عمر الككلي كمبدع وإنسان مشتَبك مع تناقضاته، كالحياة في نظري، فهو المتمرد المغامر، المتأمل المتأني، فيكون الكاتب جامع المتناقضات، ونصه مفارقة بين الصرامة والدقة والاختزال، وكالعصافير الطليقة يغرد خارج السرب، مضطرم وهادئ، «لا ينزل النهر مرتين» كما قولة هيراقليطس (فيلسوف النار). وهو السارد قبل وبعد في نسق الشاعر، سياقه النثري كثيف خفيف أثير ما يوحي بالشعرية، حتى اصطلح ذات مرة في بداياته -مطلع سبعينيات القرن الفائت- على تسمية نصه: «القصة القصيدة»، ما عُرف فيما بعد عند الكاتب إدوارد الخراط، من عنده: أن جماليات نص كهذا في اعتماده على التكثيف والتركيز والإيجاز. ومن ذاك المفردة في نص الككلي منتقاة بحرص الصائغ، لتكون المحارة حاملة السردية، فإن لضمت في الجملة، تكون عقدة لا تنفك من قماشة السرد. السردية التي على جفاء حاد مع وحي الخاطر، ما تنظر بنظارة التشكيلي لا بميزان التعقل، فتنفرد في غابة السردية كشجرة وارفة، بساطها أحمدي لكن ليس كمثلها شيء.
أتذكر «انفعالات» ناتالي ساروت-من عرفتها أول العمر من زاد الككلي- التي لا تستخدم العبارة مطلقًا، إنها تنشر الكلمات القصيرة أحيانًا، والمتقطعة أحيانًا أخرى. والككلي استعار تكنيك التقطيع/ المونتاج السينمائي، فالجملة الاعتراضية لكسر السياق السردي، وبالتالي تبديد الوهم بما يقارب نظرة برتولت بريخت.
والمعمار السردي المبني عنده بإحكام، وتقتير الصائغ، يشوبه الاستطراد، لأنه متأنٍ وينسج قماشة سرده بروية، ومكر المفارقة، فهو يدس الحدث في سياق سردي سلس لكن حازم، ما يشبه الإنشاء التقريري الهندسي، المشوب أسلوبه بالعجائبية والسخرية الماكرة. وعلى الرغم من أن النص -كما أشرت- محكم وصارم فليس ثمة حواشٍ وزوائد، بل ثمة اقتضاب وتكثيف شعري ملحوظ.
اللغة في هكذا نص مطية، غازلها شحيح، مغزله قول هايدجر: «اللغة منزلة الوجود»، ومن هذا المفردة موزونة بمثقال الذهب، رغم اعتياديتها، فهي ممتلئة بالدلالة، كمثال قصة «القرار الرطب» التي مبتدأها خبرها: «كنا نسير تحت المطر، مطر خفيف عمودي، كنت أحب، وأتعمد، أن أسير تحت المطر. أنت لا تحبين السير تحت المطر...». القرار رطب، أجواء الحدث رطبة، الجمل تتلو بعضها كحبات المطر، المفارقة التي يدسها الككلي في مطلع النص/ القصة أن الراوي يحب المطر لكن المخاطبة لا تحبها، في الختام يحدث: «.... وشرعت في قطع الطريق والمطر يهطل. لم تستوقفيني. لم تناديني. وكنت أتمنى أن تفعلي (أعترف).». وفي أجواء رطبة ولغة تقريرية وحدث قصير التيلة يكون «القرار الرطب»، ثمة إدغام للغة والسياق السردي والحال السيكولوجي لشخصية النص، ما ماهيتها (اعتراف)، في صيغة تقرير جوي!
قارئ نص كذلك قارئ حصيف ليس على عجل، لأنه النص الذي نسج نأمة فنأمة، لا تحكمه تفاصيل ولا مجمل القول، ليس الظاهر فيه السبيل ولا الباطن، التداخل يخفي كما يظهر المقاربة السردية، ما تولي للشيء في ذاته سياق السردية، بغض النظر عن أنه تفصيل ما في الحدث أم أنه مركزه، فالسرد يبدو أنه السياق، ليس الحدث ولا الشخصية، لا طول النص لا قصره، حتى يظن الظان أن السارد غايته السرد، فهو شهرزاد من تلظّم عقدة من عقدة، حيث يأخذه الاستطراد أو الاقتضاب سيان، لأن البنية السردية تشكل السياق. ومن ذلك نص الككلي نسقه كيف يقول وليس ماذا يقول، دون مماحكة أو تملق القارئ بخاصة القارئ الناقد، وهكذا نص كما أشرنا نسيج من خيط واحد لا ينصرم، المفردة مشحونة بالدلالة وسيميائها الجمالية، مثلما قصة «سماع» في قصص «الأرض المحصورة»، مدخلها: عندما سمع الطرق العنيف على الباب، في الهزيع الأخير من الليل، رغم وجود الجرس، لعبت به الهواجس. كان بالحمام، وكانت محتويات أمعائه محتدمة. قال: هذا أسوأ وقت يمكن أن يأتوا فيه، للنظر للعلائق بين مفردات هذا الاقتباس: سمع، طرق، عنف، هزيع، جرس، هواجس، احتدام، فكل المفردات محملة بدلالة إيقاع عال وصاخب ويشي بالسوء، دون حشو وافتعال أيضًا ثمة علائق جمالية تحوك الجمل ما تكشف عن العنف والعسف ما تلاقيهما الشخصية من قوة غاشمة نتبينها في مجمل النصوص.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات