Atwasat

تسلل إنجليزي

جمعة بوكليب الأربعاء 25 مارس 2026, 08:24 مساء
جمعة بوكليب

حين تندلع حربٌ في الشرق الأوسط، تستحوذ أخبارها فوراً على اهتمام وسائل الإعلام الدولية، ولا تترك وقتاً أو فراغاً لغيرها من حوادث الدنيا للبروز. هذا لا يعني أن الحياة في بقاع العالم الأخرى تتوقف. الناس هم الناس أينما كانوا، أولوياتهم أن يعيشوا حيواتهم، ولكي يعيشوا يتوجب عليهم مغادرة بيوتهم والسعي في طلب أرزاقهم. طلب الأرزاق قد يكون قريباً أو بعيداً؛ بعضنا يجد رغيفه في متناول يده، وبعضنا الآخر يضطر إلى قطع آلاف الأميال. الهجرة لا تقتصر على البشر؛ الحيوانات مثل البشر تهاجر قطعاناً وفرادى.

هجرة البشر قطعاناً خلال السنوات الأخيرة ظلت الخبر الأول في أغلب وسائل الإعلام الدولية، وتسببت في أزمات سياسية في كثير من دول العالم، وأدت إلى ظهور الأحزاب والحركات الشعبوية العنصرية، وأربكت إيقاع السياسة التقليدية في أميركا وأوروبا. غياب أخبار الهجرة والمهاجرين في وسائل الإعلام هذه الأيام يعود إلى أن الرئيس الأميركي ترامب لم يترك لغيره فرصة للظهور الإعلامي. الأمر الذي دفع البعض إلى الاعتقاد بأن القابلة قطعت حبل سُرّته على منصة إعلامية، أمام كاميرات المصورين والصحافيين.

الهجرات الجماعية لا تعني أن الهجرات الفردانية لم يعد لها وجود. آخر المهاجرين الأفراد تمكن من قطع مسافة أكثر من 5 آلاف كيلومتر، ونجح في الوصول بسلام إلى وجهته، والأهم أنه فتح ثغرة في جدار الرئيس ترامب الإعلامي بظهور صوره فيها، وحظي بنصيب وافر من التقارير والتعليقات.

المهاجر المقصود كان ثعلباً إنجليزياً، وصل أميركا أخيراً على متن سفينة شحن ضخمة. التوقيت كان مدعاة للإعجاب؛ فإدارة الرئيس ترامب أغلقت كل الأبواب والمسالك أمام قدوم المهاجرين إلى أميركا، وأرسلت قوات خاصة لمطاردتهم في مختلف المدن الأميركية، والقبض عليهم وشحنهم إلى البلاد التي جاءوا منها.

لكن الثعلب الإنجليزي، بدهاء ومكر أهل الجزيرة، تسلل إلى أميركا وفرض حضوره في وسائل الإعلام. ورغم ازدحام نيويورك بالثعالب من كل جنس ولون، إلا أنها لم تجد غضاضة في استقبال ثعلب إنجليزي آخر، أحمر اللون، وفصيح اللسان.

السؤال في الإعلام البريطاني لم يكن كيف وصل ثعلب إنجليزي إلى نيويورك، بل ما الأسباب والدوافع وراءه؟ هل الدافع سياسي لإحراج الحكومة البريطانية؟ البعض عزا الهجرة إلى التدهور في مستوى المعيشة في بريطانيا، والبعض الآخر أشار إلى محنة ارتفاع نسبة البطالة. أسباب أخرى كثيرة وضعت على مناضد النقاش.

الثعلب الإنجليزي المهاجر التزم الصمت التام تجاه كل الأسئلة التي وُجّهت إليه لدى الوصول إلى نيويورك من قبل رجال ونساء إدارة الهجرة الأميركية. الأمر الذي فتح الأبواب أمام المعلقين والمحللين-المختصين وغير المختصين- في أميركا للمسارعة إلى الظهور في وسائل الإعلام لتقديم التفسيرات..

واقعياً وفعلياً، الأمر لا يستدعي كل هذه الشروح. الحكاية وما فيها أن ثعلباً صغيراً لا يتجاوز من العمر عامين، ضاقت به بلاده، فقرر الهجرة إلى بلاد أخرى. المصادفة أن السفينة التي اعتلاها في ميناء ساوثهامبتون الإنجليزي كانت قاصدة نيويورك، ولا شيء آخر. الهدف كان الهجرة، وليس مهماً الجهة.

الرغبة كانت في أن «يهج من البلاد». وصوله إلى أميركا بالمصادفة أعفاه من مشكلة تعلم اللغة، إذ ليس عليه سوى «تعويج» لسانه قليلاً حتى يتكلم مثل النيويوركيين.

في الحجر الصحي بمدينة نيويورك، أكدت التقارير البيطرية أن الثعلب الإنجليزي يتمتع بلياقة صحية جيدة، وصحته النفسية «عال العال». السؤال عن الكيفية التي تمكن فيها من الاختفاء في السفينة، ومن أين كان يتحصل على طعامه طيلة أسبوعين مدة الرحلة البحرية، تُرِك لتخمين المسؤولين. وعليه الآن الصبر والبقاء في المكان الذي وُضع فيه مؤقتاً حتى يتمكن المسؤولون من إتمام الإجراءات الإدارية ومنحه حق اللجوء في واحدة من حدائق الحيوان تتناسب ومقام ابن العم.

الثعلب الإنجليزي، حسب الأخبار المتداولة، لم يكن يحمل أوراقاً ثبوتية رسمية عند وصوله إلى المرفأ النيويوركي، ويُظن أنه على عادة المهاجرين غير القانونيين أقدم على حرقها قبل الوصول. لذلك السبب، لم يعرف موظفو الهجرة الأميركيون اسمه، فأسموه «الثعلب الأحمر» نسبة إلى لونه.

أما العتبة الأخيرة الصعبة، فتكمن في رد فعل البيت الأبيض. إذ يُقال أن الرئيس ترامب غضب وحنق من المهاجر الإنجليزي لأنه خطف الأضواء منه إعلامياً للحظات، وهو أمر لا يُغتفر في عالم الرئيس ترامب.

في الضفة المقابلة من الأطلسي، يخشى المعلقون البريطانيون أن يتحول هذا الثعلب «غير القانوني» إلى ورقة ابتزاز رابحة في يد الرئيس ترامب، يُمارس بها ضغوطاً على حكومة لندن. فالثعلب الآن، قد يُصبح مبرراً لفتح ملفات أكبر، تماماً كما تُستخدم أوراق المهاجرين أحياناً لفرض إرادات سياسية لا علاقة لها بقوارب النجاة أو سفن الشحن. في لعبة المصالح الكبرى، تنعدم الفوارق بين ثعلب أحمر متسلل إلى ميناء، وبين حليف تاريخي يُريد أن يحافظ على استقلالية قراره.
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»