قهوة سي عقيلة الحلقة (28) ليلة اغتيال الجيش

 لعله من المفيد أن أعود قليلاً إلى سنة 1965 أو قبلها بقليل، عندما تركنا شارع محمد موسى إلى شارع لحيول، سكنا متجاورين لعائلة المقوب محمد وعثمان وابن عمهم فرج أصدقائي. وكان الأستاذ علي الجبالي جارًا لنا. في أمسية رائقة اقترح أن نزور خليفة الفاخري، الذي كان مسكنه قريبًا من بيتنا. منذ تلك الليلة جمعتنا صداقة متينة استمرت حتى رحيله المفاجئ يوم 6/6/ 2001 وبالتأكيد سوف تكون لحضوره مساحة كبيرة في الصفحات المقبلة، إثراء لسيرتي هذه.

منذ عرفته كان هاجس الرحيل خارج ليبيا مسيطرًا عليه، ومن بعد ما تعمقت في تتبع إنتاجه، ثم معرفتي بعلاقته الوثيقة بالأديب صادق النيهوم مثلما وضَّحها لي فيما بعد الصديق محمد مصطفى الفرجاني، أو الشيخ الفيتوري مثلما كان معروفًا في سوق الحشيش، ثم أكدتها الرسائل التي تبودلت بينه وبين النيهوم اتضح تأثره بتجربته. ولم يهنأ إلا بعد أن أنفق مدخراته، وباع سيارته التي كان معتزًا بها كثيرًا. لقد باعها وغادر لدراسة اللغة بمدينة بورنمث ببريطانيا. منذ أن التقيته وحتى سفره كنا نلتقي على فترات متباعدة، كان هو مشغولًا بمشروعه، وكنتُ مشغولاً بالفرار من دائرة الفقر التي كانت تحاصرني، غير أن من مروري عليه في بريطانيا في طريق عودتي من نيوريورك سنة 1970 وثق علاقتنا بدرجة لم تنفك إلا برحيلة.

سوف تكون لي معه محطات كثيرة بتواصل هذه السيرة، وإن كنت قد قلت الكثير منها في كتابي «منابت الريح»، وفي عدد من مقالات ودراسات عنه وعن إبداعه، وأيضًا علاقتي الأخوية به.

في سنتي الأولى، كانت لي سهرات ليالٍ طويلة مستمتعًا بأشعار البياتي، ونزار قباني وبدر شاكر السياب يلقيها الفاخري، ثم نذهب معًا، بعد أذان الفجر، إلى الفندق البلدي نشتري الخضار الطازج لنعرضه في الدكان الذي حلَّ محل قهوة «سي عقيلة». كنت أترك ما اشتريته من الفندق بالمحل، حتى يفتحه شقيقي عبد القادر. أنام لساعة أو اثنتين ثم أمرُّ على وزارة الأشغال وبعدها أتسلل إلى مدرج «رفيق» من الباب الخلفي، وانتهت السنة الدراسية بنجاحي، وكذلك صديقي عبد المجيد بتقدير جيد.

وبدأت الإجازة الصيفية. رحلت شلة النادي الدولي إلى ذويهم واقتصرت السهرات الليلية على محمد ومحمود شمام، ومحمد الترهوني، وعوض شمسه ومحمد زيو وعبد السلام البراني، وعوض الهوني، وعبد الحميد البرعصى وعبد المطلوب وعلي الريشي. غير أن دوام يونس البرناوي وعبد المجيد الدرسي كان منتظمًا. نقضي أمسياتنا أمام الدكان، وغالبًا ما يطول السهر، خصوصًا إن اجتمع أغلب الرفاق، الذين يعودون من النادي الأهلي أو الهلال أو التحدي أو من مصيف جليانا نتسامر أمام الدكان حتى الفجر.

في تلك الليلة الصيفية التي هللنا لها في اليوم التالي من دون أن نعلم أنها ليلة ستغير حياة الليبيين كلهم، منهم مَن أكتوى بنيرانها ومنهم مَن رأى أنها جاءت بالحل النهائي للبشرية كلها. كنا تلك الليلة: يونس البرناوي، أطلوبة الريشي، عوض عبد الحفيظ شمسة، محمد محمود زيو، وحسن الشويهدي، محمد شمام ومحمد الترهوني، أما عبد المجيد الدرسي ورافع جعوده فقد غادرا مبكرًا. كانت آخر ليلة في شهر تأسيس الجيش الليبي؛ كان عيد تأسيسه يوم 9 أغسطس، وفي هذا اليوم تحديدًا من سنة 1968انتهت قهوة «سي عقيلة» فقد حملوا بنك «المهوجونو» على كاروا إلى سوق التركة، وصارت القهوة دكان بقالة وخضراوات. وعند منتصف ليلة 31 أغسطس 1968 وقفت عربة من عربات الجيش الليبي أمام الدكان، ترجَّل منها ملازم أول اسمه عبد الله سعيد، كان زميلاً لبعضنا في ثانوية بنغازي. عرفنا فيما بعد أنه من الضباط الأحرار. ابتاع علبة تبغ «روثمان» تبسم متسائلاً، متوجسًا من تجمعنا المتأخر:

- وين بوشيحة؟.

أجبته:

- ذهب إلى بيتهم لإحضار الشاي. انتظر قليلاً وسنسقيك منه طاسة منعنعة.

ولكنه شكرني وانطلق. كان بوشيحة قد اختلى بشاب إنجليزي يتحاور معه عن البورجوازية التي استشرت في ليبيا. بوشيحة هو السيد محمود شمام. وافترقنا تلك الليلة قبيل الفجر لنجد شوارع بنغازي صباح اليوم التالي تعج بسيارات الجيش، وما زلت أذكر جنديًّا معروفًا في منطقتنا نسميه «جوني» كان معجبًا بقيافته العسكرية وبأفلام المغامرات، وكنا نداهنه حتى يأخذ في تطبيق ما تعلمه في الجيش، فيشرع في الزحف كثعبان أو النط كالغراب، أو فرد الرقبة كديك. فيما تجوب سيارة «جيب» يركبها يقودها «بوسعيدة» رفاقه منتشين، يرفعون زجاجات خضراء، ويلعنون الملكية، مرحبين بالجمهورية، فصدر في اليوم نفسه قرار، عبر الراديو، يمنع شرب الخمر بتاتًا. ويتحرك صديقنا عمر قجام بسيارة «جيب» ما بين شارع عمرو بن العاص ومبنى الإذاعة في شارع أدريان بلت «عبد المنعم رياض فيما بعد» حتى اعتقدنا أنه أحد رجال الثورة.

واستبشر البعض خيرًا، وامتعض منه آخرون. لثلاثة أيام ظللنا نسمع الأناشيد والموسيقى العسكرية، ونتبادل معلوماتنا عن قادة الثورة، إلى أن جاء «زعول» الطالب بكلية التجارة، كان يكتري منزلاً بشارع نبوس وكان قد اختفى بمجرد أن سمع خطاب القذافي الذي وجهه للشعب. عاد بعد يومين ليخربنا أن قائد «الثورة» هو معمر بومنيار، قال: «إنكم تعرفونه. أتذكر يا ترهوني الذي قدمته لك في هذا المقهى وأخبرتك أنه الفقي معمر؟ كان يبيت عندنا بين حين وآخر، خصوصًا بعدما انتسب لقسم التاريخ بجامعة بنغازي». فمات حلمنا بأن عبد السلام عز الدين المدني هو قائد الثورة، فقد كان ملاكمًا قبل أن يلتحق بالكلية وكان وسيمًا، بشوشًا.

بعد تخفيف ساعات حظر التجوال، امتلأت شوارع ليبيا تصفقًا مرحبة بقائد لم يعرفوا اسمه. لا أذكر أحدًا من رفاقي لم يرحب بقدومه، سوى رافع عمر جعودة، فعللنا موقفه بسبب أن أباه كان وزير الصحة آنذاك، رغم أنه كان مثلنا يقترض بين حين وآخر ثمن علبة سجائره من كشك أطلوبة. انطلقت المسيرات العفوية المؤيدة، وازدادوا تأييدًا بعدما عرفوا أنه شاب في مثل أعمارنا وأنه وحدوي وقومي بسيط ومتواضع، ولم يغب أبدًا عن جامعة بنغازي وحواراتها ومقصفها، ويقود بنفسه سيارته الـ«فولكس» المستهلكة.

كان الأمر في السنوات الثلاث الأولى يبدو كأنه بالفعل ثورة حقيقية، ولكن لم يطل الأمر حتى بدأ وجه مغاير يتضح للناس الذين لم ينتبهوا أن حواراته مع طلبة الجامعة كان هدفها تصنيفهم ومعرفة اتجاهاتهم، ثم انتقاء مَن ينفع عونًا له على تطبيق قناعاته. ولم يطل الأمر حتى بدأ زوار الفجر يطرقون أبواب مَن صنفوا، سواء منه مباشرة، أو من أعوانه مثلما علمت فيما بعد أن جمعة عتيقة اُعتُـقل فجر16/4/1973م، بناء على تقرير كتبه زميل له من كلية الحقوق.

درست السنة الأولى بالجامعة الليبية قبل وصول القذافي إلى حكم ليبيا. عشت تلك الفترة وسط مجموعات ما زلتُ أفرح لأفراحهم وأحزن لأحزانهم. تنوعت تطلعاتنا، وهوايتنا ما بين محبي تراثنا الشعبي، والتفنن في تطوير أغانيه، وبين المأخوذين (بتوم جونس وإينجلبرت وفرانك سنترا) أو الهائمين مع ناس الغيوان وعبد الوهاب الدوكالي والهادي بلخياط، وسيدة الغناء العربي وفيروز وأكثرهم يتسلطنون معهم جميعًا. منهم مَن كان يرى أن الحل في الاشتراكية. ومنهم مَن يُراهن على البعث، وآخرون على القومية العربية. فيما يرى آخرون أن الدولة السنوسية هي الأفضل، وكثيرون يريدون لليبيا أن تصبح جمهورية. منهم الاشتراكي، ومنهم الرأسمالي. ومنهم مَن يرى أن الوجودية هي نهاية المطاف. المد الإسلامي كان مازال في بداياته، على الرغم من نشاط جماعة الإخوان المسلمين وتطور تنظيمهم على نحو ملفت.وسط ذلك كله، وسط هذه التجاذبات لم يكن لي هدف سوى الخروج بأسرتي من نفق الفقروتوفير تعليم وافٍ لهم جميعًا. وهذا ما جعلني لم أكن معارضًا حقيقيًّا لا للنظام الملكي، ولا لنظام القذافي، إلا بعد أن شاهدت جارنا المرحوم دبوبا مشنوقًا بميدان الكنيسية، مثلما كان يسمى في ذلك الوقت. عندها أحسست بغصة وتمنيت أن أسمع ثانية أغنية الموسيقار محمد عبدالوهاب: «إن فات عليك الأسى والظلم فيك احتار... إنده على الثوار.. » تلك الأغنية التي سمعناها لأشهر من بعد سبتمبر 69، ثم اختفت تمامًا من أرشيف الإذاعة، والغريب أنني لم أجدها حتى في محلات مصر. منذ ذلك قررت أن أبتعد عن النظام تمامًا وأن أعمل برأي أخينا صادق النيهوم: «نحن الأرانب لا نأكل أحدًا ولا نحب أن يأكلنا أحد.. » لم يكن يومًا معارضًا أو مناضلاً إلا في معركة لقمة العيش وسداد دين «سي عقيلة»، الذي حدده لي وهو حي يرزق، تربية النيات! وهذا ما فعلته. ومن أجل ذلك خنقت رغبتي في الكتابة مبكرًا، ولو استثنينا بضعة مقالات ودراسات بسيطة أثناء دراستي الجامعية لقلت إنني لم أكتب إلا في أواخرالثمانينات.

في سنتي الجامعية الأولى أصبحت رسميًّا ممول رحلات الكلية، باعتبار أنني صاحب دكان، كان التكليف يأتيني مباشرة من لجنة الرحلات، ناهيك عن حفلات أخرى أو رحلات الأقسام خصوصًا التاريخ والجغرافيا والآثار، إن ما قامت به «كرولة ريمون» عمل خارق، فلقد ظلت طوال سنوات الجامعة حاضرة في النهار والليل. يبتدئ نهارها بالفندق البلدي، ويعلم الله أين ينتهي ليليها إن لم يتحلق رفاق قهوة «سي عقيلة» أمام الدكان.

سنتي الثانية في الجامعة ثرية باحداثها ومنعطفاتها. 

محمد عبد الرحمن ومحمد الترهوني
محمود شمام ومحمد الريشي وسالم الكبتي
محمد شرمدو وعبد الحميد زيو رجب بوخضره وعلى الرويعي
من اليمين صادق النيهوم ورجب ساطي وعبدالفتاح البعباع والجالس الشيخ الفيتوي - محمد مصطفى الفرجاني -
بوسعيده الاول من اليمين وشباب ال مخلوف
من اليمين محمد باقو وفتحي العوج ومندلينا
خليفة الفاخري ليلة كتابة مقال غربة النهر
رافع جعودة
الشيخ الفيتوري يتوسط رفاقه من شباب بنغازي
عبد الرحيم فايد
وزير الصحة في العهد الملكي عمر جعودة
عوض الهوني
فتحي العوج يتوسط شباب سوق الحشيش واقصى اليسار ابريك الاشهب
محمد خليفة الترهوني
محمد عوض شمام
بوسعيدة اقصى اليسار والثاني من اليمين محمد بالتمر

المزيد من بوابة الوسط