مع تميز تاريخ الثقافة والإبداع الليبية بالكتاب الذين شكلوا ظاهرة ثقافية، فإن المرحوم خليفة التليسي كان نموذجا وظاهرة استطاعت مبكرا أن تفرض نفسها على المستوى الليبي والعربي...
وفي وقت كان الحراك الثقافي الليبي يعمل بمعزل عن محيطه العربي وبتجاهل من هذا المحيط، يتحقق مفهوم الظاهرة عند التليسي عبر تميزه بعدة سمات جعلته إحدى قامات الإنتاج الثقافي والموسوعي لدينا، تبدأ من كونه استطاع مبكرا الانفتاح على الثقافات العالمية والعربية وأن يتشابك معها عبر عمله النقدي وتأثره ببعض الرموز منها، ولا تنتهي بتأملاته الانطباعية حول مسائل أدبية كانت وما زالت مثار جدل.
وجّه التليسي اهتمامه منذ البداية إلى مراودة تاريخ هذا الكيان السياسي والاجتماعي عبر كتابه، من جزأين: «سكان ليبيا» منطلقا من مفهومه الجذري للوطن الذي يتمثل في محتواه البشري وليس مجرد وصفه الجغرافي، وفي بعده الاجتماعي الذي تبنى فوقه الرؤى السياسية وما يتبعها من تخطيط تنموي وعمراني. إضافة إلى ما تركه من معاجم مهمة توثق لمراحل مقاومة هذا الكيان الاجتماعي للغزاة ما يضيف لمفهوم الوطن فعلا تاريخيا لا يبلور الهوية فقط لكنه ينعش المشاعر الوطنية لدى الأجيال القادمة، كما في «معجم المعارك الليبية» أو «بعد القرضابية».
كما أنه استطاع بعصاميته اللغوية أن يقتحم مجال الترجمة وفي كثير من مناحي الكتابة، بدأت بانكبابه على الأعمال التاريخية وكتب الرحلات التي تعكس رؤى المؤرخين والباحثين في الأنثربولوجيا لهذا الكيان ولأهم مدنه، العاصمة طرابلس خصوصا، التي كان الكيان يحمل اسمها: «طرابلس تحت حكم الأسبان»، «طرابلس من 1510-1850»، «الرحالة والكشف الجغرافي في ليبيا»، «ليبيا أثناء الحكم العثماني»، «ليبيا منذ الفتح العربي حتى سنة 1911»، «سكان طرابلس الغرب»، «مذكرات جيولتي»، «برقة الخضراء»، «نحو فزان (مراجعة)».
انشغاله بالتاريخ والتوثيق لم يبعده عن اهتمامه باللغة كفضاء قضى عمره يعمل داخله فأعد للطلاب «قاموس التليسي (إيطالي-عربي)»، وقاموس: «النفيس (معجم لغوي موسع في عدة أجزاء)».
بينما ظل وسواسه الأصلي المتعلق بالأدب عموماً، والشعر تحديداً، شاغلَه الأساسي إبداعاً وتنظيراً وتحليلاً وترجمة وانتقاءً وفق ذائقته المدرَّبة، فكتب عن شعراء عرب وعن الحالة الشعرية الليبية بحس نقدي مشاكس أرسى العديد من التصورات النقدية الوجيهة حيال مسألة الشعر والشعرية، وكانت مختاراته من الشعر العربي، أو من الترجمات الشعرية، تستجيب لهذه الرؤية الجمالية لجوهر الشعر: «الشابي وجبران»، «رفيق شاعر الوطن»، «مختارات من روائع الشعر العربي» (جزءان)، «قصيدة البيت الواحد»، إضافة إلى العديد من ترجمات الأدب العالمي، مثل: «الفنان والتمثال»، «قصص إيطالية»، «ليلة عيد الميلاد»، «هكذا غنى طاغور»، «الأعمال الكاملة للوركا»، «قصائد من نيرودا».
لم يتوقف عن كتابة المقالة الأدبية الرصينة التي كان يداور عبرها لترسيخ رؤاه الناضجة حول مفاهيم نقدية كانت تعالج ضمن النظرية الأدبية، ومفاهيم لم تأخذ حقها في العمل النقدي العربي حتى الآن، مثل: مفهوم الأدب، ومفهوم الشعرية، والتي جمعت معظمها كمقالات أدبية في عدة كتب، منها: «رحلة عبر الكلمات»، «كراسات أدبية».
وجاء تميز هذه الرؤى كونها كانت تبحث في مداخلها المعرفية الصرفة بمعزل عن ضغوط الأيديولوجيات التي كانت تحرك الثقافة والإبداع العربيين في تلك المرحلة. فكانت آراؤه الثاقبة مخلصة لجوهر الفن ببعده الإنساني، متجاوزاً المفهوم التقليدي للالتزام الذي هيمن عليه الخطاب الأيديولوجي بثقله وشروطه التي انزاحت بالفن من فضائه التجريبي إلى مساحة الانضباط الضيقة.
ومنذ خمسينيات القرن الماضي وهو يراود عبر كتاباته مفهوم الشعرية الذي كان مطروحاً في الوقت نفسه في معالجات النقد الغربي، وما زال حضوره خجولاً في الأداء العربي الذي ما زال يربط الشعرية بكتب القصائد. وتأتي محاولات التليسي المبكرة في مراودة مفهوم الشعرية كرد على الصراعات النقدية آنذاك حول تجارب الشعر الجديدة، وحول محاولات التفريق بين النثر والشعر، وكان رده الدائم أن النقد العربي مرتبك تجاه ثنائية غير موضوعية تتمثل في التفريق بين الشعر والنثر، بينما يعتبر - كما يذكر في أكثر من مكان - أن الثنائية الوجيهة بين الشعر والنظم، وهي الرؤية التي تجعله يعتبر أن الكون الشعري لدى توفيق الحكيم أعظم منه لدى أحمد شوقي، وأن موباسان وديستويفسكي شاعران عظيمان، وهي آراء جريئة وسط هيمنة توجه نقدي ما زال يعتبر في ذلك الوقت الأوزان والقافية هي شروط الشعر.
الغريب أن هذه الآراء المبكرة والمتفتحة لم تجد لها صدى في الحركة النقدية الليبية، وبالتالي لم تتواصل أسئلته أو تناقش إجاباته، باعتباره كثيراً ما كان يقدم استنتاجاته الجزمية، والناشئة كما يقول عن روح المعلم التي ما فتئت تلاحقه في كل ما يكتب.
طرح بوعي وذائقة مدربة تصوراته الحاذقة في مرحلة مبكرة مع بدايات تجديد القصيدة العربية المرتبكة، وكان لا ينكر في مقارباته النقدية أسلوبه التعليمي المتأثر بمهنته، مجادلاً حيال نبرته التلقينية في كتاباته، بقوله: «أنا لا أخلد إذا صح الخلود، في تاريخنا الوطني بالذات، بشيء كما أخلد بشخصية المعلم التي تختفي وراء أعمالي التاريخية والأدبية». ويظهر ذلك جلياً في معظم كتاباته النقدية، النظرية والتطبيقية، التي كانت من خلال تشعبها بين المحلي والعربي والعالمي، تراود بناء صرحه من التنظير النقدي الذي يرسم صيغته المفضلة للقصيدة العربية بكل أنواعها، أو القصيدة التي يعتبرها «معاصرة»، حيث المعاصّرة في طرحه لا تعني التي تُكتب الآن أو في هذا العصر، ولكن وفق قدرتها على أن تعكس مزاج عصرها وشخصية مؤلفها وتجربته الحياتية التأملية، وهي القصيدة الحداثية في نظره التي يمكن أن نقرأها الآن ويمكن أن نقرأها قبل ألف سنة، وأهم ما يميز رؤية التليسي للجوهر الشعري التعامل معه ككائن شفاف عفوي ومجرد، بعيد عن كل ما يشوبه من توظيفات اجتماعية أو رطانة سياسية تربطه غالباً بما يسمى قصيدة المناسبة التي لا عمر لها وتنتهي مع انتهاء الظروف التي أملتها، وقد ضرب في هذا الصدد أمثلة كثيرة عن ذلك الشعر الذي عمره من عمر قائله، ويكتسب نفوذه المؤقت من خلال كاريزما الشاعر أو فن الإلقاء، منتقلاً بمفهوم «الالتزام» مما ربطه بالموقف السياسي أو الأيديولوجي وإعادته إلى الإخلاص الفني والجمالي للتجربة وانعكاس هواجس وتأملات الشاعر المتجاوزة للزمن والمكان في قصيدته بما يضفي عليها بعداً إنسانياً وقدرة على اختراق الزمن.
فالشعر بالنسبة له «ليس شهادة وليس كفاحاً وليس نضالاً، الشعر عندي أغنية» كما يكرر دائماً. وهذه المعالجة الجمالية الطويلة للشعر التي تكبدها ناقد مثل التليسي منذ ما بعد خمسينيات القرن الماضي، كانت تكمن في داخلها ما يمكن أن نسميه نظرية لاستشراف القصيدة النثرية التي قال عنها فيما بعد «إنها محصلة صعبة ونتيجة طبيعية لهذه الثورة» وعلى خلاف جيله الليبي على الأقل كان الأكثر حماساً وتشجيعاً لمغامرة القصيدة النثرية والأكثر احتفاءً بشعرائها من الشباب.
رحل خليفة محمد التليسي (9 مايو 1930- 13 يناير 2010) بعد أن ترك - خلفه وأمامنا - مكتبة هامة، توزعت بين التاريخ والترجمة والمقالة والشعر والدراسات النقدية والعمل المعجمي والقواميس والمختارات الشعرية الذوقية، كما ترك الكثير من الأبواب المواربة حول مسائل ما زالت مثار جدل تتعلق بمفهوم الأدب ومفهوم الشعرية في النثر العربي، ما زالت مقارباته حيالها طازجة، وفي حاجة لكثير من المتابعة والمشاكلة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات