Atwasat

الهُرَاء

صالح الحاراتي الأربعاء 25 مارس 2026, 09:39 مساء
صالح الحاراتي

معظم معاجم اللغة تُظهر معنى «الكَلاَمُ الهُرَاء» بأنه «كَلاَمُ هَذَيَانٍ، غَيْرُ خَاضِعٍ لِمَنْطِقٍ، ويقال رَجُلٌ هُرَاءٌ أي كَثِيرُ الْكَلاَمِ بِلاَ مَعْنىً، وكذلك اِمْرَأَةٌ هُرَاءةٌ».

فالهُرَاءُ هذيان، وكلام كثير فاسد لا نظام له، ولا رابط بين جُمله، وكلمات وعبارات دون معنى لها.

وعندما يُقال: هرَأ فلانٌ في منطقه، أى أكثر الخطأ والقبيح في كلامه. واشتقاقا من اللفظ يقولون أيضا: «هرَأ فلانٌ اللَّحمَ أى طبخه حتَّى تفسَّخ، وهرَأَهُ البردُ: اشتدّ عليه حتَّى كاد يقتله، وتَهَرَّأ ثَوْبُهُ أى تَمَزَّقَ أطْرَافاً».

وبعد هذا التقديم، أعود إلى عنوان هذه السطور لمزيد من التفصيل، فالهُرَاء ليس حكرا على أفراد عاديين أو رجل الشارع، وإنما قد يكون فى بعض المجتمعات لسان حال النخبة وأهل السلطة.. فكم من مسألة تافهة وغير ذات أولوية يتم بحثها والحديث عنها بإسهاب، بينما هناك قضايا تهم أوضاع الناس وذات أهمية يتم غض الطرف عنها وإهمالها.

فى بلاد ليس بها دستور، ومؤسساتها منقسمة، وعملتها المحلية منهارة، ومعيشة شعبها ضنك، ومع هذا يعقد مجلسها التشريعي جلسات ومناقشات من أجل سن قانون يتعلق بالسحر والسحرة!

وجدت فى منشور لصديق مصطلح «Brain rot» (عفن الدماغ) كمثال لنوع منتشر من الأفراد، ومن أجل معرفة المزيد عن معناه وجدت أنه مصطلح حديث يصف التدهور العقلي أو الفكري نتيجة الإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي التافه أو غير المحفز فكرياً، مما يؤدي إلى ضعف التركيز والتشويش الذهني، بل تم اختيار هذا المصطلح ككلمة العام 2024 من قاموس أكسفورد.

والمصطلح باختصار هو كناية عن تأثير المحتوى السطحي على الدماغ، الذي يجعله أقل قدرة على التفكير العميق، وتشمل أعراضه صعوبة التركيز وحل المشكلات.

وأظن أنه حال تقبل العلاج، فهناك من يقول إنه بالإمكان الحد من تأثير ذلك الحال من خلال تقليل متابعة التفاهة، وممارسة أنشطة ذهنية أخرى.

والخلاصة أن المعنى ليس ببعيد عما ورد فى كتاب آلان دونو «عالم التفاهة»، وإشارته إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع الحديث، وتحولاته التي دفعت بالفكر العميق والإبداع إلى الهامش، مفسحةً المجال أمام التفاهة والسطحية.. فكثرة الوسائط والقنوات تعني غزارة في المنتج، وللأسف مع قلة الجودة والركاكة والابتذال، ولكن هذا لا يعني عدم وجود الإنتاج القيم والمفيد. لذا علينا اختيار المثمر، وترك الغث يذهب جفاء.

هناك ما تسمى «الأولويات»، وهى ما يجب الاهتمام به قبل الاهتمام بالفروع، وبكل ما هو ثانوي من صغائر الأمور، وكمثال نستحضر العبارة التى تقول: «جفف المستنقع قبل محاربة البعوض بالمبيدات»، فتحديد الأولويات يحتاج إلى التفكير والتخطيط، وذلك بتحديد الأهداف الطويلة المدى، وتدوين ما يهمك حقاً، والتمييز بين العاجل والمهم، مع التركيز على المهام المهمة التي تحقق الأهداف الطويلة المدى، وليس فقط المستعجلة.

ولأن لغتنا العربية غنية بمفرداتها، نستحضر لفظ «تُّرَّهاتُ»، فالترهات يقترب معناها مع الهراء، فهى الأقاويل الخالية من النفع، ومفردها «تُرَّهة»، وتعني الكلام الفارغ وتوافه الآراء ، أو الشعارات الفضفاضة العامة التي لا طائل منها.

وهناك من يقول إن «ترهات» كلمة فارسية مُعربة، استُخدمت مجازاً للدلالة ووصف الحديث الذي يضيع الوقت ولا فائدة منه، والإشارة إلى التوافه والخرافات والأباطيل، ويقال إن هذا اللفظ الفارسي المُعرب كان يعني في الأصل: الطرق الصغيرة المتشعبة عن الطريق الرئيسي، وغالبا ما يُستخدم ويأتي في سياق وصف أخبار كاذبة، إشاعات، أو تحليلات سطحية ومكررة. ويُقال: «إيّاك والانصياع للترهات»، أي ابتعد عن تتبع الأمور التافهة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»