قهوة سي عقيلة (6) مقاه بامتداد الشارع

هناك عشتُ طفولتي، وترعرعت ما بين شارعي محمد موسى إلى نبوس، وظللنا به حتى انتقلنا إلى شارع «لحيول» ثم شارع شمسة، ثم الرعيض قبل مغادرتنا إلى الفويهات. لم يغب شارع عمرو بن العاص عن ذاكرتي اليومية، كنت أنطلق من يمين «قهوة سي عقيلة» فاصل شارع محمد موسى، بين عشر دقائق إلى نصف ساعة، فالوقت مرتبط بمن ألتقيهم من أصحابي ومعارفي.

ما زلت أذكر محلات الشارع و تفاصيل وجوه أصحابها، وكذلك من يجلس أمام محلاتهم، منهم علي الشعالية، ومحمد عبدالرازق مناع، جالسين أمام مكتبة الشعالي الخراز.

كما أذكر مقهى القماطي الملاصق للخطاط المقصبي، المجاور لجبريل امساعد، ومقهى سي خليفة، بعمارة التيتلي، الذي عاد بعد غيبة وافتتح مطعمًا متواضعًا بناصية شارع الرعيض.

مقهى «سي محمد الترهوني»، بناصية شارع قصر حمد ثم الخمارة التي تلاصق مقهاه، والتي يعمل بها صديقنا شيبوب، أحد رفاق «قهوة سي عقيلة». ثم مقهى دمشق، الذي كان منافسًا للمقهى الرياضي بميدان الشجرة، الذي يديره الأخوان مصباح، وخليفة بووذن، أما دمشق فهو للموهوب.

المصادفة أن بووذن، والموهوب، وسي عقيلة كانوا يعملون مع إيطالي، سنة 1918 يملك مصنعًا للحلويات بالقرب من الكاتدرائية، وعندما أخبرني عن ذلك ولم يرض بتعليقي، حينها أصر ذلك اليوم ألا يعود إلى المقهى من بعد الظهر وأعد لنا «تورتة»، وكانت بالفعل تؤكد أنه كان صنايعيًا.

ثم هناك مقهى «سي بالتمر» عند ناصية شارع الحشر، وهو السادس قبل أن نصل الميدان، وكانت له فسحة على شارع عمرو بن العاص، أذكر أنني ولا أدري كيف قفزت للتأرجح بماسورة يبدو أنها كانت لمضلة، لكنني سقطت وانكسرت يدي، وأخذني سيدي بوشملة إلى (بوردوشومو) وأوصلني إلى وافية بيد مجبورة. وبإضافة قهوتي شمسة والعمل، اللتان تقعان شرق قهوة سي عقيلة، يكون بشارع عمرو بن العاص، بمساحة لا تتعدى بأي حال من الأحوال كيلو مترًا واحدًا ثماني مقاهٍ وخمارة. فلم يكن ثمة أماكن للترفيه في خمسينات القرن الماضي سوى مقاه سنتناولها لاحقًا.

وما إن أصل إلى الميدان الذي تسمى أيام إيطاليا «بيصاكاني»، ثم سماه الإنجليز «كرسمس تري سكوير» أو ميدان شجرة عيد الميلاد، ثم أطلق العهد الملكي اسم عمر طوسون اعترافًا بفضله في مساندته للذين هاجروا أيام الاحتلال الإيطالي إلى مصر، ثم تسمى بميدان الشجرة وظل كذلك حتى من بعد أصبح من دون شجرة.

أصل محل اليوناني «كريداكس»، يكون في الغالب ابنه (ليو) أمامه نتبادل التحية، ثم محل الحاج مصطفى الباجقني، جد محمد علي الشويهدي، وكنت أعتقد أن محمد وأيضًا شقيقه عبد الله، ألمانيان أو إنجليزيان بسبب شعرهما الأحمر، وأذكر عندما أخذت عجين الخبز إلى الفرن أول مرة، رأيت سي مصطفى التركي، وأعتقد أنه أيضًا ألماني.

ولا أذكر كيف حل محله نجاتي مفراكس ، وصار متجرًا لبيع القماش، ومن هناك تعرفت على هليل وخميس الفلاح، وأصل شارع محمد موسى المتميز بعدد الجنسيات التي كانت تعيش فيه: أرمني، يوناني، ألماني، مالطي وبالطبع ليبيين، وكانت ثمة عجوز وزوجها يسكنان غير بعيد عن بيتنا يهوديين لأنني عرفت بعدما رحلا، وكبرت أنهما كذلك لأنها كانت تطلب مني إيقاد النار يوم السبت.

دعا «زرافتس»: «الله يعطيك دعوة يا قذافي».. ويبدو أن (الدعاء) اليوناني مستجاب!

في بداية الشارع قهوة سي عبدالواحد صنع الله، وغالبًا ما ألتقي أبناءه فتحي وعادل صنع الله، وكثيرًا ما دعتني والدتهما لتمنحني كعكة أو مقروضة. كانت عمتي سلطانة قريبة جدًا لأمي وافية، وكذلك فاطمة والدة أبناء الفيتوري.

وصفت بنغازي بـ(رباية الذايح)، وهذا الوصف، أو التعريف هو - في تقديري - سببه عظمة بنغازي في تلاحمها وتكاتفها وقت الشدة، إذ يتشكل سكانها من مدن ليبيا كلها بمختلف أعراقها ومدنها وقبائلها، زد إلى ذلك بقية (الذائحين) من غير الليبيين، هذه الأصول انصهرت وخلقت (لمة) من جينات مختلفة كونت كيانًا جديدًا اسمه بنغازي.

وصفت بنغازي بـ«رباية الذايح» لتلاحمها وقت الشدة.. والقذافي انتبه مبكرًا لهذه الحالة الفريدة فهمشها

صحيح أن هذه الأصول، ولا أريد أن أقول أعراق، تعتز بأصولها، بل وكثير منهم ما زالوا متصلين بها: فما زال الهوني، مثلاً، على اتصال بهون، والفزاني بفزان، والمصراتي بمصراتة.. ولكن بنغازي تظل معشوقته، لا يستطيع أن يغيب طويلاً عنها! القذافي انتبه مبكرًا لهذه الحالة الفريدة فهمش بنغازي وضيَّق سبل العيش فيها، مما تسبب في نزوح أعداد إلى أماكن أصولهم، ولكن حنينًا جارفًا يحدثونك عنه كلما التقوا بك!

جاليات.. أبرزها اليونانيين
كانت تعيش في بنغازي جاليات عدة لعل اليونانيين أكثرهم، ولقد عشت طفولتي ما بين شارعي نبوس ومحمد موسى، الذي كان الكثير من سكانه عائلات يونانية ولد معظمهم في الشارع نفسه، وكانوا يتحدثون العربية، ومنهم من يقرأ ويكتب بها، وعدد كبير منهم يغني بالعلم! وأعرف أن جارتي (زولا) كانت لا تُفوت فرصة حناء تعدها أية جارة من جاراتها دون أن تشاركها، وكانت قد ارتبطت بقصة حب مع شاب من أسرة محافظة، ولكن والده رفض تمامًا الاقتران بها، فعاش وتوفى عازبًا.

أذكر أنني دخلت رفقة شقيقه إلى مربوعته، وكان الوقت صيفًا وشاهدت اسمها وشمًا على صدره، فنهرنا وهو يلتقط قميصه. شقيقه ما زال حيًا وهو كاتب وبالتأكيد يستطيع أن يكتب عن قصة الحب هذه.

كان لي من هذه الجالية، ممن كانوا في عمري أصدقاء، منهم (لفتيري) الذي رفض مغادرة بنغازي، بعد أن أمرهم نظام القذافي بالمغادرة مثل الأخوين (ليفادراس) و(ليو كريداكس) وكنا نتشاجر ونتصالح، ونقضي أمسياتنا الرمضانية، وأعيادنا معًا. وكان من بينهم من يحلف بالطلاق أكثر مما يحلف به شقيقي عبدالقادر! ولقد التقيت بأحدهم، في أثينا، بعد أن طردهم القذافي، ولا أعتقد أنه بمقدوركم أن تتصوروا الحفاوة التي لقيتها منهم؟

ولقد تواصلت علاقاتهم بمن يعرفونه من سكان بنغازي. من بين هؤلاء شخصية ظريفة اسمه (ايليو زرافاتس)، أخته (أنجلينا) كانت واحدة من مصوري بنغازي المشهورين، وكان محلها في ناصية شارع محمد موسى، أمام مبني إيطالي جميل كان في الأربعينات (نافي) الإنجليز، أو حانوتهم الخاص، ومنه تهرب السجائر ويبيعها طلوبة بنصف الثمن، ثم صار في خمسينات القرن الماضي مقرًا للبرلمان، وفي ستينات القرن نفسه صار مبني الإدارة العامة للجامعة الليبية ثم هدمه القذافي.

(ايليو زرافتس) كان يعيش بمنطقة البركة، ولعب مع فريقي التقدم، ثم الهلال، يعرفه جيدًا صديق عزيز يعيش الآن في الزنتان، وهو الدكتور عبدالوهاب الزنتاني، وأيضًا الأستاذ ونيس صوان. كان قد ضيفني مع صديقي عبد الله القماطي، ولكن بعد أن طالت قعدتنا، ظل يشكو وينتحب ليلة كاملة بسبب حنين وشوق لبنغازي لمسقط رأسه، ومرتع طفولته وصباه، وكان يرفع يديه نحو السماء، على عادة الليبيين يدعو بين حين وآخر، بحرقة هكذا على طريقة نساء بنغازي: «الله يعطيك دعوة يا قذافي»، واستمر في ترديدها طوال الليل.

مطلع خمسينات القرن كان الفقر يعربد في كل شارع وزقاق.. لكن المودة بين الجيران بقيت كنسائم صيفية

ويبدو أن (الدعاء) اليوناني مستجاب؟ وهناك رجل آخر، كان شابًا من شارع محمد موسى فاجأني، من قبل سقوط طرابلس، في بنغازي، أخبرني: أنه وجد فرصة أن يرافق صحفي إيطالي كمصور، فلم يضيعها.. قال: «كان خاطري نشوف بنغازي قبل ما نموت!».

لم أعرف أن اسم صديق طفولتي (المصدي) هو محمد الفيتوري، إلاّ في عزاء رفيق طفولتنا مصطفى أمحمد الفيتوري، والحقيقة أنني أراه منذ زمن طويل، (المصدي) لقب أطلقته عليه والدة مصطفى الفيتوري، وسليمان وفيصل وزين العابدين، ومنصور، وعبدالله، فهي مثلما أخبرتكم هي من أسمتني بالدقاق، ولقد قضينا معًا طفولة رائقة، وعلى الرغم من أن علاقتي كانت جيدة مع أطفال الشارع كلهم، إلاّ أن المصدي ومصطفى الفيتوري (لكريك) كانا أقربهم إلىّ. علي الفيتوري، وفتحي بسيكري، وسليمان المير، وخليل العربي، وعيسى بودشيشة، وعلي الساقزلي، وكمال عز الدين المدني، وحسن وعبدالرازق بوخيط، ولفتيري، وفاسيلي، وميكيلي ليفادراس، وعلي خلقي، وأحمد بوجازية، وأبوبكر، وعباس وعبدالله وفضل العبار، ومصطفى، ورمضان (الشبطني) قرقوم جميعهم من جيلي، وإن كان رمضان أكبر مني بقليل ومصطفى أصغر بقليل.

ولا أتذكر أنني اختلفت أو تشاجرت مع أحد من الشارعين، أما عاشور قرقوم فكان من شلة عصمان خلقي وصالح الشريف وعبدالعاطي العبيدي، محمد بوزعيك وعوض بن موسى، ولم نشعر قط أن ثمة فوارق اجتماعية بيننا، على الرغم من وجود هذه الفوارق.

وتستمر الحياة
أحداث متفرقة لم تبرح خيالي، مجيء المصدي طفلاً، في الصباح الباكر إلى والدتي ويخبرها أن أمه لا تريد تصحى من النوم، وأنها باردة للغاية، فتنطلق أمي نحو غرفتها بمنزل المقيرحي، المجاور فتكتشف أنها انتقلت إلى رحمة الله. ثم يتولى الرجل الشيخ المهيب منصور الفيتوري بالقيام بإجراءات العزاء كافة، ولعله شهر بعدها، حتى يأتي ثانية إلى أمي ويخبرها أن والده نائم على (الكروسة) ولا يريد أن يصحو. ويقوم أيضًا الرجل المهيب منصور الفيتوري بالواجب، وتمضي الحياة ويعيش المصدي معنا وكأنه أحد أفراد عائلة الفيتوري ثم عائلة بوكر.

ويرحل منصور الفيتوري ويخيل لي أن العالم سينتهي ولكن الحياة تستمر، ويمتلئ الشارع بمعزيين عبداللطيف العبار، وتستمر الحياة، ويتواصل مثل هذه المناسبات الحزينة لا نذكر إلاّ أن ننتظر أحد الرجال يخرج إلينا، نحن الأطفال، بأرغفة الخبز الأبيض المغمورة بزيت الزيتون فننطلق كالشرر نحو أمهاتنا فترش قليلاً من السكر وننزوي نأكلها بشراهة تلك كانت صدقات رحيل الجيران، وأيضًا رحيل جدتي زمزم.

تسلقت نخلة قصيرة أمام القصر.. أمام حشد غفير يهتف بحياة الملك الذي كان متأهبًا لإعلان الاستقلال

وتتواصل الحياة وتختفى وجوه كنا نتصور أنهم جزء من تلك الحياة ونكتشف أنهم مجرد أمانة لديها يعينون بها أقاربهم في تخفيف وطأة تكاليف معيشة أبنائهم. كان الفقر الكافر في كل شارع، ومع ذلك كنا سعداء آمنين. مطلع خمسينات القرن كان الفقر يعربد في كل شارع وزقاق، ولكن المودة والتعاضد منساقتان بين الجيران كنسائم صيفية.

بمقدوري أن أقول إن مدرسة الأمير الابتدائية، هي نقطة بداية الوعي، التي أذكر تاريخها بوضوح شديد، ولا أظن أنني سأنساه إلا أن والدتي - رحمها الله - أورثتني جينات فقدان الذاكرة التي تمكنت منها أواخر عمرها.

صحيح أنني أذكر أحداثًا قبل بداية هذا الوعي، لعل أهمها، مناسبة تسلقي تلك النخلة، التي كانت حينها قصيرة، وهي ما زالت شامخة أمام قصر الملك -كان اسمه (قصر المنار)- وهو الذي وهبه كمقر لأول جامعة ليبية. كان الحشد الغفير يهتف بحياة الملك، الذي كان في الشرفة متأهبًا لإعلان استقلال ليبيا.. تاريخ ذلك اليوم: هو 24/12/1951م.. كنت رفقة ابن عمي، المرحوم أبو بكر عكيز وكأنني أراه الآن في مواجهتي، متأبطًا النخلة من الجهة المقابلة فلقد كان يكبرني، وكان والدي يرى فيه (بودي جارد) لابنه الوحيد، الذي جاءه بعد شوق طويل!

المزيد من بوابة الوسط