مجرد ذكريات: سلالة بن حليم (الحلقة الثانية)

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

1-
كتاب "صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسي- مذكرات رئيس وزراء ليبيا الأسبق مصطفي أحمد بن حليم"، الصادر في طبعة يتيمة عام 1992، يثير أهم الثوابت في نشأة الدولة الليبية حيث أن بن حليم هو رئيس الوزراء الثالث وكانت حكومته في الفترة من أبريل 1954 إلى منتصف 1957، ومن المعضلات البنيوية التي شكلت كيان الدولة التي واجهت حكومة بن حليم:

أ- الشح الاقتصادي الذي عطل الدولة وأعاقها ووضع على الحكومة مستلزمات خلق سبل غير تقليدية من أجل زيادة موارد البلاد.

ب- النقص في السيادة الوطنية المتمثل في عدم وجود جيش وطني حديث، مما جعل من الجيش السنوسي الذي تكون في الحرب وشارك فيها كلبنة ممكنة لتأسيس جيش وطني، لأجل استكمال صورة السيادة الوطنية حسب مفهوم ذلك الزمان.

ونجد مذكرات السيد رئيس الوزراء بن حليم مسكونة بهذه الهواجس، مما ترتب عليه أن المهمة الرئيسة للحكومة إخراج البلاد من هذه الزاوية الحرجة، التي مكونها من المكون الأساس للبلاد المترامية الأطراف، البلاد الصحراء ما سكانها قلة وتعيش الكفاف.

بن حليم عاش سنوات حكومته كتاجر يبيع بضاعة غير مرغوبة، بالتالي أظهرت مذكراته والوثائق التي احتوتها دهاء ومكرا في تركيبة شخصيته هما زاده الذي يفخر به في مواجهة هذا القدر المحتوم، بلاد فقيرة ومعدومة الإمكانيات ورجل محنك عار، فعمل بن حليم لتوظيف هذه العيوب في مماحكات سياسية حبلها قصير لكنه متين.

1- استغل الوجود العسكري الأجنبي، القواعد الأمريكية والبريطانية ومن ثم القوى الأمريكية والضعف البريطاني أمامها، كمورد ينمو من أجل التنمية الاقتصادية.

2- عمل من تواجد للقوى العسكرية الأجنبية على أرض البلاد سنحة من أجل تكوين وتطوير جيش رمزي يعطي للدولة هيبة رمزية.

3- استفاد من المعطيات التي أنتجتها الحرب العالمية الثانية من مفهوم السيادة الوطنية في الدولة الحديثة ودور الشعوب وحقها في تقرير مصيرها.

4- استخدام الحرب الباردة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية في حلّ العقبات التي تواجه حكومته لتدارك نواقص الدولة وسيادتها الوطنية، لذا عمل على التوجه نحو الاتحاد السوفيتي وأقام علاقة دبلوماسية معه كوسيلة "ضغط" تبرر غاياته، واتخذ من النظام "الثوري الناصري" الجديد في مصر كما عضيد لتوطيد دعائم دولة "عربية مستقلة".

5- في المحصلة لعب كسياسي لدعم الاقتصادي، واتخذ من التهديدات الأمنية لضعضعة استقرار البلاد كوسيلة لبناء جيش صغير كما ملحق لقوات أمنية مركزية عرفت بالقوة المتحركة.

2-
مذكرات "بن حليم" كما مذكرة توضيحية تبين كيف أنه استفاد من العطب البنيوي للدولة الليبية المنقوصة السيادة، وجعل من عيوبها محلا لنهوضها، فإذا كانت البلاد محكومة بأنها عرجاء فبالضرورة ألا تدخل في مسابقات للجري، لكن ذا لا يمنع أن تدخل في مسابقة لألعاب القوي تعتمد اليدين مثلا، هكذا تبدو "المذكرات" تبيانا لكيف يكون رجل الدولة صانعا لظروفه وليس مستسلما لها: لقد جعل وجود "القواعد الأجنبية" ضرورة لسد الاحتياجات الملحة وعمل على إقناع الأطراف المخالفة إلى القبول بذلك كعلاج بـ "الكي" و"مؤقت" لا محالة، أما مسألة "جيش وطني" فلم يجعل منها قضية ملحة بل من لزوم ما لا يلزم للدولة الحديثة، ولهذا تظهر المذكرات أنها ليست من مسائله ولم تقلقه: وما لم يفصح عنه أن "العدو" المفترض دولي عليه فإن أرض البلاد مدججة بقوى عظمى لمواجهته، وأن العدوان الإقليمي مستبعد لأسباب متعددة أهمها أنه محكوم بالمعطى الدولي، فهل يعول على بناء "جيش وطني" مهمته الرئيسة والواضحة حينها الانقلاب على نظام الحكم كما حدث في مصر الجارة الكبرى... لذا وجود قوى رمزية تكفل للدولة شكل "السيادة الوطنية" هذا ما لزم "بن حليم" نفسه به كما أنه في هذا ينفذ إرادة ملكية.

3-
إذا كانت المذكرات حافلة بزهو "بن حليم" بدهائه وحنكته فإنها تبين أن مبدأ الرجل أن ما لا يطال كله لا يترك كله.
أن ليبيا التي تبدو كما "جماعة دينية متزمتة" في السرديات التاريخية السطحية باعتبار أنها دولة سنوسية أو بلاد لقبائل متعددة ومشتتة هي مجتمع ناهض وقابل للتحديث عند "بن حليم"، ولقد عمل جاهدا في حكومته على مواجهة المعضلات الواقعية بالتركيز على الروح المتوثبة للنهوض عند الشعب كافة، وفي سرديته لمرحلة وزارته ركز على أنه بدهاء واجه السلطة، أي رجال القصر والدولة الذين يعرقلون مهمته بالقوى المعارضة التي حفزها كما يذكر أنه دعمها للنهوض بمهامها في الدولة الحديثة. وهو كرجل دولة لم يلتفت إلى الخلف بل اعتبر أن ما يحيطه من محبطات كفيل بمواجهتها بالمستقبل، ومثلا في المسألة الاقتصادية والأزمات المالية يقول إنه أحال بعضها ورحلها إلى الغد المأمول حيث ركز على البحث عن النفط دون أي إهدار لطاقات الدولة المحدودة، ما هو آجل أعطاه ما يستحق من الجهد والوقت والمال وما هو عاجل لم يهدر فيه الطاقة التي بحاجتها الآجل.

والأهم ما تبينه سرديات "بن حليم" من الحالة المكوكية التي الزم نفسه بها التي توجبها معطيات الساعة نشأة الدولة عقب حرب كبرى ولهذا تنقل بين القارات في وقت قصير، ومعطيات المكان المترامي الأطراف في دولة اتحادية فيها ثلاث مجالس تشريعية وأربع حكومات وملك يعيش في طرف البلاد عند الحدود، لقد جعل من رئاسته للحكومة بمثابة "كابتن طيار" واتخذ من "فرض العين" هذا ملاذا للتنصل أو الابتعاد عندما يرى ضرورة لذلك، وأن يكون في "عين المكان" لما لا يتوقع ذلك، في هذا زاخرة "المذكرات" بحنكة ودهاء في توظيف الصعاب والمعطيات المعطلة، وكأن حياة وميلاد "مصطفي بن حليم" في مصر قد حفز فيه كونه ليبيا بن صحراء كبرى، حيث المرء يعيش على الشح في الماء والهواء ويلوي عنان السراب كي يتلمس "خارطة الطريق".

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات