قهوة سي عقيلة (19) الشهادة الابتدائية وإعدام حصان سيدي بوشمله

قبيل احتفالات ليبيا بعيد الاستقلال يوم 24 /12/ 1959 صُرف لنا مرتب ديسمبر وصُرفت لنا قيمة عن ساعات إضافية، فاستلمت حوالي ثمانية جنيهات، وبسبب هذه العلاوة، اقنعت وافيه سي عقيلة بشراء مكوى يدوي يعمل بإشعال الفحم بجوفه، لكي البنطلون الكاكي كل ليلة، ليكون جاهزاً صباح اليوم التالي، واقنعته أيضاً بأن يزيد مصرف الشهر ربع جنيه. 

وبدأت نعم الحياة في متناولي: لوز محمص من عربة (يانا با) التي تقف في المساء أمام سينما النهضة، وساندويتش عجة سمك الناموسه الشهي من مطعم بومدين، وكنت أظن أن سعادتي ستكتمل لو أشعلت سيجارة ونفت دخانها في مواجهة خيال سامية جمال وهي ترقص وفريد الأطرش يغني لها: " جميل جمال ما لوش مثال .. " . كنت قد فعلتها مرة فأخبر أحد عمال السينما سي عقيلة، فعنفني، متوعداً وقال لي: "عندما تكسب ثمنها بعرقك اشتريها وأحرقها ". 

من بعد زيادة الربع جنيه اشتريت (سبسي مركب) من سجائر( النافي) المهربة من حانوت الجيش البريطاني التي يبيعها (اطلوبة) من عربته عند سينما النهضة، لأن تلك السيجارة التي لا تنطفىء أبداً مثل سجائر المحلية، وصار شراء السبسي عادة إلى أن نسيت ذات ليلة نصفه بالبنطلون الكاكي، فاكتشفت وافيه ذلك وعنفتني وهددتني بإخبار سي عقيلة، ولكنني لم أبال، فلقد قال لي أن أحرقها بعد أكسب ثمنها وانتهى الوعيد بموافقتي على عدم التدخين أمام من هم أكبر مني! 

لم يعكر انسياب هذا الهناء إلاّ بدء الدراسة الليلية، فما أن يتجمع عيال الشارع، بعد العصر، حتى أكون في طريقي إلى مدرسة الأمير الليلية، وغالباً ما كنت أسرح بعيداً عن السبورة عندما أفكر أن الفيلم قد بدأ، وأن عبد الحليم حافظ سيغني للفاتنة إيمان : " ظلموه .. " . أو (طريحة) فريد شوقي لمحمود المليجي. ولكن حيرتي لم تطل حتى اكتشفت أنني أستطيع أن أفصل الكهرباء ببساطة فيعم الظلام، فيغادرالطلبة الفصل ثم المدرسة وتنتهي الدروس.

كنت حين أنوي أن أفسد ليلة الدراسة أحضر معي سلكاً معدنياً وأمسكه (بالبينسا) وأدخله في مخرج الكهرباء بدورة المياه فينفصل التيار. واستمرت الحيلة إلى أن اكتشفها ذات ليلة أحد الطلبة، فكدت بسببها أن أفقد أذني. كان الطالب رجلاً عصامياً لم أعرف قصته إلاّ بعد حوالي خمسين عاماً،. فلقد تذكرته على الفور بمجرد أن حكى لنا صديقنا الموسيقار يوسف العالم قصته. كنا طلبة معاً، وعلى الرغم من طول فترة دراستنا التي تواصلت من المرحلة الابتدائية حتى تخرجنا في كلية الآداب بجامعة بنغازي في مطلع سبعينيات القرن الماضي، فإننا لم نتحدث - طويلاً - سوى مرات معدودة. فهو من أولئك الرجال، الذين يتحركون بهدوء عجيب فلا تشعر بقدومهم ولا بمغادرتهم، ولا يزعجونك إلاّ عندما تنتبه بأنه كان عليك ألاّ تزعجهم.

كان ضخم الجثة، فارع الطول، أسمر البشرة، وسيم الملامح، ودود إن ابتسم لك، ودافئ إن رحب بك. تبدو هيئته منذ المرحلة الابتدائية، وحتى تخرجه أكبر سناً من طلبة فصله، بل أكبر من المدرسين أنفسهم. عرفته عندما انتقلت للدراسة المسائية بالصف الخامس الابتدائي بمدرسة عمال بنغازي الليلية. كان يجلس في آخر الصف، لا أذكر أنه تخلف يوماً عن حصة ما، كما لا أذكر أنه لم ينجز واجباً من واجباته المدرسية، هادئ الطباع، دمث الأخلاق، وذلك بالتحديد ما فرض على زملائه الكياسة في الاقتراب منه، والحرص عند الابتعاد عنه.

وقد اندهشت عندما رأيته ذات يوم، في غير أوقات الدراسة، مرتدياً قيافة الحرس البلدي؛ حينها ترددت كثيراً قبل أن أحييه، فلقد انتابني شعور مزعج بأنني قد أحرجه بتطاولي على مظهره الأميري الأنيق، ذلك لأن قيافته الرسمية لا توحي لعامة الناس أنه زميلي في المدرسة، إذ لم أكن حينها سوى صبي بائس المظهر لا تربطه صلة بوقار شخصيته، وهيبة قيافته.

لا أعتقد أنني لمحته مرتدياً قيافته الرسمية خلال دراستنا الجامعية، بل لا أظن أنني رأيته مرتدياً إياها حتى في غير أوقات دراسته لتلك المرحلة، إذ يبدو أنه كٌلف، بعد أن صار طالباً جامعياً، بأعمال مكتبية مدنية، لا تشترط القيافة الرسمية. 
تذكرت (جاب الله) بدهشة، عندما شرع صديقي الأستاذ الفنان يوسف العالم -الذي كان في مطلع ستينيات القرن الماضي أمين سر مجلس بلدية بنغازي- يحدثنا عن ملابسات تعيينه بالحرس البلدي .. قال : 
-" طرق بابي ودخل. كان شاباً باسماً، اسمه جاب الله فرج المغربي أخذني بصراحته، وببلاغته الفطرية، عندما أخبرني أنه جاءني مباشرة، بعد أن انتهى لتوه من رعي قطيع أغنام كان يرعاها بضواحي مدينة إجدابيا، واعترف لي أنه لا يقرأ ولا يكتب، ثم تعهد أنه سيلتحق مباشرة بالدراسة الليلية بمجرد أن أجد له فرصة عمل بالبلدية". كانت البلدية تعيين أفراداً بإدارة الحرس البلدي.

أحلته إلى المرحوم مفتاح الحاسي، الذي كان في ذلك الوقت مسؤولاً عن إدارة الحرس البلدي، فانبهر به وعينه حرساً على الفور. ومن يومها التحق (جاب الله فرج المغربي) بالدراسة الليلية، ولم يتركها إلاّ بعد أن نال درجة الليسانس. ليصير بعدها المفتش الأول بالإدارة .. ".
المرحوم جاب الله هو الذي ضبطني أفسد دائرة التيار الكهربائي متعمداً، مثلما أخبرتكم حتى يستحيل مواصلة الحصص المسائية ، وأذهب إلى السينما! لقد أمسكني من أذني محذراً أنه سيقطعها في المرة القادمة إن عاودت قطع الدائرة الكهربائية، قال لي: " نحن – يا ولد - لا نلعب في هذه المدرسة، نريد أن نتعلم .. والأفضل لك أن تتعلم أنت أيضاً، فلا شيء ينفعك مثل العلم .. هذه المرة لن أبلغ الإدارة ولن أشكوك عند سي عقيلة، ولكن إن فعلتها مرة ثانية سوف أقطع أذنك! " هززت رأسي وغادرت مطأطئ الرأس كسارق البيض من خم دجاج جارتهم، خصوصاً بعدما شاهده الأستاذ السنوسي الدغيلي، وهو ممسكاً بأذني، وما إن عرف الحكاية حتى أشرق وجهه الدافئ بابتسامة يعرفها جيلي كله، وقال لي : " يا عكروت ! " ثم التفت نحو جاب الله، وقال: "العكروت، من يفقد أذنه.. ". 

ومن يومها لم أفعل ما فعلت! خصوصا بعدما شاهدت جاب الله مرتديا بدلته الرسمية. بعد شهرين من تلك الحادثة، سنة 1960 نلت الشهادة الابتدائية من مدرسة العمال الليلية.

بداية صيف سنة 1960 ، عند ناصية شارع العقيب، لمحني الأستاذ المبروك بوزعكوك، من فوق كتف والده، انفجرت أساريره، خطر على بالي عبارته المشهورة، التي يقولها لنا عند عقابنا بجلد كف اليد : " مد أيدك نعطيك بسيسه! ". كنتُ عائداً من مدرسة الأمير بمظروف حكومي، ترابي اللون. اقتربت منه بفرحة طالب نال شهادته الابتدائية، فرفع يديه مهللاً وبادرني : " شكلك ناجح ؟ " هززت رأسي مبتهجاً بالإيجاب. مددت له المظروف، سحب منه الاستمارة. أخذ يمسح درجاتها بعينيه الواسعتين، من دون أن تفارقه ابتسامته، ثم قال لي بفرح من فرح بثمرة جهده : " مبروك يا بوعقيله " فالتفت والده سيدي بوشمله مازحاً فارحاً : " إيه .. (شن يحزها؟) .. الليلة عقيله ينفخ رؤوسنا، مبروك يا دوقاق ".

سيدي بوشملة والد الأستاذ المبروك بوزعكوك يمتلك عربية، يقف دائماً ما بين ناصيتي شارع العقيب وشارع الحشر، عند محل التهامي لبيع الوقود، وبقالة بوسيف لملوم، ثم عوض التركي. هناك كان موقف (العربيات) السوداء المزدانة بالتشكيلات والأجراس النحاسية الصغيرة المعلقة حول رقاب الخيول، التي تجر تلك العربيات. تتجلجل الأجراس كلما تستريح في وقفتها بنقل ثقلها بين قوائمها بين الفنية والأخرى، أوعندما تلملم بشفاهها من بين قائمتيها الأماميتين البرسيم الطري، وما إن تقترب، في الغالب زبونة، أو اثنتين، حتى يرفع الحوذي الصفصفة، ويعيد اللجام بين فكي الحصان، ويفرقع (ماصولة) نهاية السوط في الهواء، موجها العربة نحو وجهته. فتتناغم نقرات حوافر هذه المخلوق الوديع الجميل مع جلجلة الأجراس. لم تكن عربات (التاكسي) معروفة ولم تنتشر إلاّ بعد ذلك الوقت؛ فلم يكن ببنغازي حتى منتصف ستينيات القرن الماضي، أكثر من خمس أو ست تاكسيات، موقفها الرئيسي بميدان سوق الحوت، أمام محل سي عوض شمام ومنصور طرخان أو أمام عدد من النوادي الليلية : اللوكس والأولمبية والناشيونال والبرنيتشي، أما الريفيرا لم تكن قد شيدت بعد! 

كانت عربات الخيول نظيفة أنيقة، وإن كانت واحدة بعينها مشهورة، ومعروفة بكثرة أجراسها النحاسية البراقة ولمعان هيكلها على الدوام، كنا لا نراها إلاّ في الأماسي من بعد العصر، وهي تجوب شوارع بنغازي بامرأتين جميلتين لا تُخفيا وجهيهما مثلما تفعل بقية النساء، اللاتي لا نرى من وجوههن الاّ عيناً واحدة. قيل لنا وقتها أنهن فنانتين، يغنين في الأفراح والليالي الملاح. وكان يقود العربة حوذي أسود البشرة بناب من الذهب، لعله هو سبب ضحكاته، وابتساماته الدائمة، والحقيقة أنني لم أر عربته أبداً في ذلك الموقف، الذي أمر عليه يومياً في طريقي ما بين شارع محمد موسى وشارع نبوس. إذ يبدو أن عربته مخصصة للفنانتين فقط!.

ما زلت أذكر ضبابية تفاصيل إعدام حصانه "سيدي بوشمله" ،وما كنت لاسترجعه لو لم يذكرني بها الأستاذ مصطفى بن صويد أحد أبناء بنغازي المتميزين، شقيق أحمد الأكبر، ابن المرحوم سالم بن صويد، الذي يعرفه جيلي كله، بل ومعظم سكان وسط البلاد لأنه رجل دمث خلوق، وسيم دائم الابتسام يفتح بابه في كل الأوقات مرحباً بالطارق، كما لو أنه أحد أفراد عائلته، فلقد كان مختار محلتنا، وكان تصديقه على المستندات أمر غاية في الأهمية.
قال لي صديقي مصطفى: " كان إسطبل حصان سي بوشمله، بممر بأول شارع العقيب، من بعد امتداد عمارة بن هلوم. لم يعد الحصان يقوى على المشي، بسبب كسر في أحدى قائمتيه الأماميتين. رأيت سي بوشملة قادماً صحبة ضابط إنجليزي، يبدو أنه طبيب، فحص الحصان وتحدث مع سي بوشمله، مبدياً أسفه وهو يهز رأسه، الشيء الذي أزعج بوشمله تماماً، ولكنه رضخ للأمر الواقع، فلقد سحب الضابط مسدسه، وجهه نحو الحصان، لف سي بوشمله رأسه إلى الخلف، وفجأة (طاف) انطلقت رصاصة بين عيني الحصان، فسقط في الحال! ". حينها ارتعبت لدرجة الموت، حاولت أن أقعد ولكنني تسمرت في مكاني. ولكن فيما بعد تغير الحال و ألفت قصصاً عن هذه الحادثة، حتى أنني أخبرت صديقي عبد العزيز محمود بوهدمه ، أن الضابط طلب مني معاونة مصطفى بن صويد في الإمساك بلجام الحصان!. 

في تلك المرحلة كانت مساعدتي لسي عقيلة في القهوة بحسب الظروف كان لا يرغمني. كل حاجته كانت تقتصر على بقائي وقت القيلولة التي كانت ضرورية بالنسبة له. وإن تقاعصت لسبب أو آخر يطلب من شقيقتي التي تصغرني بثلاث سنوات أن تتولى هي المهمة فاستشيط حنقاً، وأحل محله خصوصاً وأنها كانت تناكفني كلما سنحت لها الفرصة، وأذكر أنني كدت أقتلها ذات مرة، بسبب هذه المناكفة فلقد تحايلت عليها متظاهراً بلعبة تعلمتها. أخذت طرفي سلك كهربائي وربطهما في اصبعيها الصغيرين ووضعت طرفي السلك في مزود الكهرباء فرماها التيار بعيداً وظلت طويلاً مرعوبة مبتعدة عني كلما لمحتني . ولكن مشكله الظهيرة انتهت بمجرد أن صارت قهوة سي عقيلة ناد للرفاق، أمسى عقيله يكلف أي منهم بإدراة المقهى ويعود براحته فيجد كل شيء على أحسن ما يرام، وكان موسى التاورغي ومحمد خليفة الترهوني هم أكثرمن يتولون هذه المهمة. 

كانت مهتمي أثناء دراستي الصباحية هي مساعدة سي عقيلة في إعداد السحلب في الشتاء، أما الصيف فتقتصر المهمة على إحضار (صطامبة ثلج) من مصنع المالطي (شويرب ) الذي كان قائماً خلف موقع المسرح الشعبي حالياً. فيمضي يومي ما بين قهوة سي عقيلة ونادي الهلال رفقة شباب شارع نبوس، نذهب ونعود معاً ونتحدث لغة، جاء بها عبد المجيد الدرسي من بعد أن انتقل من سوق الحشيش إلى شارع نبوس، فطورناها وصارت تخصنا لا يعرفها إلاّ الرفاق، وفكرتها كانت بسيطة، وهي أن تعيد ترتيب الأحرف فتبتدئ بالحرف الأخير نحو الأول. فنقول مثلاً : " عارش سبون" وتعني شارع نبوس. بالطبع يكون هناك استثناءات بسيطة لايقاع الكلمة فلقد استثنينا حرف الألف في شارع وظل مكانه لسهولة النطق، وكلمة ليبيا مثلا نبتدئ بالحرف الأوسط ( بيليا ) كنا نتحدث بها وسط ذهول الناس. لقد كانت الدنيا بسيطة لا فوارق بين الناس ولا تطاول كانت طفولة رائقة ممتعة ومستقبلاً مفتوحاً على مصراعيه لكل من يريد النجاح. إلى حدث في حياتي نقلة مهمة للغاية. في تلك الفترة تبلور نشاط النوادي الرياضية، وإن كان التركيز على لعبة كرة القدم والدرجات. سنتناول أبرز نوادي تلك الفترة مثلما عاصرتها في ستينيات القرن الماضي.

المزيد من بوابة الوسط