قرون كنوع ترفيهي ابتكره السكان.

ويوضح تشو لوونغ «ورد ذكر الدمى المائية في أقدم مسلة حجرية في فيتنام يعود تاريخها إلى حوالى الف سنة»، في إشارة إلى مسلة سونغ ديين لينه العائدة إلى القرن الثاني عشر والتي عثر عليها في معبد بوذي في شمال البلاد.

وهو يقول: «عندما ستحضر الأجيال المقبلة هذا العرض، سيرونه كما كان بنسخته الأصلية».

ويقر الحرفي فام دينه فييم الذي يواصل تصنيع هذه الدمى يدويًا، بأن هذا الفن يفقد تدريجا قدرة الجذب للشباب الفيتناميين بفعل عدم تماشيه مع العصر، في تطور مماثل لما شهدته الأوبرا الصينية التي انحسر الاهتمام فيها وبقيت متابعتها تقتصر على الفضوليين.

ويوضح الحرفي الذي عمل مع مدرّسين لتكييف كتب أطفال مع مسرح الدمى المائية «ثمة أنواع جديدة من العروض وأيضا الانترنت...» وهو ما يصعب التصدي له.

ويحاول متحف العلوم الاتنية في هانوي الترويج للتقليد لدى التلامذة الفيتناميين، إضافة إلى السياح، مع مسرح للدمى في الهواء الطلق. غير أنه يواجه صعوبة في ملء مقاعده خارج الاحتفالات التقليدية مثل رأس السنة القمرية.

وللمفارقة، هذا النوع الفني يعيش حال تجدد في الخارج، إذ ان المخرج المسرحي الكندي روبير لاباج حقق نجاحا قبل سنوات باستلهامه هذا التقليد الفيتنامي في عرضه المسرحي لقصة للمؤلف الروسي ايغور سترافينسكي لم يتوان خلاله عن تحويل مقر الأوركسترا إلى حوض للدمى المائية. وهو يعتزم تكرار التجربة في أوبرا تورنتو خلال الربيع.
 

كلمات مفتاحية