وجدتني ضُحى الثاني من مايو مدعواً لأن أحث الخطى فأكون من الذين حواهم الصالون الثقافي لحزب السلام والازدهار، حيث المحاضرة التي أُعلِنَ عنها للدكتور مصطفى عمر التير، ملبياً الدعوة التي وُجهت إليه، ومحددا موضوعها في ما دعاه ثورة لم تكتمل، فاستدعي من جهتي ذلك المشترك الذي يعود تاريخيا إلى منتصف ستينيات القرن الماضي عندما كان التير بين الدارسين في أمريكا، وأمكن التواصل معهم، وحثهم على تقديم إسهاماتهم للمطبوعات الليبية، وأبرزها مجلة الروَّاد، التي أقدم على تأسيسها الأستاذ خليفة التليسي، وهو يحمل حقيبة الوزارة للمرة الثانية في الحكومة التي شكلها السيد حسين مازق، واعتمد تسميتها الإعلام والثقافة، بعد أن كانت تُسمى الأنباء والإرشاد، وقد أنيطت مصلحة المطبوعات والنشر المختصة بالصحافة إلى السيد أحمد يونس نجم، أحد الذين أخذوا يحتلون أماكنهم في الوزارة المذكورة جامعين في دواعي تألقهم بين التأهيل الجامعي والوجود الاجتماعي.
إنها الفترة التي شهدت من الاهتمام غير المسبوق بالصحافة والصحفيين، وظهر ما يمكن وصفه بالتفريق بين الأخبار والرأي والنشر الخاص والعام ومجلات الرأي والفن، حتى إن صوت الإعلام الليبي في الاجتماعات الرسمية طمح إلى إعلان الرأي المختلف، مما جعل المحاولات البائسة التي تبنّاها البعض في النشاط الإعلامي من منطلق التأييد الساذج للنظام ومسئوليه أضعف من أن تدعو أحدا لتبنِّيها أو احترام من يدعو إليها.
إنها الرؤية التي قويت لاحقا في الفترة التي سبقت سبتمبر 69، واستمرت بعد ذلك طوال الحقب التي توالت، حيث التير ومن جايله في التخصص والمشاركة، ولا سيما قيادة الحرم الجامعي، وما احتدم داخله من صراع بين التخصص الخالص والآخر المشوب بالأنشطة غير المُبرأة من الغرضية، حيث لم يتأخر التير عن الحضور على أكثر من صعيد، معتمدا على أسلوبه الذي نجح فيه طوال العقود الأربعة، ونعني به الاعتصام بالتخصص لاجتياز إحراجات المباشرة، وما تجرُّه في أحيان كثيرة من إغراءات الطموح، وقد أقول الطمع.
نعم لقد ظل التير دائما خير من يسهم فيما يُطلب منه، فلا يسمح باستدراجه إلى حيث لا يريد ولا يغيب، فيسمح لمن يهوى الاغتياب أن يغتابه، ويحمِّلَه أكثر مما يحتمل، وبالذات في مرحلة التسعينيات التي عرفت شيئا من التململ، ومما يبشر بإمكانية توسيع الشرك الذي يمكن من خلاله على الأقل تفادي تكرار المخجل من الهتاف والرخيص من التأييد، فكتب التير ونشر ما بدا له ويقوم اليوم بتجميعه في مؤلف ضمن مؤلفاته، أملا في تنامي المتحلّقين حول كُرسيه الذي يوجد أينما حل، حتى كانت هذه المحاضرة التي أملت هذه المقاربة، والتي لم أرد من إدراجها سوى الأقل من القليل لتحية هذا الصديق الذي كان دائما القادر على أخذ مكانه الإيجابي مشاركا ومعاضدا ومدركا أن حضوره يفيد المجموعة أكثر مما يفيد الذات، أما الذين يشاركونه هذا النهج، فآمل أن تكون لهم مواقيتهم على درب الممكن الدائم.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات