Atwasat

الوطن بين عقلية الاستحواذ وأمانة التكليف

فرج أبوخروبة الثلاثاء 14 أبريل 2026, 02:02 مساء
فرج أبوخروبة

لم تكن أزمة ليبيا يوماً لغزاً معقداً يستعصي على الفهم، بل إن أصل الحكاية يبدو أبسط وأقسى مما يتخيله الكثيرون: صراع محموم على السلطة هو الجذر التاريخي والسياسي الذي تفرّعت منه كل الأزمات اللاحقة. إن ما نراه اليوم من انقسام مؤسساتي، وفوضى عارمة، وتدهور اقتصادي وأمني مستمر، ليس سوى انعكاس مباشر لمعركة لم تُحسم بعد، والأنكى من ذلك، أن أطرافها الفاعلة لا تريد لها أن تُحسم؛ لأن الحسم يعني نهاية الامتيازات وبداية عصر المحاسبة.

في هذا الصراع المرير، لم تكن الدولة يوماً هي الهدف الأسمى، بل كانت «الغنيمة» الكبرى التي يسعى الجميع لاقتناص حصة منها. لقد تحوّلت المؤسسات السيادية من حصون لحماية الوطن إلى أدوات لخدمة الأفراد والولاءات الضيقة، وأصبحت القرارات المصيرية مجرد أوراق للمساومة في أسواق النفوذ، بينما تحول الوطن برمته إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

ومع كل جولة صراع جديدة، كان الخاسر الحقيقي والوحيد هو المواطن البسيط، الذي وجد نفسه فجأة خارج كل المعادلات، يدفع ثمن طموحات لا ناقة له فيها ولا جمل، ويراقب ضياع مقدراته دون أن يملك صوتاً مسموعاً.

ومع استمرار هذا العبث الممنهج، بدأت تتشكل في أعماق المجتمع أزمة ثقة وجودية بدأت تنهش جسد المستقبل؛ فلم يعد الناس يثقون في من يحكم، ولا في من يعارض، ولا حتى في الشعارات البراقة التي ترفعها الهيئات الدولية.

أصبح الشك هو القاعدة الذهبية في التعامل مع أي مبادرة حل، والاطمئنان بات استثناءً نادراً لا يجرؤ أحد على اعتناقه. وهذا هو المنزلق الأخطر الذي وصلنا إليه اليوم؛ ففقدان الثقة لا يهدم الحاضر فحسب، بل يغتال الخيال الجمعي ويمنعنا من الحلم بوطن مستقر.

والأدهى من ذلك أن هذا الصراع لم يبقَ حبيس مكاتب النخبة السياسية، بل تسلل ببطء وخبث إلى النسيج الاجتماعي، مخلفاً انقسامات حادة واصطفافات مناطقية وقبلية ضيقة، ونظرة متوجسة وعدائية تجاه «الآخر» الشريك في الوطن. وكأن معركة الاستحواذ على السلطة في هرم القيادة قد أعادت هندسة العلاقات الإنسانية في القاعدة، فأصبح الانقسام جزءاً أصيلاً من تفاصيل الحياة اليومية، ينعكس في لغة الحوار، وفي المواقف الاجتماعية، وحتى في أبسط مقومات العيش المشترك، مما يهدد بتحويل التنوع الوطني من مصدر قوة إلى فتيل دائم للاشتعال.

إن أي صراع على السلطة، مهما بلغت درجة تعقيده وطال أمد استنزافه، يصل حتماً إلى لحظة الحقيقة؛ تلك اللحظة التي تضع الجميع أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانهيار الكامل الذي يأكل الأخضر واليابس، أو امتلاك شجاعة الاعتراف بضرورة إعادة تعريف الدولة من الصفر. والحل هنا لا يمكن أن يبدأ بالوسائل التقليدية التي جُربت وفشلت، كتغيير الوجوه أو تبديل الكراسي، بل يبدأ بـ«ثورة مفاهيمية» تغير قواعد اللعبة السياسية جذرياً.

نحن بحاجة لبناء دولة لا تُرى فيها السلطة كحق مكتسب أو غنيمة حرب، بل كمسؤولية أخلاقية ووطنية مقدسة. دولة تقوم على توازنات دقيقة بين السلطات، وتفعل آليات المحاسبة الشعبية والقانونية، وتقوم على مبدأ القبول بالاختلاف كقيمة حضارية لا كذريعة للإقصاء. إن بناء عقد اجتماعي جديد هو المخرج الوحيد، عقد يضع المواطن وحقوقه وكرامته في قلب المعادلة الوطنية، ويعيد الاعتبار لمفهوم «المواطنة» كمعيار وحيد للانتماء والوظيفة العامة.

ليبيا، في حقيقة الأمر، لا تعاني من فقر في الموارد الطبيعية، ولا تفتقر إلى الموقع الاستراتيجي أو الطاقات البشرية المبدعة، بل تعاني من أزمة «إرادة سياسية» صادقة تضع حداً لهذا الاستنزاف التاريخي. فكل الثروات الهائلة والمواقع المميزة تظل مجرد أرقام معطلة وجغرافيا صامتة ما دامت عقلية «الاستحواذ» هي المحرك للقرار، وما دام الوطن يُدار بمنطق الشركات الخاصة والمصالح العائلية. إن المعركة الحقيقية التي يجب أن نخوضها اليوم ليست معركة «من يترأس ومن يحكم»، بل هي معركة استعادة «فكرة الدولة» ذاتها من براثن الفوضى.

إن أخطر ما يواجهه الليبيون اليوم هو الانهيار النفسي الجمعي، ذلك الشعور بالعجز الذي يجعل أي مشروع وطني يبدو مجرد قصيدة حالمة أو شعار أجوف. وحين تتحول السياسة إلى «لعبة مغلقة» بين أطراف متصارعة خلف الأبواب، يصبح المجتمع بأسره رهينة لمصالح عابرة للحدود، ويغيب الأفق ويذبل الأمل في التغيير.

لذلك، لم يعد من المقبول الاستمرار في الدوران داخل تلك الحلقة المفرغة التي سئمها الليبيون؛ انتخابات تُؤجل في اللحظات الأخيرة، وحكومات تتناسل وتتنازع الشرعية، ومؤسسات رقابية مشلولة، ووعود تتبخر بمجرد جفاف حبرها.

لا يمكن أن نظل أسرى معادلة «من يحكم» التي استهلكت عقداً من الزمان، بينما السؤال الجوهري الذي يحدد مصير الأجيال القادمة هو «كيف نُحكم؟» وما هي الضمانات التي تحمي الدولة من تغول الأفراد؟ إن ليبيا تحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى مشروع وطني صريح وشجاع، مشروع يحدد «قواعد اللعبة» بصرامة لا تقبل التأويل: سلطة مقيدة بدستور دائم لا يفصل على مقاس الأشخاص، ومؤسسات وطنية محمية بقوة القانون لا بقوة السلاح، ومواطن شريك فاعل في الرقابة وصناعة القرار وليس مجرد متفرج ينتظر دوره في طوابير الخدمات.

إن أي محاولة للالتفاف على هذه الحقائق، أو محاولة تخدير الشعب بمسكنات سياسية مؤقتة، لن تؤدي إلا إلى تعميق الجرح وزيادة تآكل ما تبقى من هيبة الوطن. فالأزمات المعيشية الخانقة، والانقسامات الاجتماعية المريرة، والتهديدات الأمنية المستمرة، ليست إلا أعراضاً جانبية لمرض واحد مستعصٍ، وهو صراع على سلطة مطلقة بلا قواعد وبلا ضوابط. وإذا لم نملك الجرأة الكافية لمواجهة هذا المرض في جذوره العميقة، ستظل كل الحلول المطروحة مجرد عمليات تجميلية لواقع مشوه، وستبقى الوعود مجرد صدى في وادٍ سحيق. الخلاصة التي يجب أن يعيها الجميع، ويجب أن تُقال بأعلى صوت وبمنتهى الوضوح: ما دامت السلطة في تفكيرنا هي الغاية القصوى، سيبقى الوطن هو الضحية الدائمة على مذبح الطموحات.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»