مقهى «سي عقيلة»: كثيرون عرفتهم ولم تنقطع صلتي بالأحياء منهم ( الحلقة 9)

يقول (إرنست هيمنجواي): «ما لم يكن لحكايتك مكان فليس لك حكاية على الإطلاق» وقد أكد لي صديقي، وأستاذي المرحوم خليفة الفاخري، في أكثر من مناسبة أهمية المكان للحكاية، وقد لمست هذه الأهمية في كتاباته.

ذات يوم قال لي ناصحًا: «ارسم لقارئك مكان الحدث، اجعله يحس به، دعه يلمس أشياءه، يتنفس هواءه، يرى جماله، أو قبحه، إن نجحت في ذلك؟ تأكد أنه سيبقى منصتًا إليك، مأخوذًا بحكايتك حتى تنتهي منها».

هيمنجواي : «مالم يكن لحكايتك مكان فليس لك حكاية على الإطلاق»

ولأن ما أود أن أحكيه لك يبتدئ في الغالب من -الأماكن- المحيطة بمقهى «سي عقيلة» صديق الطفولة والشباب، بل في الواقع صديق عمري كله، وفوق ذلك كله هو الذي، أورثني اسمه وسمعته وقناعته، و(خوصه) جاء بها من مكة وأربع (بنيات) جميلات، حنونات، وأخوين أحدهما لا يحلف بالطلاق، مطلقًا، أما الثاني فيبتدئ صباحه به حتى يخلد إلى النوم، وهما لطيفان دمثان خفاف الروح والظل، حضرا معي رفقة «سي عقيلة»، أكبرهما عبدالقادر، وأصغرهما إبراهيم، وكما سماه «سي عقيلة»: «قازوزة» بسبب عشقه المياه الغازية، سواء أكانت تلك التي ينتجها «شويرب» أو «الدنيني» أو «المحرصي» أما «السينالكو» فهي ترف ولا تصل قهوة سي عقيلة إلاّ أيام الأعياد.

لا أذكر متي تشققت قشرة بيضتي، ومددت رأسي من باب قهوة سي عقيلة ورأيت، أول مرة، أطفالاً ليسوا أطفال شارعنا، كان سي عقيلة خلفي مباشرة، يخبرني بأسمائهم، هذا (شيبوب) وذاك (بوشيحة)، وهما لقبان الأول ألّصقه بمحمد ابن خاله ورفيقه محمد خليفة الترهوني، والثاني ألصقه بمحمود سي عوض شمام والدهما. وهذا (زفير) مثلما كانوا يلقبون حسن الشويهدي. وهذا موسى التاورغي.

وذاك خالد المصراتي، وبجواره خليفة جلهوم، وأخوه فرج الرعيض، أو عصفور مثلما سماه محمد الترهوني، أما القادم من بعيد هو عبدالمجيد الدرسي، محمد السطي، جمعة سلكات مصطفى عاشور، بالرحيم مصطفى وعوض السمين، مفتاح قمر، مختار بزيو وشقيقه الحبشي، صالح قطيش، محمد يونس حمودة، أحميده اخليف، أما إبراهيم نبوس الذي ارتبط في مخيلتي بسيدي بوشناف و(كليسه) الجميل وحصانه الأبلقن غير أنه غادرنا مبكرًا وأقام في طرابلس. رحل منهم من رحل ومنهم مثلي ما زال ينتظر.

كثيرون عرفتهم من ذلك الوقت، ولم تنقطع صلتي بالأحياء منهم ولم ينقطع ترحمنا، نحن رفاقهم، على من غادرنا. أقدم ما أتذكره دورق واسع أبيض، يملأه «سي عقيلة»، أيام الصيف القائظ بالماء ويضيف إليه كمية من السكر ويحركه جيدًا حتى يذوب تمامًا ثم يسكب زجاجة صغيرة حمراء بنكهة فاكهة ويحرك المكونات، ثم يضع به قطعة كبيرة من الثلج، ويخبرني أنه يريد عشرة قروش من بيع هذا «البرّد» والباقي حقي من ريع بيعه من أمام المقهى، وغالبًا ما يكون المكسب قرشين، وسريعًا ما أصبحت أربعة قروش، فقد كنت أضيف القليل من الماء كلما غادر سي عقيلة حاملاً طلبًا لأي من المحلات المجاورة، إلى أن وشى بي موسى التاورغي بعد أن قال لي بصرامة: «عيب، حرام.. هذا غش.. وما لا تتوقف سوف أخبر «سي عقيلة»، وتوقفت فعلاً عندما لا يكون موسى في القهوة إلى أن ضبطني موسى، فأخبر سي عقيلة. فعاقبني سي عقيلة بحرماني من بيعه لمدة يومين وكلف موسى بذلك، ولكن موسى اقتسم معي القرشين بعد نهاية العمل. بمثل هذه الروح كان «سي عقيلة» يتعامل مع رفاقي من رواد المقهى، ولكنه ينقلب شخصية صارمة نحو من لا يريدهم أن يختلطوا بنا».

مقهى «سي عقيلة» بسيط،، لا تزيد مساحته على 20 مترًا مربعًا تقريبًا، وأتعجب كثيرًا عندما أتخيل عدد الذين يتحلقون حول مناضده، يلعبون الورق، خلال شهر رمضان، فأقول في نفسي إن مساحته لابد أنها أكبر من ذلك بكثير، فأنا أعرف أن المقعد الطويل، أو (البنك) مثلما كان يسمى في ذلك الوقت، طوله خمسة أمتار، يمتد بطول الحائط بجهة اليسار ويشكل المقعد الكرسي الرابع لعدد أربع مناضد من مناضد المقهى الست. يقول عنه:

- «خشب (موهاجنو)، لم تُربط ألواحه بمسمار واحد، كل أجزائه عشقها باقتدار نجار مالطي ماهر. البنك كان من مقاعد صف من صفوف كنيسة صغيرة، دكتها قنابل طائرات الحلفاء سنة 1939م، وكانت تقع بناصية شارع صغير بمواجهة شاطئ (القبطناريه) تمامًا. لم يعد الطليان بناءها لأن الكنسية الكبيرة كانت قريبة من التي دُكت، وقارب تشييدها من نهايته. كنت حينها أعمل مع حلوائي إيطالي صديق لقسيس الكنسية (السنيور مانولي)، ولما كان هذا (البنك) هو فقط القطعة التي نجت من ذلك القصف، أعطاه لي وأشهد على ذلك (جوزيبي) صاحب الحلوائي الذي أعمل معه، وكان سيدك الموهوب صاحب قهوة دمشق، وكذلك سيدك مصباح بووذن يعملان معه أيضًا. فلو يتهمني أحد بأنني أخذته من دون إذن.. تشاو! يعلقوني في أول عمود!! كانا الإيطاليان صاحبي، وكنت قد علمتهما كيف يعدون (المقطع)؛ اسمه بالإيطالي (باستا فيجولي) لأنهم كانوا يضيفون إليه الفاصوليا: فاصوليا معناها بالإيطالي (فيجولي) وكنت أتدبر لهما، أحيانًا، قطعًا من (القديد) حينما يخطر لهما أن يحتسيا كؤوسًا من نبيذ الكنيسة المبارك، الذي يعده القسيس بنفسه!».

ولقد كنت كثيرًا ما أناكفه، بسبب هذه المعلومة فلقد كان مقهى دمشق الذي يملكه السيد الموهوب والمقهى الرياضي الذي يملكه السيد بووذن، من أفضل المقاهي الذي تصنع الحلويات في بنغازي. إلى أن قرر ذات يوم من دون سبب واضح ألاّ يعود إلى المقهى من بعد ظهر أحد الأيام وأعد لنا «تورتة» فخمة من مكونات بسيطة، ولما سألته لماذا لا يعد حلويات بمقهاه، لم يجبني ولكنني سألت صاحبه سي حمد بعيره، أجابني «بوك يرى أنها صنعة صبابا!».

كان مقهى دمشق والمقهى الرياضي من أفضل المقاهي التي تصنع الحلويات في بنغازي

المهم أن تعرفوا أن سي عقيلة لا يتركك لوحدتك قط، ولا يستبقيك في موضوع واحد، خصوصًا إن أحس أنه يؤلمك أو يحزنك. كنت من البداية أنوي تحديد نقطة بداية هذه السيرة الرواية، من خلال وصف للمقهى لتكون جزءًا منه حتى لو أنك لم تره في حياتك، ولكن يبدو أني ورثت من «سي عقيلة» عادة التنقل إلى موضوع آخر. فدعوني أوصف لكم مقهاه قبل أن أسترسل مثله.

بنهاية الحائط الذي يقع على يسارك، حيث البنك الذي حدثتكم عنه، عندما تدخل المقهى من شارع عمرو بن العاص، بالزاوية تمامًا الرف الذي صنعه موسى -سوف أقدم لكم موسى فيما بعد- الرف ليحمل راديو ماركة (ماركوني)، بعيدًا عن أصابع الفضوليين.

«سي عقيلة» لا يتركك لوحدتك أبدا، ولا يستبقيك في موضوع واحد، خصوصا إن أحس انه يؤلمك أو يحزنك

لقد أهدى السيد (الكوليري) هذا الراديو إلى صديقه «سي عقيلة»، ولقد تأسست هذه الصداقة بعد عشرة طويلة بينهما، فقد كان «سي عقيلة» يتولى أمر تنظيف المنزل، وكنت أساعده في هذه المهمة، والحقيقة ما كان يشجعني على هذه المساعدة، هو حصولي على شوية لوز أجدها في صالة الجلوس، وأحيانًا تمرات، طريف جبنة وكسرة خبز أبيض، أو قطعة شكولاته بالبندق،.. تفاحة، موزة. أشياء كانت ترفًا في ذلك الوقت. بل أحيانًا صحن اسباجتي بالطماطم والجبن المبشور، إن كانت المهمة أثناء إعداده وجبة غدائه، وكان الجيران كثيرًا ما يرسلون له صحونًا من أطباق ليبية يعرفون أنه يحبها، مثل (المقطع) والدشيشة.

و(الكوليري) في الواقع، يعد صديقًا لسكان شارع كلهم، حتى إن صديقي المرحوم محمد خليفة الترهوني، تحصل على عنوانه في إيطاليا، وسافر إلى بلدته سنة 1973م، وأخبرني أن فرحته بتلك الزيارة كانت عارمة، فلقد استضافه ثلاثة أيام بمنزله، وقدمه للقرية كلها، وحمّله سلامًا وهدايا لشارع نبوس كله.

«إنها جوليا اليهودية» التي عملتْ معه كنادلة أيام إيطاليا

والكوليري عجوز إيطالي عمل بالقنصلية الإيطالية لفترة طويلة، وكان أعزب، ولما غادر ترك مقتنياته كلها لـ«سي عقيلة»، بل ترك له حتى المنزل الذي كان يسكنه ليكتريه، ويصير جارًا للحاج عوض شمام، ويعلو بيت مصطفى المصراتي، ويقابله بيت سي عمران التاورغي، الذي كلف والدي بإعداد (شربات وباستي) لحفل عقد قرآن شقيقته غزيل، واكترى والدي الكراسي ونسقتها أمام منزل سي عمران وبيت مصطفى المصراتي، وكنست الشارع أمام البيتين ورششته بالماء أكثر من مرة، حتى وصلت الشهيد عمر الجفايري المشهور بعمر دبوب، الذي شنقه نظام القذافي يوم 7/4/1977م، هكذا كان الناس يحتفلون بمناسبات عقد القرآن، وتباهيت ذلك اليوم بعمل «سي عقيلة» الجبار، ولقد شاركني صبية الشارع كلهم، ولكن منهم يتذكر هذه المناسبة؟

ولكن مهلاً! ينبغي أن أنبهكم أن «سي عقيلة» ساحر، بمقدوره أن يأخذوكم بحكاياته الشائقة، المتصلة، التي لا تنتهى، وأعرف أنه سوف يتنقل بكم من موضوع إلى آخر، وسوف يحدثكم من بعد الراديو، ماركة (ماركوني)، الذي أهداه له صديقه (الكوليري) ويقول لكم: «ثبته عبيدي موسى -الله يربحه- في ذلك الركن المواجه لنضد التشغيل بفكرة جهنمية «وأسفل نضد التشغيل مخزن فحم الموقد، وحيث يحتفظ بكنوزه كلها من صور تلصصت عليها بمجرد أن انتبهت أنه يخبئها أسفل رف يضع فوقه الفناجين، والأكواب المخصصة لطلبات القنصلية الإيطالية، وعندما زل لساني وأخبرته عن صورة سيدة رأيتها بين ما خبأ من صور، قال لي: «إنها جوليا اليهودية» التي عملتْ معه كنادلة أيام إيطاليا، وحتى يسترسل كعادته في الحديث عنها، جعلتُ من سؤالي عن طول البنك؟ نقطة لإنهاء الحكاية، التي بمقدوره أن يستمر بها، طالما هناك مستمع لا يقاطعه. أجابني : «خمسة أمتار» ولكنه واصل مشروع حكاية أخرى:

- «ولأنني لم أجد، حينها، عربة كارو تقله، حملته أنا وصاحبي حمد بعيره (كعابي) من عند البحر إلى قهوة عمي عبدالقادر..» ولما قاطعته مستفسرًا:
- «قهوة عمك عبدالقادر؟» أجابني:
- «أيوه .. قهوتي هذه، هي قهوة عمي عبدالقادر، فلقد سلمتها لي جدتك عائشة بعد وفاته، وأخبرتني أنها رغبته التي أوصاها قبل وفاته، لأنه لم ينجب ذرية، عمي هذا هو الذي رباني، فلقد توفى والدي مبكرًا، ولا أذكر منهما سوى صور ضبابية.. ولكن عمي عبدالقادر يعاملني وكأنني من صلبه، لهذا سميت أخاك على اسمه» فسألته : «وأنا؟»
- «على اسم جدك محمد دقيق، الذي لم يرزق سوى بأمك وافيه وخالتك فاطمه، أم حميمه..»

لا حول ولا قوة إلاّ بالله، صرت مثل «سي عقيلة» انتقل من موضوع إلى آخر، ولكنها، على كل حال، مواضيع مهمة لا ينبغي أن نغفل عنها، ولكن تداخلها قد يربككم.

وأعود إلى الراديو، الذي ينبغي أن تعلموا أنه لا يحق لأحد أن يقترب منه سوى موسى التاورغي، يقول «سي عقيلة» عن موسى: «(صويبعاته) يلتفن في حرير! أو محمد خليفة الترهوني، أو(سي محمد) مثلما اتفقنا على تسميته. حتى أنا ممنوع من الاقتراب منه: محطة لندن الساعة ثلاثة ثم إذاعة الريمي الساعة خمسة، ثم صوت العرب. القرآن في الصبح فقط! بالحائط المواجه لباب عمرو بن العاص يقع نضد التشغيل واجهته من السيراميك الأبيض أما رخامته نوع كراره، وخلفه (لوجاك) وأسفله قبو الفحم. وبين النضد وزاوية المقهى المعلق فوقها الراديو يحتل ذلك الحوض الخرساني مساحة مربعة توضع به زجاجات المياه الغازية، تارة من مصنع المحرصي، وأخرى من شويرب المالطي، وأحيانا من سينالكو، أما أناناس الدنيني فهو دائم التواجد. أحيانًا يصله شيء من أناناس صادقه من درنه، وكانت مهمتي الوحيدة هو إحضار لوح ثلج يوميًا من (مصنع شويرب) بعدها يحلو ما أفعله قريبًا أو بعيدًا من القهوة. عند حافة النضد من جهة اليمين يقع مدخل شارع نبوس، ومن حافة الباب اليسرى يطوي مع باب شارع عمرو بن العاص فيصير الركن مجرد مخزن لأشياء لا لزوم لها، وإن كان بعض الأصدقاء استغلوه، فيما بعد مكانًا آمنًا لإخفاء أشيائهم التي لا يريدون أحدًا أن يراها قبل مغادرتهم لسهرياتهم الليلية.

عند هذا البابان المطويان توضع منضده وبامتداد البنك الموهجنو توضع ثلاث مناضد.. أما باقي المناضد تصف اثنتان أمام مدخل شارع عمرو بن العاص واثنتان بجانب مدخل شارع نبو، هذا هو المقهى كله! الذي يديره اسميًا سي عقيلة، أما فعلاً، أي من رفقائي رواد المقهى، خصوصًا موسى التاورغي، ومحمد خليفة الترهوني، وفيما بعد عوض عبدالحفيظ شمسه هم أخلص الناس لإدارته عندما يقرر «سي عقيلة»، لسبب لا يعرفه أحد أن يعود للبيت أو يذهب لمكان آخر، غالبًا مع سي ونيس قطيش وجمعة الرعيض.

أما عندما تعرض سينما النهضة فيلمًا لمحمد الكحلاوي فيذهب من افتتاح السينما ليحضر الحفلات الثلاث، من دون أن يدفع ثمن التذكرة لأن أبواب السينما الخلفية تفتح على شارع محمد موسى، أمام بيتنا مباشرة، وعندما يفتح عمال السينما في الصباح، تلك الأبواب لتنظيف الصالة، تقوم والدتي بإعداد وجبة إفطار، أحيانًا دشيشة بفواح شحم قديد، أو شكشوكه، إن أحضروا لها البيض، وبالطبع الشاي المنعنع.

 

المزيد من بوابة الوسط